مهاجرون أفارقة في أحد مراكز الاحتجاز في العاصمة طرابلس، آذار/مارس2017. أرشيف
مهاجرون أفارقة في أحد مراكز الاحتجاز في العاصمة طرابلس، آذار/مارس2017. أرشيف

عقب اعتراض قواربهم في المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا، تم إرسال نحو 300 مهاجر إلى مركز "طريق الزاوية" شرقي العاصمة الليبية. المركز الذي تقاطعت الأخبار حوله كونه مركزا سريا لاحتجاز المهاجرين، أثار الكثير من التساؤلات، خاصة وأن شهادات لمهاجرين جمعها مهاجر نيوز في وقت سابق أشارت إلى ذلك المركز وللاستغلال الذي يتعرض له المهاجرون هناك.

مركز احتجاز سري آخر يتم التداول به بين أوساط المهاجرين في ليبيا. هؤلاء الذين تم اعتراض زوارقهم في المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا من قبل جهاز خفر السواحل الليبي، ليوزعوا على مراكز احتجاز تخضع لإدارة وزارة الداخلية الليبية، وتحديدا جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.

تلك المراكز منها ما ذاع صيته لسوء المعاملة التي يتلقاها المهاجرون بداخلها. تعنيف وتعذيب واغتصاب وحتى قتل، كلها ممارسات مر بها مهاجرون في بعض تلك المراكز. وكان مهاجر نيوز قد وثق بعض تلك الحالات خلال السنوات الماضية.

بالعودة للمركز السري الجديد، الذي يبدو أنه لا اسم له، فهو يقع في منطقة بوابة الجبس، تحديدا في شارع الزاوية شرقي العاصمة الليبية طرابلس. الموقع يحيط به العديد من المؤسسات والمباني التابعة للحكومة الليبية، فضلا عن عدد من سفارات الدول الغربية، وبالتالي يستحيل لأحد أن يعتقد أن الموقع يحوي مركزا سريا لاحتجاز المهاجرين.

مهاجرون كانوا محتجزين هناك وتمكنوا من الفرار شاركوا مهاجر نيوز بأخبار الموقع والأحداث التي وقعت لهم خلال فترة احتجازهم هناك.

أحد هؤلاء المهاجرين أكد أن المركز "سري تديره إحدى الميليشيات. هناك نظام صارم في الداخل، يتناوبون علينا لفرض المزيد من الضغط النفسي لنرضخ وندفع لهم". المهاجر قال إن المسؤولين عن المركز يفاوضون المهاجرين على ثمن حريتهم، "تتراوح الأسعار بين 700 دولار (حوالي 655 يورو) و1,800 دولار (حوالي 1700 يورو)، وإذا لم تدفع فعليك تحضير نفسك لجولة لا تنتهي من الضرب والشتم وأعمال السخرة".

مركز تحقيق

وفقا لمنظمة الهجرة الدولية، المركز هو عبارة عن منشأة عبور وتحقيق، حيث يتم إيداع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر ليخضعوا للتحقيق قبل أن ينقلوا إلى مركز آخر.

وحسب المنظمة الأممية "نظريا، لا يبقى المهاجرون في مركز شارع الزاوية أكثر من 48 ساعة".

المنظمة الأممية قالت إن فرق عملها تمكنت من دخول المنشأة الأسبوع الماضي، "في الماضي كانت وزارة الداخلية هي المسؤولة عن إدارة المركز، ولكن بعد إعادة افتتاحه انتقلت مسؤوليته لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية".

وحسب المعلومات التي تمكن مهاجر نيوز من جمعها والتحقق من صحتها، افتتح المركز قبل نحو عام، وتم وقف العمل به نهاية 2019 بسبب تغيير في إدارته، ليعاد تشغيله قبل أسبوع ليستقبل نحو 300 مهاجر.

تضارب في الروايات

إلا أن روايات المهاجرين الذين تواصل معهم مهاجر نيوز لم تتقاطع مع هذا التعريف. محمد، مهاجر سوداني تمكن من الهرب من المركز أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تم احتجازه هناك لنحو أسبوعين "قبل أن أتمكن من الهرب. لم يسألني أحد شيئا طوال تلك المدة. كانوا يدخلون علينا وينتقون منا أشخاص، يخبروهم بأنه لو أرادوا الخروج عليهم دفع المال".

