محمود* أمام السفينة العسكرية اليونانية في ليسبوس.
محمود* أمام السفينة العسكرية اليونانية في ليسبوس.

نحو 500 مهاجر تحتجزهم اليونان في سفينة عسكرية في ليسبوس منذ نحو 10 أيام. محمود* هو أحد المهاجرين المحتجزين، تواصل مع مهاجر نيوز وروى قصته وتفاصيل حياتهم على متن هذه السفينة.

أنا محمود*، 33 عاماً. بدأت رحلة هجرتي منذ خمسة أشهر، ومررت بعدة دول إلى أن وصلت إلى تركيا في منتصف تشرين الثاني / نوفمبر 2019. اعتقدت وقتها أن الجزء الأصعب من رحلتي قد انتهى، لكن تركيا لم تكن سوى بداية المعاناة، والآن أنا محتجز في هذه السفينة العسكرية في ليسبوس. وها هي قصتي.

 للمزيد >>>> مهاجرون محتجزون على سفينة عسكرية يونانية في ليسبوس: "نحن في سجن"

"سبع محاولات فاشلة لدخول أوروبا"

استأجرت غرفة في مدينة إزمير التركية، والمعروفة بأنها نقطة انطلاق المهاجرين الراغبين بالوصول إلى الجزر اليونانية، وبدأت محاولاتي للوصول إلى أوروبا.

للأسف، كل محاولاتي كانت فاشلة. في بعض الحالات، اعترضتنا الشرطة التركية قبل الصعود إلى القارب، وكانوا يأخذوننا إلى مركز الشرطة ثم إلى مخيم للمهاجرين، قبل أن يطلقوا سراحنا سريعاً. وأحياناً أخرى، كان يتم اعتراضنا من قبل خفر السواحل التركي بعد أن نصعد إلى القارب، وبطبيعة الحال كان يتم إخلاء سبيلنا سريعاً.

ويجب الإشارة هنا، إلى أن الشرطة التركية كانت تتحفظ أحياناً على مهاجرين من العراق وسوريا لإمكانية ترحيلهم إلى بلدانهم، لكنهم كانوا يطلقون سراح المهاجرين القادمين من بلدان حدودها مغلقة كالفلسطينيين واليمنيين.

 صورة تظهر الوضع داخل السفينة العسكرية اليونانية. محمود* أرسل الصورة


"استغلينا فرصة فتح الحدود.. لكننا كدنا نغرق" 

وصلتنا أخبار فتح تركيا حدودها في 28 شباط / فبراير الماضي، وقررنا أن ننطلق في قارب صغير في صباح الأول من آذار / مارس الجاري.

كنا 30 مهاجراً في قارب مطاطي صغير، صعدنا إلى القارب وانطلقنا في بحر إيجة. في البداية اقتربت منا قوارب خفر السواحل التركي، اعتقدنا أنهم سيقومون باعتراضنا كالعادة، لكنهم رافقونا. بقيت قوارب خفر السواحل التركي تبحر بجوارنا إلى أن غادرنا المياه الإقليمية التركية في مشهد لم يكن مفهوماً من طرفنا، وكانت هناك قوارب صيادين أتراك في المنطقة أيضاً.

للمزيد >>>> عنف وإنهاك على الحدود التركية اليونانية.. "سنعود أدراجنا"

لكن الرعب بدأ عندما اقتربت منا قوارب خفر السواحل اليوناني، كانوا يبحرون بجانبنا بسرعات عالية لمحاولة قلب قاربنا، كما حاولوا الالتفات حولنا بأحبال حتى يسحبوننا إلى خارج مياههم الإقليمية، وفي النهاية رفعوا أسلحتهم في اتجاهنا وأمرونا بالعودة، فحملنا الأطفال وقلنا لهم بالإنجليزية "معنا أطفال، دعونا نصل إلى الجزيرة".

