مهاجرون أفغان في جزيرة لسبوس اليونانية
مهاجرون أفغان في جزيرة لسبوس اليونانية

تعيش الحدود اليونانية-التركية وضعًا محتقنًا بسبب الصدامات الجارية بين المهاجرين وقوات الأمن اليونانية، إثر محاولات الآلاف من القادمين من تركيا دخول اليونان، بعدما أكدت أنقرة أنها لن تقف في طريقهم. ولا تقف تداعيات ما يجري على الحدود فقط، بل تمتد إلى داخل الاتحاد الأوروبي الذي يتخوّف من تكرار أزمة اللجوء في عام 2015.

الوضع على الأرض

"الشرطة اليونانية تتعامل مع المهاجرين بشكل سيء للغاية. هناك أسر ونساء وأطفال يعيشون في طقس بارد على الحدود ولا يملكون لا الماء ولا الطعام" يحكي مهاجر أفغاني لـ"مهاجر نيوز" عبر فيسبوك بعد عودته إلى إسطنبول من الحدود، مضيفًا أن الشرطة اليونانية أخذت ماله وهاتفه الخلوي، وأطلقت النار على مجموعة من المهاجرين، في وقت ترفض فيه نظيرتها التركية السماح للمهاجرين بالعودة إلى إسطنبول حسب ما وصله من صديق له على الحدود.

ويمضي المهاجر (طلب عدم الكشف عن هويته) في القول إن المهاجرين تدفقوا على الحدود منذ إذاعة خبر يوم 27 فبراير/شباط بأن الحدود مفتوحة، وأن ألفين منهم نجحوا في الدخول إلى اليونان، لكن السلطات اليونانية "أخذت منهم أغراضهم وأعادتهم إلى الحدود التركية"، متابعًا أن على تركيا استدعاء هؤلاء المهاجرين من الحدود وإلا سيصير الوضع "أسوأ حادثة في تاريخ الهجرة".

وقد استعانت قوات الأمن اليونانية بقنابل الغاز المسيل للدموع وبقوات مكافحة الشغب لمنع المهاجرين من اختراق الحواجز الحدودية، في وقت نشرت الحكومة اليونانية شريط فيديو، يبدو فيه ضابط شرطة تركي يلقي قنبلة غاز مسيل للدموع على شرطة الحدود اليونانية.




ولم تخل محاولات الهجرة من مآسي، إذ أعلنت أنقرة أن نيران القوات اليونانية قتلت مهاجرا خلال محاولة العبور، فضلاً عن إصابة خمسة آخرين، وهو ما نفته أثينا، فيما أكدت الشرطة اليونانية وفاة طفل بعد غرق قارب للمهاجرين قبالة سواحل جزيرة ليسبوس.

فما هي مواقف أطراف الأزمة؟

الاتحاد الأوروبي

يظهر الاتحاد الأوروبي حازمًا هذه المرة في منع دخول موجة جديدة من اللاجئين، فقد طار بشكل طارئ كبار مسؤولي  الاتحاد إلى تركيا واليونان، ومن ضمنهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي صرّحت أن الاتحاد سيقدم لليونان "كل الدعم اللازم" لمساعدتها على مواجهة تدفق اللاجئين، متابعة أن "من يسعون إلى اختبار وحدة أوروبا سيخيب أملهم"، لافتةً أن الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود "فرونتكس" مستعدة لمساعدة أثينا في نشر قوات على الحدود.

وقد نقلت مصادر دبلوماسية لوكالة رويترز غضب سفراء الاتحاد الأوروبي ممّا يرونه "ابتزازًا" تركيًا، إذ قال أحد السفراء في اجتماع عُقد مؤخرًا: "تنام مع الشيطان وتصحو في الجحيم.. هذا هو حالنا الآن". لكن مع ذلك، اقترح السفراء ضخ المزيد من المال لتركيا لأجل تجنيب حصول أزمة لجوء كما وقع عام 2015.

اليونان

قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، لم تكن الأوضاع في اليونان إيجابية، فهناك عشرات الآلاف من المهاجرين الذين علقوا في اليونان بعدما دخلوها طمعًا في الانتقال إلى دول أوروبية أخرى، كما يعيش الكثير منهم أوضاعاً صعبة في المخيمات التي لم تعد قادرة على توفير حاجياتهم الأساسية، في وقت يتنامى فيه الرفض الشعبي لموجات اللاجئين، خاصةً مع معاناة البلد من مشاكل اقتصادية كبيرة رفعت درجة البطالة.



