مخيم عشوائي يضم مهاجرين وطالبي لجوء في أوبرفيلييه شمال باريس. المصدر / موسى أبو زعنونة - مهاجر نيوز
مخيم عشوائي يضم مهاجرين وطالبي لجوء في أوبرفيلييه شمال باريس. المصدر / موسى أبو زعنونة - مهاجر نيوز

في ضاحية أوبرفيلييه شمال باريس، ينصب 50 مهاجراً وطالب لجوء خيامهم في مخيم عشوائي، ويعانون من البرد القارس إضافة إلى وجود الجرذان والقمامة في المكان. وجاء أغلب هؤلاء المهاجرين من مخيمات بورت دو أوبرفيلييه وبورت دو لا شابيل التي فككتها السلطات الفرنسية خلال الأسابيع الماضية. مهاجر نيوز التقى بهم وعاد بهذه الشهادات.

مع ساعات الصباح الأولى، يخرج شريف أمادو من خيمته بعد ليلة خالية من النوم بسبب البرد الشديد والجرذان التي تتحرك في المكان طوال الوقت، حيث يعيش الشاب القادم من دولة سيراليون الأفريقية في خيمة صغيرة في مخيم عشوائي يعيش فيه 50 مهاجراً آخرين بالقرب من منطقة بورت دو لا فيليت في مدينة أوبرفيلييه شمال باريس.

وصل أمادو إلى فرنسا في 9 كانون الثاني/يناير الماضي، وقدم فيها طلب اللجوء. لكن في انتظار استكمال الإجراءات، يعيش الشاب ذو الـ23 عاماً في الشارع دون استلام أي مساعدات مادية من أي جهات رسمية أو غير رسمية. يقول "أتيت إلى فرنسا بعد أن نصحني بها كل الأصدقاء، لكن الظروف هنا صعبة جداً. لا أملك إلا الملابس التي أرتديها، ولا زالت رحلتي في بدايتها، ولا حل أمامي سوى الصبر والانتظار".

                  -

وكانت قد فككت الشرطة الفرنسية خلال الأسابيع الماضية المخيمات العشوائية في شمال باريس، خاصة في منطقة بورت دو أوبرفيلييه وبورت دو لا شابيل، حيث تم نقل حوالي 2000 مهاجر في باصات إلى صالات رياضية ومراكز تم إعدادها مسبقاً لاستقبالهم. لكن كثيراً من هذه المراكز يتم إغلاقها سريعاً، ما يترك المهاجرون دون خيار سوى العودة إلى الشارع وإلى المخيمات العشوائية، كهذا الذي يعيش فيه أمادو.

  للمزيد >>>> الشرطة الفرنسية تفكك آخر مخيمات المهاجرين شمال باريس 

"خرجنا في الباصات... وها نحن نعود إلى الشارع"

قدم الرجل الصومالي أدام موز، إلى فرنسا قبل عام ونصف، وعاش في مخيمات عشوائية كان آخرها مخيم بورت دو لا شابيل قبل تفكيكه الشهر الماضي. وصعد موز، ذو الـ60 عاماً، إلى باص نقله واثنين من أصدقائه إلى صالة رياضية في سيرجي غرب باريس، حيث مكث أسبوعاً هناك قبل أن يستلم قراراً بطرده. يصف الرجل حاله قائلاً "ها أنا أعود إلى الشارع مرة أخرى. أنام هنا في الليل، وأجوب الشوارع في النهار".

وأضاف "لا أستلم أي مساعدات مالية من السلطات الفرنسية، وأغلب طالبي اللجوء الذين أقابلهم لا يستلمون هذه المساعدات. هل تقوم الإدارة الفرنسية بواجبها؟ لا أعلم".

للمزيد >>>> بعد إخلاء مخيمات شمال باريس.. مراكز وحلول مؤقتة قبل العودة إلى الشارع؟

يحتوي هذا المخيم العشوائي على 40 خيمة تقريباً، تأوي 50 مهاجراً وطالب لجوء. المصدر / موسى ابو زعنونة / مهاجر نيوز

"نفضل العودة إلى بورت دو لا شابيل على البقاء هنا"

ويعيش في هذا المخيم العشوائي مهاجرون وطالبو لجوء من أصول صومالية وأفغانية وسودانية وغيرها، غالبيتهم كانوا في مخيمات بورت دو أوبرفيلييه وبورت دو لا شابيل ولم يصعدوا في الباصات أثناء التفكيك، أو ذهبوا إلى المراكز والصالات وطردوا منها.

يقول نعمان، وهو طالب لجوء أفغاني يبلغ عمره 29 عاماً، "قدمت إلى فرنسا قبل شهرين، وهذه كانت أول ليلة لي في هذا المخيم، فقد تنقلت بين مخيم بورت دو لا شابيل ومخيمات عشوائية أخرى إلى أن وصلت إلى هنا".

نعمان، الذي لم يصعد إلى الباصات الشهر الماضي، يفضل العودة إلى مخيم بورت دو لا شابيل على البقاء في هذا الوضع، ويقول "كدت أختنق البارحة، فلا أكسجين في خيمتي الصغيرة، وعندما أحاول فتحها للتنفس يدخل الهواء البارد، ناهيك عن الجرذان. بالتأكيد أفضل العودة إلى بورت دو لا شابيل، كانت تزورنا الكثير من المؤسسات والجمعيات، وكان لدينا الحد الأدنى من المرافق الصحية".

                 -

يشارك صالح، وهو طالب لجوء صومالي، نعمات رأيه، ويعتقد أن الحال في المخيم السابق كان أفضل. وأضاف "كنت أعمل ميكانيكي في الصومال، قبل أن أخرج قبل 10 أعوام. تنقلت بين النرويج وآيسلندا والبرتغال، ورفض طلب لجوئي في كل هذه الدول، لذا قررت أن آتي إلى فرنسا وأطلب اللجوء فيها، وها أنا هنا منذ ستة أشهر".

