عدم صرف المال بحكمة يسبب مشاكل للاجئين يتلقون مساعدات
عدم صرف المال بحكمة يسبب مشاكل للاجئين يتلقون مساعدات

الإسراف في صرف المال من أجل التباهي هو سلوك لا يقتصر على فئة اجتماعية أو عمرية معينة، لكن لاجئين في ألمانيا وجدوا أنفسهم في مشاكل هم في غنى عنها نتيجة سلوكيات خاطئة. فما هو سبب ذلك وما هي انعكاساته على الأسرة وخاصة الأطفال؟

التباهي بالإسراف في إنفاق المال أمر لا يقتصر على فئة اجتماعية معينة، لكن انعكاساته السلبية قد تكون أشد على فئة معينة من المجتمع دون غيرها. في ألمانيا يجد بعض اللاجئين أنفسهم في مقارنة مع غيرهم من اللاجئين الذين وصلوا معهم في نفس الفترة لكن مستواهم المعيشي مختلف عنهم بكثير. وتحول امتلاك السيارة والموبايل الأحدث والملابس والمجوهرات الثمينة إلى مقاييس للاندماج في المجتمع الجديد لدى بعض اللاجئين. من خلال معايشته اليومية لبعض اللاجئين في محيطه يلاحظ علي، وهو لاجئ مقيم في ألمانيا منذ قرابة ثلاث سنوات، كيفية استغلال البعض المساعدات المالية المقدمة لأطفالهم للتباهي أمام غيرهم من اللاجئين، ويقول لمهاجر نيوز "هناك من يوفر أموال المساعدات، وبعد فترة قليلة تجده يمتلك سيارة ويشتري الحلي لزوجته. وغالبا ما يحدث هذا في عائلات لديها أطفال، إذ يحرم رب الأسرة أطفاله من حاجياتهم الأساسية من أجل جمع المال والتفاخر بسيارته مثلا".

وعن أثر هذه السلوكيات على نفسيته ونفسية غيره من اللاجئين يقول علي:" بصراحة هذا الأمر بات يسبب لنا حساسية نحن اللاجئون. فأنا أعمل على فترتين، حيث لدي عقد عمل بدوام كامل وآخر جزئي ولا أستطيع حتى توفير ثمن استخراج رخصة القيادة، بينما غيري لا يعمل ويتباهى بجمع المال والسيارة الفخمة والرحلات". يرسل علي شهرياً جزء من راتبه لأهله وعائلات إخوته في سوريا. 


مشاكل مالية واجتماعية

أحد أقارب علي، وهو لاجئ يعيش في ألمانيا، قادته سلوكيات التباهي إلى السجن بعد أن تحول من شخص متطوع في رعاية المسنين إلى شخص مدمن على المخدرات ومروج لها. ويروي اللاجئ السوري قصة قريبه الذي "كان يعيش من راتبه مرتاح البال، لكن تعرفه على شباب آخرين غير كثيراً من قناعاته وبدأ بتعاطي المخدرات كنوع من التباهي. وبعد أن عجز عن شرائها من راتبه أقنعه رفاقه بالإتجار في المخدرات، لينتهي به الأمر في السجن. وبعد إطلاق سراحه، تم فصله من العمل وقطعت المساعدات المالية عنه ويعاني الآن من حالة نفسية صعبة بسبب فقدانه عمله وتراكم الديون عليه".

من الصعب أن تجد شخصاً يقبل الحديث بشكل صريح عن تصرفاته، خاصة إن كان الحديث عن سلوكياته وعاداته السلبية التي لا يستطيع التخلص منها بسهولة. لهذا تحدث مع مهاجر نيوز يوسف )اسم مستعار( الذي عايش عددا من تجارب أصدقائه ومعارفه من اللاجئين هنا في ألمانيا وما حدث معهم من مشاكل جراء سلوكيات الإسراف والتباهي. في البداية سرد يوسف قصة شخص لديه هوس بإقامة العزائم في بيته، ويقول لمهاجر نيوز" لا يكاد يمر يوم إلا وتجد لديه زيارة من أحد المعارف أو الأصدقاء من مدن أخرى؛ وهو يعتقد أن هذا الأمر إضافة إلى كونه نوعاً من الواجب يمنحه سمعة جيدة؛ ويحب التباهي باستقباله للضيوف وإكرامهم". ويتابع يوسف سرد قصة اللاجئ السوري "هذا الأمر يتطلب منه إضافة إلى الجهد وأحياناً الغياب عن العمل إنفاق الكثير لتلبية حاجات ضيوفه". وبسبب صرفه أموالاً كثيرة، أصبح يواجه أزمة مالية، وبالرغم من نصائخ المحيطين به لا يغير سلوكه.