ثم جاءت الأحداث لتزيد الوضع سوءًا، فقد أخذت اليونان قرارًا غير مسبوق بتعليق كل طلبات اللجوء لشهر كامل، كما أعلنت اتخاذ أقصى درجات "الردع" على الحدود.

وكتب أليكسيس باباشيلاس، من صحيفة "كاثيميريني" اليونانية، أن أردوغان يحاول "تسليح أزمة اللاجئين على حساب اليونان"، لأجل تهديد أوروبا، لكن الخطة حسب الصحفي ذاته فشلت، بما أن الحكومة اليونانية "استجابت بشكل غير تقليدي"، وذلك عبر التمييز بين ما جرى عام 2015 كنتيجة لأزمة إنسانية، وما يجري الآن باعتباره عملية مخطط لها من لدن تركيا لدفع الآلاف من المهاجرين إلى أوروبا.

ويتابع باباشيلاس في مقال "الابتزاز لن يمر"، أن هذه السياسة المتبعة من الحكومة هي الشيء الوحيد القادر على إيقاظ الاتحاد الأوروبي دون التأثير على استقرار البلاد، لكن يجب الحذر من مخططات أردوغان الذي يرغب في وجود انقسامات داخل اليونان، كما يوجد خطر آخر، حسب قوله، هو استغلال اليمين المتطرف للوضع في اليونان، لأجل أن يضع يده على المشهد

ألمانيا

تدافع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن استمرار اتفاق الهجرة مع تركيا، ورغم الانتقادات التي وجهتها ميركل لأردوغان عندما قالت إنه من "غير المقبول أن يعبر عن استيائه على حساب اللاجئين"، إلّا أنها أكدت كذلك أن تركيا "تضطلع بمهمة إضعاف المقاتلين الإسلاميين في سوريا"، وأنها "تحمّلت بشكل رئيسي أعباء الحرب السورية".


             2015


غير أن هناك نظرة شبه موحدة داخل الحكومة الألمانية على عدم تكرار تجربة 2015، فوزير الداخلية هورست زيهوفر، أعلن بوضوح، وفي تدوينة بالعربية، أن "حدود أوروبا ليست مفتوحة أمام اللاجئين من تركيا". وجاء الموقف ذاته من فريدريش ميرتس، من حزب ميركل الذي صرح: "يجب إرسال إشارة واضحة للاجئين في تركيا أنه ليس هناك جدوى من القدوم إلى ألمانيا.. لا يمكننا استقبالكم هنا".




في الجانب الآخر، قال الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني إن عدة ولايات ألمانية أكدت استعدادها لاستقبال لاجئين قصر من اليونان، مطالبًا بتسريع الإجراءات لحل مشكلة هؤلاء الأطفال. كما أعلن اتحادان كبيران للمدن في ألمانيا أن هناك استعداد محلي للتعامل مع ارتفاع أعداد اللاجئين نظراً للخبرة التي اكتسبتها ألمانيا في السنوات الأخيرة،  لكن بشكل محدود بسبب تراجع القدرات الاستيعابية السكنية وكذلك بسبب تداعيات أزمة 2015.

تركيا

لا يزال أردوغان يحمل الوعيد بالمزيد من المهاجرين على الحدود اليونانية، فقد صرّح أن العدد سيصل إلى الملايين قريبًا، مضيفًا أنه رفض مليار يورو وعدها بها الاتحاد الأوروبي مؤخرا. سبب رفض أردوغان يعود إلى اتهامه الاتحاد الأوروبي بعدم الوفاء بوعوده السابقة، وعدم تقديمه الكثير من الأموال التي وعد بها منذ توقيع اتفاق الطرفين عام 2016 بمنع أنقرة للمهاجرين واللاجئين على أراضيها من التسلّل إلى أوروبا مقابل مساعدات بقيمة ستة مليارات يورو.



ولا تلقي تركيا باللوم فقط على الاتحاد الأوروبي، بل تتهم اليونان بالمساهمة في تحميلها عبئا إضافيا، إذ نقلت وكالة الأناضول عن مصادر أمنية، أن اليونان أعادت 55 في المئة من أصل 130 ألف مهاجر غير نظامي إلى تركيا، بينهم نحو 5 إلى 6 ألف مهاجر خضعوا للعلاج بسبب تعرضهم للضرب من حرس الحدود اليوناني.

وترى تركيا نفسها وحيدة في مواجهات تداعيات الحرب السورية، خاصة مع نزوح حوالي مليون سوري حسب أرقام الأمم المتحدة بسبب المعارك في إدلب شمال غرب سوريا، مع ما يكتنف ذلك من زيادة مهولة في أعداد الفارين إلى الحدود التركية.

إ.ع (وكالات)

 

للمزيد