جدار إسمنتي أقامته السلطات على مدخل شارع مؤد إلى مبنى مجلس النواب، لمنع المتظاهرين من الوصول إليه. 24 كانون الثاني/يناير 2020. رويترز
جدار إسمنتي أقامته السلطات على مدخل شارع مؤد إلى مبنى مجلس النواب، لمنع المتظاهرين من الوصول إليه. 24 كانون الثاني/يناير 2020. رويترز

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في لبنان وبروز تبعاتها الاجتماعية الحادة، نشرت إحدى المؤسسات البحثية تقريرا ذكرت فيه أن أعداد المهاجرين الذي تركوا لبنان خلال 2019 تخطت الـ62 ألفا. رقم ينذر بكارثة اجتماعية وشيكة إذا ما تم إقرانه بالآلاف الذين هاجروا عبر العقود الماضية. فما هي الأسباب الرئيسية التي تدفع المقيمين في لبنان للهجرة؟ وما هي الآمال التي يسعون لتحقيقها في الغربة؟

اشتهر لبنان بالكثير من المزايا والخصائص التي ميزته عن باقي الدول المحيطة به في الشرق الأوسط. فهو بلد السياحة الأول هناك، كما أنه البلد الذي احتل نشرات الأخبار العالمية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إبان الحرب الأهلية التي مزقته وعصفت به.

إلا أن الموضوع الأشهر الذي عرف به ذلك البلد الصغير، كان تصديره للمهاجرين إلى كافة دول العالم. الهجرة من لبنان قديمة جدا، تعود إلى نهايات القرن 19، مع احتدام الصراعات الطائفية في سوريا، التي كان لبنان جزءا منها حينها، وسعي المواطنين إلى البحث عن أمكنة أخرى أكثر أمنا واستقرارا.

بالعودة إلى الحاضر، تعتبر الهجرة من المركبات الرئيسية للتركيبة الاجتماعية اللبنانية، خاصة إذا ما نظرنا إلى الأرقام التقريبية التي تلخص حجمها.

المؤسسة الدولية للمعلومات، وهي إحدى المؤسسات البحثية والاستشارية الإقليمية في بيروت، نشرت قبل نحو أسبوعين تقريرها الأخير حول معدلات الهجرة من لبنان خلال العام 2019. الأرقام التي جاءت في التقرير شكلت صدمة لكثير من المتابعين، حيث بلغ عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد من دون عودة في 2019 نحو 62 ألفا، مقارنة بحوالي 42 ألفا في العام السابق، أي زيادة بنسبة 42%.

وألمح التقرير إلى أن غالبية المهاجرين هم من الشباب، خاصة من خريجي الجامعات، وأن الدافع الرئيسي للهجرة هو البحث عن فرص عمل واستقرار في الخارج نظرا لصعوبة الأوضاع الاقتصادية في لبنان.


بلادنا حكمتها مجموعة لصوص نهبتنا وتركتنا لنموت جوعا، أو غرقا


طرق الهجرة من لبنان اتخذت أشكالا متعددة، فهناك من قصدوا أبواب السفارات وحصلوا على تأشيرات رسمية. آخرون لم يتمكنوا من ذلك، فآثروا الهجرة غير الشرعية، عبر البحر باتجاه قبرص. عبد الرحمن، صياد أسماك من طرابلس، أحد الأشخاص الذين فضلوا مغادرة لبنان مع عائلته عبر قوارب الموت قبل نحو عام، إلا أن دورية للجيش اللبناني أوقفت القارب في المياه الإقليمية. يقول عبد الرحمن لمهاجر نيوز "ما الذي تتوقعه من شخص لم يدخل لبيته طعاما منذ أسبوعين. السمك انقرض من البحر، والنفايات حلت محله. الحياة باتت صعبة جدا، الغلاء أكلنا".ويضيف الأربعيني والد الأطفال الخمسة "البحر أسلم من هذه البلاد، الموت فيه أسهل. تسألني لم أغامر بحياة عائلتي وأطفالي للخروج من هنا، أقول لك أليست حياتنا هنا موتا؟ منزلي عبارة عن غرفة مسقوفة بصفيح، أطفالي لا يرتادون المدرسة لأنه لا قدرة لدي على تأمين أبسط مستلزماتها لهم، حتى الطعام ليس مضمونا. بلادنا حكمتها مجموعة لصوص نهبتنا وتركتنا لنموت جوعا، أو غرقا".

حال عبد الرحمن ليس فريدا من نوعه في مدينة طرابلس، التي صنفت من قبل وكالة التنمية التابعة للأمم المتحدة قبل بضعة سنوات بأنها المدينة الأفقر ضمن حوض المتوسط.

