أحد مخيمات اللاجئين السوريين في منطقة البقاع اللبنانية. أرشيف
أحد مخيمات اللاجئين السوريين في منطقة البقاع اللبنانية. أرشيف

أدت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان إلى اندلاع موجة احتجاجات على كامل مساحة البلاد، للمطالبة بإجراء إصلاحات جذرية وإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية المستجدة. في هذا الظرف، كيف يعيش اللاجئون والنازحون في ذلك البلد؟ وكيف ينظرون إلى مسار الأمور؟

بعد مضي قرابة أربعة أشهر على انطلاق المظاهرات المطلبية في لبنان، مازال الوضع على ما هو عليه. المتظاهرون يطالبون بإصلاحات جذرية للنظام السياسي والاقتصادي للبلاد، الذي يحملونه مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعصف في البلاد. في المقابل، يتقاذف السياسيون وأحزابهم المسؤوليات حول ما آلت إليه الأوضاع، محملين المسؤولية لبعض حينا ولأزمات إقليمية ودولية أحيانا.

وحسب المتظاهرين، فإن نسب البطالة والعجز الاقتصادي الحالية باتت غير مقبولة، في حين بلغت نسب الهجرة مستويات خيالية مقارنة بسنوات الحرب الأهلية على سبيل المثال. ووفقا للكثير من المتظاهرين، أو الثوار كما يحبون تسمية أنفسهم، فإن الهجرة باتت هي الخيار الأول أمام الشباب اللبناني للهرب من الواقع الاقتصادي المتردي الذي يعانون منه.

محمد، شاب عشريني أتم دراسة هندسة الميكانيك في الجامعة الأمريكية في بيروت، قال لمهاجر نيوز إنه مضى على تخرجه "عامان الآن، وما زلت بلا عمل. أهلي دفعوا عشرات الآلاف من الدولارات كي أتمكن من الدراسة في إحدى أرقى جامعات الشرق الأوسط. ولكن للأسف، ونتيجة للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها الدولة اللبنانية على مدار عشرات السنوات، بت أنا وغيري بلا عمل".

للمزيد: اللبنانيون يطالبون "بإسقاط النظام" واللاجئون يطلبون "الأمان والسلامة"

محمد ليس حالة فريدة في لبنان، فغيره الآلاف من الشباب اللبناني العاطل عن العمل، أو ممن اضطروا للبحث عن أي مهنة لإعالة أنفسهم وعائلاتهم، حتى وإن كانت مختلفة عن مجال اختصاصهم أو دراستهم.

عادل، شاب عشريني أيضا، أتم دراسة الفندقية قبل ثلاث سنوات ويعمل اليوم في أحد محلات بيع الأدوات الكهربائية في بيروت. يقول عادل "كل الشغف والطموح والحماس الذي كان لدي قبيل تخرجي من المعهد انتهى. ثلاث سنوات كفيلة بالقضاء على أي حلم. أنا أعمل أكثر من 11 ساعة يوميا لأتقاضى الحد الأدنى، فقط لأتمكن من مساعدة أهلي بمصروف المنزل. بالنسبة لي البقاء هنا جريمة، أدرس عددا من المقترحات حول الهجرة حاليا، وأعتقد أنني لن أتم العام الحالي إلا وأنا في أوروبا".

وترافقت الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد مع ارتفاع في أسعار السلع الغذائية، فضلا عن اضطرار آلاف المؤسسات الصغيرة للإغلاق مخلفة عشرات الآلاف من الموظفين بحالة بطالة.


اللاجئون هم أصل المشكلة

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، برز في لبنان خطاب معاد للاجئين إجمالا، يتهمهم بالمسؤولية عن انهيار البنى التحتية للبلد الصغير، فضلا عن المسؤولية عن مشكلة الكهرباء والبطالة. تلك الخطابات استمرت بعد انطلاق المظاهرات في لبنان، حيث اتهمت بعض الشخصيات السياسية اللاجئين السوريين بإخراج الدولار من لبنان إلى سوريا بكميات ضخمة، الأمر الذي أثر على سعر صرفه مقابل الليرة اللبنانية، وبالتالي أدى إلى الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد.

يذكر أنه بالنسبة للكثير من العائلات السورية تحديدا في لبنان، تعتبر معونات الأمم المتحدة السند الوحيد المتبقي لها لتغطية نفقاتها.

هذه الاتهامات أدت إلى تعرض الكثير من السوريين لمضايقات أثناء سحب أموال المساعدات المخصصة لهم من المصارف اللبنانية، حيث كانوا يتعرضون للتحرش كي يتوقفوا عن سحب أموالهم.