بعد فترة وجيزة، فقدوا الأمل من اعتراضنا، وابتعدوا عنا إلا أن وصلنا إلى شاطئ ليسبوس.

في ذلك الوقت، فقدت القدرة على الحركة بسبب معاناتي من آلام مزمنة في العمود الفقري، ازدادت بعد حملي للقارب على الشاطئ التركي.

 صورة تظهر مكان تجمع نحو 500 مهاجر في سفينة عسكرية يونانية. الصورة أرسلها محمود*


"نقلت إلى المشفى.. وهناك تعرضت لأسوأ أشكال الإهانة"

تم نقلي إلى المشفى لعدم قدرتي على الحركة بتاتاً، وهناك وجدت امرأة سورية سقط ابنها ذو الخمسة أعوام من القارب الذي كان يقلهم من تركيا إلى اليونان، ورأته وهو يغرق أمامها دون أن تستطيع مساعدته، لقد كانت منهارة نفسياً بشكل كامل.

قاموا بإجراء فحوصات لي، وكان الأطباء يعاملونني بقسوة وباستهتار، وحاولوا مراراً إرغامي على المشي ليتخلصوا مني. لحسن حظي، كان هناك طبيب فلسطيني، حاول مساعدتي وإطالة إقامتي قدر المستطاع في المشفى، لكنهم في النهاية أرغموني على الوقوف على قدماي وأخرجوني. لن أنسى الألم الذي شعرت به عندما أرغموني على الوقوف على قدماي، كانوا يعاملونني بوحشية غير مبررة.

 مهاجرون يصطفون في السفينة لاستلام حليب وحفاضات للأطفال. الصورة أرسلها محمود*


"وصلنا إلى السفينة.. وها نحن محتجزون"

قام رجال الشرطة باصطحابي إلى مركز كانوا قد جمعوا المهاجرين فيه، وقاموا بأخذ بصماتنا ومعلوماتنا، ورفضوا قبول أي طلبات لجوء، وقالوا لنا إننا محتجزون إلى أن يتم إصدار قرار في حقنا.

وها نحن محتجزون منذ تسعة أيام في هذه السفينة، وهي عبارة عن مستودع كبير فيه أكياس نوم وأغطية وفرشات بلاستيكية، ويعيش فيه نحو 500 مهاجر، من دون أي مرافق صحية مناسبة. توجد أربع دورات مياه، لكننا لا نستطيع الاستحمام فيها، لذا لم نغتسل منذ أكثر من 12 يوما.

ونعاني من نقص في الغذاء والماء والأدوية وحليب الأطفال، تقوم السلطات بتوزيع وجبات غذائية علينا، لكنها قليلة وسيئة.

إحدى وجبات الغذاء التي تقدمها السلطات اليونانية للمهاجرين على السفينة. محمود* أرسل الصورة

 قمنا بمحاولة التمرد على هذا الوضع، وقررنا الإضراب عن الطعام قبل عدة أيام، وحاولنا الخروج من السفينة، لكن قوات الشرطة اعترضتنا، وتحدث معنا أحد المسؤولين، ووعدنا بإيجاد حلول. ثم عاد إلينا بعد عدة ساعات، وأخبرنا بأنه سيتم خلال خمسة أيام نقلنا إلى مركزين يتم بناؤهما في أثينا وسير. لكننا لا نثق بهذه الوعود.

للمزيد >>>> فيديو: مهاجر يحاول تلهية ابنته باللعب بقارورة بلاستيكية على متن سفينة عسكرية يونانية

"المستقبل مجهول"

أتينا إلى هنا للبحث عن مستقبل آمن، لنجد أن حتى المستقبل في أوروبا مجهول تماماً. لا أعلم كم المدة التي سنقضيها هنا، ثم المدة التي سنقضيها في مخيم آخر. هل سيسمحون لنا بتقديم طلبات لجوء؟ هل سيتم إرجاعنا إلى تركيا؟ لا نعلم شيء، لكننا في سجن حقيقي.

 

للمزيد