وشرح ذو الـ35 عاماً "رفضت النرويج طلب لجوئي بحجة أن الأوضاع مستقرة في الصومال، ومنذ ذلك الحين وأنا يتم رفضي في كل الدول بحجة أنني دوبلينييه" (لدي بصمات مسجلة في دولة أوروبية أخرى).

وذكر المهاجران أنهما قد حاولا بالفعل العودة إلى بورت دو لا شابيل، لكن الشرطة المتواجدة في المكان منعتهم من نصب خيمهم، فوجدوا أنفسهم مضطرين للمكوث في هذا المخيم العشوائي.

 ويعيش المهاجرون في ظروف صعبة، حيث توجد اكوام من القمامة حول خيامهم، كما تنشط الجرذان في المنطقة ليلاً. المصدر / موسى أبو زعنونة - مهاجر نيوز


المخيمات العشوائية الوجهة الأولى للمهاجرين القادمين إلى باريس

ولطالما كانت مخيمات بورت دو أوبرفيلييه وبورت دو لا شابيل الوجهة التي يذهب إليها طالبي اللجوء بمجرد وصولهم إلى باريس، ولكن بعد تفكيكها، لم يتبق لهم سوى خيار التوجه إلى المخيمات العشوائية الصغيرة.

يقول محمد علي، وهو أفغاني يبلغ من العمر 23 عاماً ووصل إلى فرنسا قبل أربعة أيام فقط، إن "أملي قد خاب عندما وصلت إلى هنا، فدور الجهات الرسمية غائب تماماً. لقد كنت في ألمانيا والوضع هناك أفضل، لكن طلب لجوئي رفض وكان علي إيجاد دولة أخرى، ونصحني الكثيرون بفرنسا، لكن الوضع كارثي".

أما زاهر، وهو يمني يبلغ من العمر 23 عاماً فقصته أكثر تعقيدا. قال الشاب إنه خرج من مدينة الحديدة اليمنية العام الماضي، وسافر إلى السودان ثم إلى ليبيا، حيث تم سجنه في طرابلس. وقبل أسابيع وأثناء المعارك في العاصمة الليبية، استطاع أن يهرب رفقة مجموعة من السجناء، "غير مكترثين بالقصف وإطلاق النار". يقول "حاولت الاتصال بمفوضية اللجوء لكنهم لم يستجيبوا ولم يساعدوني، لأجد نفسي على متن قارب متوجه إلى إيطاليا".

أمضى زاهر ليلتين في عرض البحر قبل أن يتم إنقاذهم بواسطة السفينة الإنسانية "أوشن فايكنغ"، حيث نقلوا إلى إيطاليا. يعلق زاهر "كانت فرنسا هي هدفي منذ البداية، لكن السلطات الإيطالية أخذت بصماتي، لذا سأواجه صعوبة هنا في فرنسا".

وأضاف "لا شك أن الظروف هنا أسوأ مما تخيلت، أنا أعيش في الشارع بعد 17 يوم في أوروبا، لكني متفائل وكلي أمل بأن حالي سيصبح أفضل وأنهم سيستمعون إلى قصتي، فأنا قادم من الحديدة وهربت من المعارك، ورفضت الانخراط في القتال مع القبائل هناك".

 ويعيش هؤلاء المهاجرون في خيم لا تكاد تتسع إلى شخص واحد. المصدر / موسى أبو زعنونة - مهاجر نيوز


كيف يرى سكان الحي هذا المخيم؟

تتفاوت آراء السكان في المنطقة فيما يتعلق بهذا المخيم، فيقول غيراز وهو الممثل النقابي لسكان المباني المجاورة، إنهم يرسلون طلبات إلى البلدية ليتم إخلاء المكان، ويضيف "نحن منزعجون للغاية من هذا الاحتلال الوحشي. نحن مصممون على أن يرحل هؤلاء الأشخاص من هنا في أسرع وقت. اعتاد أطفالنا على أن يلعبوا هنا، انظر إلى المكان الآن. وفي المقابل، هناك مركز تجاري آسيوي، وكل العاملين فيه متضررون من وجود هذا المخيم."

تتفاوت آراء سكان المنطقة حول هذا المخيم العشوائي، حيث يمكن رؤيته وملاحظته من المباني المجاورة. المصدر / موسى أبو زعنونة - مهاجر نيوز

وعلى النقيض تماماً، قالت إحدى سكان المنطقة لمهاجر نيوز "من الجيد أن نتحدث عن هؤلاء الناس، فلا يتم إعارتهم أي اهتمام من الدولة. إننا نرى العجز التام الذي تعاني منه السلطات العامة. لا يوجد استقبال لائق لهم. تقوم السلطات بإجلائهم لكنهم يعودون لأنهم بحاجة إلى شبكة التضامن الخاصة بهم، فالدولة الفرنسية قد فشلت تماما. بدلاً من الاستمرار في إجلائهم من مخيماتهم، يجب أن نوفر لهم خدمات تليق بجمهوريتنا".

وتردف "لقد عشت هنا لمدة خمس سنوات، مع أربعة سكان آخرين، نحاول مساعدة هؤلاء الناس. نقوم بتنظيم ما نسميه (حساء الجيران)، ونطبخ حساء ساخن مع الخضراوات ونأتي لمشاركتها معهم. نحن نواة صغيرة للقيام بذلك لأن غالبية السكان يشعرون بالخوف من وجودهم".

ومن جانب آخر، تقدم بعض الجمعيات وجبات ساخنة لهؤلاء المهاجرين في نقاط توزيع محددة في المنطقة. 


 

للمزيد