عماد شري، مدير إحدى المنظمات الإنسانية الدولية في لبنان، قال لمهاجر نيوز إن "الاحتقان الحاصل في الشارع يمكن لأي جهة الآن أن تستثمره لصالحها، خاصة وإن كانت تدعي أنها لديها إجابات عن أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية. وهنا يأتي خطاب تلك الشخصيات المعادية للاجئين والنازحين، حيث تعمدت إلصاق تهمة إفراغ المصارف من عملة الدولار بظهر اللاجئين السوريين، تماما كما ألصقوا كافة مشاكل البلد منذ 60 عاما وحتى اليوم باللاجئين الفلسطينيين".



مصاعب معيشية وخوف من ذكريات الأحداث في سوريا

الوضع العام الحالي يضغط بقوة على اللبنانيين، فما بالك باللاجئين والنازحين المقيمين هناك؟

بالنسبة للاجئين الأزمة طالت، ومعها انخفضت قدرتهم الشرائية بنسبة 50%. حتى فرص العمل البسيطة التي كانت متاح لهم في السابق باتت شبه معدومة الآن. أغلب اللاجئين السوريين مثلا باتوا عاجزين عن دفع أجور منازلهم، فلجأوا إلى المعونة الشتوية التي تلقوها من مفوضية اللاجئين (560 ألف ليرة لبنانية، ما يعادل 340 يورو)، التي كان من المفترض أن يستخدموها لشراء مستلزمات الوقاية من البرد، لسداد أجور منازلهم بعد التهديدات المتلاحقة لهم من أصحاب البيوت بالطرد في حال عجزهم عن دفع إيجاراتها، وكل ذلك على حساب تعبئتهم مادة مازوت التدفئة لمواجهة برد الشتاء.

"نشعر بالعجز المتزايد يوما بعد يوم"، يقول بلال، وهو لاجئ سوري في لبنان منذ نحو أربع سنوات. "هاجسي اليوم هو مراقبة الأوضاع العامة في لبنان، في النهاية علي أن أقلق على مستقبل أولادي الذين هربت بهم من سوريا بعيدا عن الحرب والقتل إلى لبنان. لا أريد أن أعيد التجربة من جديد. أتمنى للبنان كل خير، ولكن ما نراه الآن ذكرني كثيرا ببداية الأحداث في سوريا".

وفقا لبلال، الكثير من اللاجئين السوريين عادوا بالفعل إلى سوريا، نتيجة الوضع العام في لبنان. "أنا أفكر جديا بالعودة إلى حمص، ولكن ما هي الضمانات التي سأحصل عليها التي تتيح لي بناء حياتي من جديد هناك؟".

العودة لسوريا الخيار الأسلم

إنعام، لاجئة سورية في لبنان منذ نحو 5 سنوات، تعيش وأبناءها الأربعة في منطقة النبعة، إحدى الضواحي الشرقية لبيروت.

تعمل اللاجئة السورية بالأساس كخياطة، إلا أنها منذ مجيئها إلى لبنان باتت لا توفر عملا إلا وتأخذه. "أعمل بالخياطة، بالطبخ، بالتنظيف، أي عمل يأتيني أسعى لانتهازه. علي أن أعيل أولادي ولبنان بلد مكلف"، تقول إنعام لمهاجر نيوز. "لا أريد أن أتحدث بالسياسة أو أعطي رأيي بما يحصل حاليا في لبنان، كل ما أتمناه لهذا البلد هو أن يحظى بالسلام والازدهار الذي يطمح له. ولكن منذ أن بدأت الأزمة تسوء، بات مصروفنا كبير ومنهك. كنا نحتاج إلى نحو 100 دولار كمصروف أسبوعي (حوالي 91 يورو)، أما الآن، وصل مصروفنا الأسبوعي لحوالي 140 دولارا (حوالي 128)".

للمزيد: "الهجرة هي الحل"... دعوات لفتح أبواب الهجرة بوجه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

ويعتبر هذا الارتفاع الكبير بالمصروف مشكلة للعائلات المشابهة لعائلة إنعام، حيث ما من مداخيل إضافية سوى معونة الأمم المتحدة التي تبلغ 27 دولار شهريا للفرد (نحو 25 يورو)، وهي غير كافية نسبة لأسعار السلع في لبنان.

وتسعى إنعام، كالكثيرين غيرها من اللاجئين في لبنان، إلى الخروج من هناك نحو بلد آخر. لكن وبما أن هذا "الخيار مازال غير ممكن الآن، قد تكون العودة إلى سوريا هي الخيار الأفضل... الوضع هنا لم يعد مريحا بالنسبة لنا. الحياة باتت مليئة بالتحديات والأسعار ارتفعت بشكل جنوني. أعتقد أن العودة إلى سوريا على الرغم من كل التحديات هو الخيار الأسلم".

 

للمزيد