أما أميرة (اسم مستعا) فهوسها بإقامة الحفلات والمناسبات العامة وزيارة المطاعم والمقاهي، يظهر بوضوح على حسابها الشخصي على موقعي التواصل الاجتماعي انستغرام و فيسبوك، إنها لاجئة سورية وصلت ألمانيا مع زوجها. سلوكياتها كادت أن تؤدي بها إلى الطلاق، كما يروي يوسف لمهاجر نيوز، ويقول إنها تريد أن تظهر للآخرين أنها تعيش حياة مرفهة رغم أن الواقع غير ذلك ويضيف أن "الديون تراكمت على زوجها بسبب سلوكياتها. ما انعكس سلباً على حياتهما الزوجية التي أصبحت مهددة بالطلاق".

استغلال المساعدات على حساب حاجيات الأطفال

يرى بعض اللاجئين ممن تحدث معهم مهاجر نيوز أن سلوكيات الإسراف والتفاخر، آخذة في الانتشار بينهم ويخشون من تحولها إلى ظاهرة، وهو ما ينفيه الخبير الاجتماعي الألماني المهتم بشؤون المهاجرين واللاجئين في ألمانيا، سامي شرشيرة، الذي يقول في حواره مع مهاجر نيوز "من خلال عملي اليومي مع اللاجئين والمهاجرين الجدد لا أرى أن هذه السلوكيات تحولت إلى ظاهرة في أوساطهم. لا شك أن هناك بعضاً منها، ولكنها لا ترقى إلى تسميتها ظاهرة".

وعن العوامل التي قد تؤدي إلى ظهور مثل هذه السلوكيات يشير شرشيرة إلى أن أي شخص يمكن أن يضع نفسه في مكان ذلك المهاجر أو اللاجئ الجديد الذي عاش سنوات من الحرمان خلال الحرب الأهلية في سوريا مثلاً أو حتى قبل ذلك وكانت لديه طموحات وحاجيات لم يستطع تلبيتها، ويضيف بأن ذلك "هو شعور لا عيب فيه، فكل واحد لديه طموحات. وكثيرون يريدون اقتناء أحدث الأجهزة الالكترونية أو الهواتف الذكية أو ملابس أو غيرها من الأشياء، وهذا أمر طبيعي ومشروع، لكن بشرط ألا يكون على حساب الأطفال أو شريك الحياة".

ويشير الخبير الاجتماعي إلى انعكاس سلبي لهذه السلوكيات على الأسرة وبالأخص على الأطفال، إذ أن النظام الاجتماعي في ألمانيا يعتمد بصفة مباشرة على مسؤولية الآباء والأمهات في التصرف بالمساعدات المقدمة للأطفال وتأمين حاجياتهم. و"قد يجد بعض اللاجئين الجدد أنفسهم أمام هذا النظام الغريب عن بلدهم، والذي ليس لهم دراية به ولا يعرفون المقصد منه. كما يتطلب التعامل معه التحلي بالمسؤولية والإدراك. وقد يتم استغلال هذه الأموال من قبل بعض الآباء لمصالحهم الشخصية على حساب تأمين حاجيات الأطفال الأساسية وضمان مستقبلهم". من ناحية أخرى لا تدخل سلوكيات الآباء والأمهات فيما يتعلق بطريقة صرف الأموال ضمن الأسباب التي قد تؤدي إلى قطع المساعدات عن اللاجئين، حسب شرشيرة ولهذا فإن "دور المجتمع المدني مهم في توعية الآباء والأمهات بهذا الجانب المهم في حياتهم".

تجدر الإشارة إلى أن قانون مساعدات طالبي اللجوء (AsylbLG) ينظم المساعدة المالية للاجئين في ألمانيا، وينص القانون على تقديم مساعدة مالية تصل إلى 354 يورو شهريا للشخص الواحد. واللاجئون الذين يتم قبول طلب لجوئهم  يحصلون على كامل المساعدات المالية بشكل نقدي ومنها المساعدات للأطفال.

 إيمان ملوك

 

للمزيد