صالة رياضية في ضاحية شاتيون خصصتها الدولة كمركز مؤقت لإيواء المهاجرين الذين أخلتهم من مخيمات شمال باريس. الصورة: مهاجرنيوز
صالة رياضية في ضاحية شاتيون خصصتها الدولة كمركز مؤقت لإيواء المهاجرين الذين أخلتهم من مخيمات شمال باريس. الصورة: مهاجرنيوز

في 28 كانون الثاني/يناير، أخلت السلطات الفرنسية المخيمات العشوائية شمال العاصمة باريس، وأمّنت حافلات لنقل المهاجرين إلى مراكز مؤقتة تحت رعايتها لدراسة وضعهم وتوجيههم وفقا لوضعهم الإداري. بعد مرور أسبوعين، زار فريق مهاجرنيوز إحدى تلك المراكز، فكانت مخاوف المهاجرين مشتركة "ما الذي سيحدث بعد؟ سيتم إغلاق المركز ونعود إلى الشارع مرة أخرى".

بدقة وإتقان يمسك بآلة الحلاقة، يحرص على أن يصفف شعر صديقه بأفضل طريقة ممكنة رغم صغر المكان والجو الكئيب، يشذب أطراف الشعر دون أن يكترث لما يحدث من حوله.

يجلس صديقه السوداني على كرسي خشبي قديم ويتأمل مظهره الجديد عبر قطعة مرآة صغيرة، يضحك يوسف بخجل وفخر بعد قول صديقه "شكرا لك، أنت تستحق لقب حلاق المخيم بجدارة". كلا الشابين وصلا إلى فرنسا منذ نحو عامين، "رأيت تعقيدات الأمور التي حصلت مع أصدقائي الذين سجلوا بصماتهم عند مرورهم عبر إيطاليا. اتفاقية دبلن عقّدت علينا حياتنا وأنا خائف من أن يتم رفض طلب لجوئي".

يروي العشريني يوسف حياة عدم الاستقرار الذي عرفها منذ خروجه من دارفور لأسباب سياسية "تركت والدتي وأخي الصغير في دارفور واتخذت طريق الهجرة. تمكنت من اجتياز معاناة ليبيا بسلامة. وصلت بعدها إلى إيطاليا ومنها اخترت الذهاب إلى فرنسا. إلا أن الوضع هنا لم يكن جيدا. حاولت القيام بأعمال صغيرة هنا وهناك لتأمين بعض المال والنوم في مكان لائق، لكن الأمور ليست بهذه البساطة".

أمضى يوسف العشرة أشهر الأخيرة في المخيمات العشوائية شمال باريس "كنت أنام برفقة شاب آخر في خيمة في بورت دوبرفلييه. أمرت السلطات بإخلاء المخيم مرات عديدة وفي كل مرة كنا نذهب إلى مكان آخر ومن ثم نعود لننصب الخيام. لا توجد حلول أخرى أمامنا. عشت عملية إخلاء مخيمات شمال باريس خمسة مرات.. وفي كل مرة أعود لأجد نفسي مشردا من جديد دون حل".

في 28 كانون الثاني/يناير الماضي، أخلت السلطات 2000 مهاجر من المخيمات العشوائية شمال باريس ومنعت إعادة تشكيل تلك الخيام، وأعلنت حينها أنها ستقوم بنقل الجميع إلى أماكن آمنة، من أجل دراسة أوضاعهم الإدارية وتحويلهم إلى المنشآت التي تتوافق مع حالتهم.

وكان يوسف أحد المهاجرين الذين صعدوا على متن الباصات الرسمية المتجهة إلى صالة رياضية في ضاحية شاتيون جنوب العاصمة باريس، والتي خصصتها الدولة كمركز مؤقت لدراسة الوضع الإداري لهؤلاء المهاجرين.

للمزيد: الشرطة الفرنسية تفكك آخر مخيمات المهاجرين شمال باريس

حياة الشارع لا تختلف كثيرا عن هذا المركز

سيلفان فان فاسينهوف مدير جمعية "ألتيراليا" التي تدير المكان يقول لفريق مهاجر نيوز أثناء زيارة المركز "طلبت منا السطات تجهيز الصالة لاستقبال هؤلاء المهاجرين. وتولينا الأمور اللوجستية من تجهيز الفراش والحمامات وتحضير وجبات الطعام للمهاجرين".