وأضاف محمد إنهم "لحظة وصولنا جردونا من كافة ممتلكاتنا الشخصية، هواتف وأموال. طبعا لم نر أيا من تلك الحاجيات لاحقا... بقيت هناك لمدة أسبوعين تقريبا، إلى أن تمكنت ومهاجرين آخرين من خلع الباب والهرب...".

تقاسم أدوار

رشيد، مهاجر سوداني آخر في ليبيا، خرج من "سجن شارع الزاوية" بعد أن دفع "فدية". يقول، "كنت في القسم الداخلي البعيد عن أعين المنظمات والوفود التي تزور السجن بشكل دوري. ما أن دخلنا السجن حتى جاءنا رجل مصري يدعى محمد، مباشرة طلب من كل منا مبلغ 2700 دينار ليبي (حوالي 1700 يورو) من أجل إطلاق سراحنا".

وحسب شهادة رشيد، يعمل ذلك المصري مع الميليشيا المسيطرة على السجن، وهو المسؤول عن موضوع التحويلات المالية والاتفاق مع المهاجرين على طرق الدفع.

"في البداية قلنا له إننا لا نملك هذا المبلغ، وحتى وإن اتصلنا بأهلنا لن يستطيعوا تأمينه. طبعا لم يلتفت لنا، وكان يقول -إما الدفع أو البقاء هنا، أنا لا حيلة لدي أنا أنفذ ما يطلبه الضابط مني-".

وحسب رشيد، ضابط السجن ويدعى محمد القصاب، لم يتحدث معه أو مع أي من المهاجرين بموضوع الأموال، كان دائما المصري من يتكفل بذلك.

ولا يعتبر هذا المركز فريدا من نوعه في ليبيا، حسب أحد الناشطين الحقوقيين الليبيين الذي فضل عدم الكشف عن هويته. "هناك مراكز كثيرة مشابهة في ليبيا، حيث لا يمكن معرفة ما الذي يحصل بداخلها. وعلى كل حال، سواء كان مركز عبور أو تحقيق أو احتجاز فلا فرق، ففي جميع الحالات المهاجرون يحتجزون هناك بشكل تعسفي ولفترات غير محددة".

ضابط كبير ينسق عمليات إطلاق سراح المهاجرين

"بعد مرور أكثر من شهرين على مكوثي أنا وأصدقائي هناك، جاءني أحد السنغاليين العاملين مع الميليشيا ويدعى الراستا. هذا الرجل مشهور جدا، ويتحدث العربية والفرنسية بطلاقة، وعرض علي التواصل مع الضابط الكبير المسؤول عن قرار إطلاق سراحي أنا وأصدقائي. طبعا الراستا كان بحوزته هاتف خلوي. طلب رقم الضابط على الهاتف وأعطاني إياه...".

تفاوض رشيد مع الضابط على الطرف الآخر من الهاتف، وتمكن من الحصول على حسم بعد طول نقاش، "وافق على أن يدفع كل منا ألف دينار مقابل إطلاق سراحنا. مباشرة اتصلت بأخي، وهو يسكن في طرابلس وطلبت منه تأمين المبلغ. في اليوم المحدد، جاء الضابط بشخصه، لم يعرف عن نفسه، اصطحبنا بسيارته إلى كوبري الزاوية، حيث كان أخي ينتظرنا. بعد أن استلم الأموال أطلق سراحنا، ومباشرة توجهنا إلى مصراته".

وختم قائلا "لا أريد البقاء في ليبيا، أعمل جاهدا لأضمن جمع المبلغ الكافي لرحلتي القادمة إلى أوروبا. المدة القصيرة التي أمضيتها في مركز شارع الزاوية تسببت لي بمشاكل صحية هائلة، لا تبدأ بالفشل الكلوي ولا تنتهي بأمراض الأعصاب. أرجو أن يتمكن جميع المحتجزين هناك من الهرب من ذلك العذاب".

 

للمزيد