مهاجرون أمام مقر الصليب الأحمر في مدينة كايين، عاصمة غويانا الفرنسية. الصورة أرسلها لنا أحد المهاجرين
مهاجرون أمام مقر الصليب الأحمر في مدينة كايين، عاصمة غويانا الفرنسية. الصورة أرسلها لنا أحد المهاجرين

مجموعات من المهاجرين وطالبي اللجوء توافدت على غويانا الفرنسية، أحد أقاليم ما وراء البحار الفرنسية المئة. تقع غويانا الفرنسية على الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية، على الحدود مع البرازيل وسورينام. المهاجرون وصلوا تلك البلاد النائية عن بلادهم بحثا عن اللجوء. مهاجر نيوز تواصل مع مجموعة منهم للوقوف على حالتهم هناك.

شغل خبر وصول مجموعة من المهاجرين قادمين من لبنان إلى غويانا الفرنسية المواقع الإخبارية المعنية بشؤون الهجرة. المهاجرون، والذين ينتمون للجنسيات الفلسطينية والسورية، عبروا آلاف الكيلومترات بحثا عن بلاد يستطيعون فيها العيش بسلام وتحقيق ذواتهم. السوريون منهم كانوا يعيشون في مخيمات تفتقر لأدنى شروط الحياة الكريمة، أما الفلسطينيين فهم قادمون من مخيمات أنشئت قبل أكثر من 70 عام ومازالوا يسكنوها في وقت هم محرومون فيه من كافة حقوقهم المدنية والاجتماعية هناك.

والهجرة من لبنان تحديدا إلى أمريكا اللاتينية ليست ظاهرة جديدة بحد ذاتها، حيث تغص أدبيات الرحلة هناك بقصص عن مهاجرين غادروا المنطقة في نهايات القرن الـ19 إلى الأمريكيتين، لأسباب تكاد لا تختلف كثيرا عن أسباب مغادرتهم الآن.

كيف جاء هؤلاء من نصف الكرة الأرضية الآخر إلى هذه المنطقة؟

ماهر، لاجئ فلسطيني من لبنان وصل غويانا في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، آثر الهجرة من بلاد الأرز بحثا عن فرص أفضل لنفسه ولأولاده. "في لبنان لا أمل لنا بتحقيق حياة أفضل"، يقول ماهر. "حاولت مرارا الخروج من هناك بحثا عن بلاد تؤمن لي ولأولادي الحياة التي أطمح لها. قبل نحو سنتين، توصلت إلى أحد المهربين في بيروت ممن كان لديهم سمعة جيدة بإيصال المهاجرين إلى أوروبا. توجهت إليه واتفقت معه".

"كان خط سير الرحلة خرافيا. من بيروت إلى دبي، ثم إثيوبيا فالأرجنتين فالبرازيل فبنما فالإكوادور، ومن هناك إلى إسبانيا. المهرب تكفل بكافة الأوراق. إلا أن الرحلة توقفت بالإكوادور. أمضينا أنا وطفلي حوالي ثمانية أشهر هناك، المهرب كان يحاول إيصالنا إلى إسبانيا، لكن لم يحصل ذلك".

ويشرح ماهر كيف التقى بمجموعة أخرى من المهاجرين الفلسطينيين من لبنان وسوريا وغزة، وسوريين ويمنيين أيضا، وكيف قاموا بالبحث على الإنترنت لإيجاد سبل لإكمال طريق هجرتهم إلى أوروبا. "لم يستغرقنا البحث طويلا حتى وجدنا ضالتنا. كل ما علينا فعله هو الوصول من الإكوادور إلى غويانا الفرنسية، لنكون قد وصلنا إلى أوروبا، نظريا. إلا أننا للوصول إلى غويانا أمضينا 22 يوما نسير خلالها في غابات الأمازون وحدود البلدات والقرى البيروفية والبوليفية والبرازيلية حتى وصلنا نهر أويابوك في البرازيل، الفاصل بينها وبين غويانا".

مخيم على البحر

محمود، لاجئ فلسطيني من لبنان أيضا، وصل غويانا بدايات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال لمهاجر نيوز "منذ وصولنا ونحن نقيم في المخيم على البحر، على شاطئ كايين. ظروفنا صعبة، الخدمات شبه معدومة والمعلومات شبه مقطوعة عنا".