يشير سيلفان إلى وجود 86 مهاجرا حاليا في المركز، لكن العدد غير ثابت فهو يعتمد على الملفات التي تتم معالجتها من أجل نقل الأشخاص إلى المراكز الملائمة، "هناك من يتم نقله إلى مراكز إيواء وهناك من يتم توجيهه إلى منشآت السكن الطارئ"، مشددا على أن مهمة الجمعية في المركز تقتصر على جمع معلومات الأشخاص والسلطات هي التي تتخذ قرار الوجهة التي سترسل إليها المهاجر.

"جميعهم متعبون. لا توجد كلمة أخرى"، يصف سيلفان حال المهاجرين عند وصولهم إلى المركز "لكن يبدو عليهم الارتياح بعد بضعة ساعات. يستطيعون النوم بدفء وأخذ قسط من الراحة".

مدير جمعية ألتيراليا التي تدير مركز شاتيون. الصورة: دانا البوز/مهاجرنيوز

إلا أن أقوال الشاب يوسف لا تتوافق تماما مع الرواية الرسمية "بالطبع النوم هنا أفضل من الشارع. لكن المشاكل تحصل هنا أيضا. انظروا من حولكم. المكان مفتوح والمشاكل تحدث خاصة أثناء الليل والسرقات تحدث أيضا بشكل دائم. حياة الشارع لا تختلف كثيرا عن هذا المركز، إضافة إلى أن هذا المكان هو فقط لفترة محدود ربما للأسبوع القادم، وبعدها ماذا سيحدث لنا؟".

سؤال يؤرق السوداني أحمد أيضا، رغم أن وضعه الإداري مختلف كليا عن يوسف "أنا لدي إقامة وأوراق رسمية، لكن ما الذي أستطيع فعله بهذه الأوراق وأنا لا أستطيع إيجاد سكن؟ أعيش حياة التشرد وبالتالي لا أستطيع تعلم اللغة الفرنسية بشكل جيد وإيجاد عمل".


منذ وصولي إلى فرنسا وأنا أعيش في الخيام


وصل أحمد إلى مركز شاتيون منذ حوالي أسبوع بعد أن أخلت السلطات مخيم بورت دو لافيليت، "وصلت إلى فرنسا بداية عام 2017 وعانيت كثيرا حتى حصلت على أوراق الإقامة، خاصة مع وجود بصمات مسجلة لي في إيطاليا. حصلت أخيرا على الإقامة منذ حوالي أربعة أشهر لكن الدولة لم تقدم لي أي حل للسكن وأنا لا أعلم ماذا أفعل. منذ وصولي إلى فرنسا وأنا أعيش في الخيام".

يخرج أحمد أوراق المعاملات الإدارية التي قام بها من أجل الحصول على سكن اجتماعي، لكن حتى اللحظة لم يحصل على أي رد إيجابي "في كل مرة يطلبون مني الذهاب إلى مكان وكأن الأمر لعبة. أمضي وقتي بالذهاب من جمعية إلى أخرى".

"الحياة مريرة هنا. لا أستطيع قول غير ذلك".

التعقيدات الإدارية تنهك الكثير من المهاجرين الموجودين في المركز، فالأمر سيّان بالنسبة للاجئ الأفغاني زهيد "كنت أعمل في ورشة بناء ولدي عقد عمل. كنت أسكن عند صديق لي، لكنه ترك فرنسا ولم أستطع البقاء في الشقة. فجأة وجدت نفسي في الشارع والدولة لم تقدم لي أي حل. خسرت عملي بسبب مشكلة السكن".

لاجئ أفغاني يقيم في مركز شاتيون بعد عملية إخلاء مخيم بورت دوبرفلييه. الصورة: دانا البوز/مهاجرنيوز

تتقاطع قصص المهاجرين المنهكين إما من إجراءات التقدم بطلب اللجوء أو البحث عن سكن، يختم يوسف حديثه "تركت حياتي في دارفور مجبرا. أشعر وكأن الشقاء أمر محتّم علينا. بعد بضعة أيام سيغلق المركز ونعود إلى الشارع من جديد. احتفظت بفراشي الصغير لأني على يقين أني سأعود إلى المخيمات العشوائية".

الأسبوع الماضي، أغلقت السلطات الفرنسية مركز مماثل لهذا في ضاحية لوفالوا مشددة على أن جميع المهاجرين الذين كانوا في هذا المركز تم توجيههم إلى المراكز الملائمة، الأمر الذي لا تصدقه الجمعيات الإنسانية التي تبدي قلقها من إعادة تشكيل المخيمات العشوائية شمال العاصمة باريس.

 

للمزيد