ويذكر أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أوقفت قوات الأمن اللبناني عددا من القوارب المحملة بالمهاجرين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، معظمها منطلقة من السواحل الشمالية للبلاد، كانت في طريقها إلى قبرص.

"ننتظر الموافقة منذ خمس سنوات"

ليلى، ربة أسرة وموظفة سابقة في أحد المصارف اللبنانية الكبرى، تستعد حاليا للسفر إلى كندا بعد أن جاءتها الموافقة من السفارة. قالت ليلى لمهاجر نيوز "مضى على تقدمنا بطلب الهجرة خمس سنوات. أردت الهجرة من هنا منذ زمن، ما من شيء ثابت أو مؤكد هنا. أريد لأولادي أن يكبروا في مكان آمن يؤمن لهم أبسط حقوقهم، ولا يتسبب لهم بمشاكل حياتية أو نفسية كتلك التي كبرنا فيها نحن".

"للأسف لم يعد أمامنا سوى الهجرة. هو خيار صعب، أن تترك وراءك حياتك وماضيك وأهلك وتسعى لبناء حياة جديدة في بلاد غريبة. إلا أننا متسلحين بإرادتنا وعزيمتنا، وتصميمنا على السعي نحو مستقبل أفضل"، تقول والدة البنات الثلاث. وتتابع "لن يكون هناك توقيت لاستلام الموافقة على طلبنا أفضل من الآن. الأزمة الاقتصادية بلغت ذروتها، وبحكم عملي السابق كنت أعلم أننا سنصل إلى هذه الحال، ولا يبدو في الأفق أي حل للأزمة الاقتصادية الحالية التي يواجهها لبنان".

"إما الهجرة وإما العنف"

مالك*، ناشط في مؤسسة اجتماعية تابعة لأحد الأحزاب اللبنانية الكبيرة، قال لمهاجر نيوز إنه "منذ بداية العام، أطلقنا برنامجا طارئا لتوزيع حصص غذائية على عائلات محسوبة على حزبنا. المفاجأة كانت أننا حين بدأنا عمليات التوزيع اكتشفنا أن أعداد العائلات المحتاجة كبيرة جدا، أكثر من التصورات التي كانت لدينا. أتوقع أن هذه الحالة ستزداد مع الوقت، لا سيما مع تراجع إيرادات العائلات والرواتب المقتطعة وانخفاض القيمة الشرائية للعملة الوطنية، الذي انعكس ارتفاعا فاحشا بأسعار السلع. ببساطة، ما أريد قوله هو أن الفقر المنتشر حاليا سيؤدي لسيناريو من اثنين، إما الهجرة الجماعية والكثيفة وإما عنف منتشر في الشوارع".

محمود*، طالب هندسة كمبيوتر في إحدى الجامعات الخاصة، اضطر لأن يؤجل تسجيله في الجامعة هذا الفصل بسبب الأزمة الاقتصادية، يقول "القرار له تبعات كارثية على مستقبلي، فتأجيلي للتسجيل يعني تلقائيا تأخر تخرجي. ولكن ما أراه يوميا من معاناة والدي وهما يحاولان الاقتصاد بمصاريف المنزل لتأمين قسطي الجامعي دفعني لاتخاذ هذا القرار... لم يعد هناك شيء مؤكد بالنسبة لنا في هذا البلد، أفكر بالهجرة وإكمال دراستي بالخارج. ولم لا، أحصل على جنسية أوروبية ربما أساعد من خلالها أهلي".

600 ألف هاجروا بين 1992 و2019

قصص طالبي الهجرة في لبنان لا تنتهي، وإن كانت تتشارك بمعظمها بعض الأسباب التي تدعو أصحابها للهجرة. كما أن حلم الهجرة في لبنان ليس مقرونا بحملة الجنسية اللبنانية فقط، فهناك الكثير من المقيمين على الأراضي اللبنانية، من اللاجئين والعاملين، ممن يسعون للهجرة أيضا من هناك. ومازالت المظاهرات التي قام بها فلسطينيون من لبنان وسوريا أمام السفارة الكندية قبل بضعة أشهر شاهدة على ذلك المطلب، حيث تجمع المئات من الشباب أمام باب السفارة مطالبين بفتح أبواب الهجرة لهم.

وحسب العديد من الدراسات الإحصائية، غادر لبنان منذ عام 1992 حتى نهاية العام الماضي 600 ألف لبناني، لم يعودوا أبدا، أي بمعدل 22,300 شخص سنويا. ويكاد يكون الرقم هو الأعلى بين دول العالم من حيث نسبة المهاجرين والمغتربين مقارنة بعدد السكان الإجمالي.

 

للمزيد