يشكو محمود عدم قدرته على الوصول إلى المعلومات بسهولة، "الموظفون هنا لا يخبروك بالخطوات الواجب اتباعها لتقديم اللجوء. كثير منا لم يتمكنوا من تقديم طلباتهم خلال المهل المتاحة لعدم معرفتهم بالإجراءات. حتى عندما جاءنا الرفض، لم يخبرنا أحد بالأسباب المباشرة له، كل ما تحصل عليه هو ‘لبنان بلد آمن‘. لا يهمهم قصتنا أو عذاباتنا التي أدت بنا للهجرة من البداية. حتى عندما أبلغناهم بأن لبنان طبق حزمة قوانين جديدة بحقنا، وأننا لا نستطيع العودة نتيجة تلك القوانين لم يهتموا".



ويضيف "هنا في المخيم هناك نحو 150 شخصا، معظمنا رجال عازبون. في الليل يأتي تجار المخدرات والمدمنين ليدخنوا ‘الكراك‘. بيننا قاصرون يسهل التأثير عليهم وجرهم إلى تلك الآفة. اشتكينا للبلدية هذا الحال، قالوا لنا ‘هذه مشكلتكم‘. نشعر من خلال معاملتهم لنا أنهم يكرهونا، لا أعرف لم. دونا عن جميع طالبي اللجوء الذين جاؤوا معنا وبعدنا، فقط الفلسطينيين القادمين من لبنان وغزة رفضت طلباتهم... لن نعود إلى لبنان، قلت للموظف في المحافظة، إذا أردتم ترحيلنا فأرسلونا إلى فلسطين. من ردة فعله عرفت أنه لا يعرف شيئا عنا أو عن وضعنا".

هجرة اللاجئين من لبنان

وعقب اشتداد أزمة اللجوء السوري في لبنان، لم يجد الكثير من هؤلاء، الذين أجبروا على مغادرة بلادهم بحثا عن الأمن، سبيلا سوى مغادرة لبنان أيضا، بعد أن أمضوا سنوات طويلة في مخيمات تفتقر للبنى التحتية وفي ظروف سياسية معقدة.

للمزيد: وقف تمويل "الأونروا".. هل تتضاعف هجرة اللاجئين الفلسطينيين إلى أوروبا؟

كما يذكر أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعانون من مجموعة من القوانين والإجراءات الجائرة المتعلقة بحياتهم اليومية هناك، ترتبط بالحق في العمل والحق في التملك وغيرها من الحقوق الأساسية التي كفلتها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، والتي يفتخر لبنان بكونه من أوائل الدول التي وقعت عليها.

الرحلة إلى البرازيل لم تكن صعبة، حتى الوصول من البرازيل إلى غويانا الفرنسية أمر سهل نسبيا، مقارنة بعذابات الرحلة التي بدأت من لبنان لتجوب نصف الكرة الأرضية.

ارتفاع متواصل بأعداد المهاجرين الوافدين

ويشهد الإقليم الفرنسي في أمريكا اللاتينية ارتفاعا مضطردا بأعداد المهاجرين الوافدين إليه سنويا. مارك ديل غراند، محافظ غويانا، صرح في وقت سابق أن إقليمه استقبل "عام 2016، 60 طلب لجوء لمهاجرين سوريين. إلا أن الأعداد سرعان ما بدأت بالتضخم لتصل إلى 250 عام 2019، و160 خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي وحده".



ويشكو المهاجرون وطالبو اللجوء في غويانا من ظروف استقبال وإسكان سيئة، وفقا لمنظمة "لا سيماد" في غويانا، التي أكدت أن "من مهمات الدولة تأمين السكن اللائق لكافة طالبي اللجوء على أراضيها. إلا أنها حتى الآن لم تؤمن السكن سوى لـ10% من طالبي اللجوء في غويانا، في حين لم تتخط النسبة 40% على البر الفرنسي".

إلا أن محافظ الإقليم أكد أن الهيئات المتخصصة بمتابعة شؤون المهاجرين وطالبي اللجوء في غويانا تمكنت من تأمين "220 سكن طوارئ لطالبي اللجوء، فضلا عن عدد من الغرف التي تمكنت السلطات من حجزها في عدد من الفنادق". ووعد المحافظ ببناء نحو 60 وحدة إسكانية إضافية. إلا أن كل تلك الجهود مازالت بعيدة عن تأمين كافة الحالات، التي بلغت 2,800 طلب لجوء في 2019.

وتشهد غويانا الفرنسية وفود مهاجرين من المناطق والدول المحيطة، خاصة من هاييتي التي لم تتعاف كليا حتى الآن من آثار الزلزال المدمر الذي ضربها في 2010.

 

للمزيد