رويترز
رويترز

مع اتخاذ السلطات في المملكة المتحدة إجراءات شبيهة ببقية الدول الأوروبية لمكافحة جائحة كورونا (كوفيد 19)، ومنها فرض الإغلاق التام للبلاد، وجد المهاجرون وطالبو اللجوء، الذين رفضت طلباتهم، أنفسهم وحيدين بمواجهة الجائحة، فالمراكز التي كانوا يعتمدون عليها للحصول على الطعام والمأوى المؤقت أغلقت أبوابها، ما وضعهم أمام خوف مضاعف من الإصابة بالوباء أو الموت جوعا.

ستتسبب الأزمة التي أنتجتها انتشار جائحة كورونا إلى تعريض حياة نحو مليون مهاجر غير شرعي في المملكة المتحدة للخطر، نتيجة ارتفاع نسبة تعرضهم للإصابة بهذا الفيروس. مؤسسات ومنظمات خيرية عاملة في المملكة حذرت أيضا من تعرض هؤلاء المهاجرين لخطر المجاعة، بسبب الإجراءات التي تم اعتمادها مؤخرا لمكافحة الوباء.

وتضم هذه الفئة من المهاجرين طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم من قبل وزارة الداخلية ويخشون أن تتم إعادتهم إلى بلدانهم الأم، فضلا عن المهاجرين العمال ممن انتهت صلاحيات إقاماتهم على الأراضي البريطانية.

وزارة الداخلية البريطانية أقرت في مناسبات عدة أنها لا تملك إحصاءات دقيقة حول أعداد المهاجرين غير الشرعيين، نظرا لأن معظمهم، خاصة من رفضت طلبات لجوئهم، اختفوا وآثروا التواري بعيدا عن الأنظار خوفا من الترحيل.

وكان مركز الأبحاث الأمريكي "بيو" قد نشر تقريرا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، قدر فيه أن عدد هذه الفئة من المهاجرين في المملكة يتراوح بين 800 ألف و1,2 مليون شخص.

المهاجرون يواجهون كورونا وحيدين

ووفقا لنظام اللجوء والاندماج في بريطانيا، يتلقى طالبو اللجوء مبلغ 37,75 باوند (حوالي 41 يورو) أسبوعيا فقط لشراء حاجياتهم من طعام وشراب ولباس، وهو مبلغ غير كاف بتاتا لإيفاء احتياجاتهم. كما يمنع عليهم العمل أيضا. وبالطبع، مَن رُفضت طلبات لجوئهم لا يتلقون أي نوع من المساعدات.

للمزيد>>> في 2019... ازدياد محاولات عبور المانش أربعة أضعاف

ويعتمد معظم هؤلاء المهاجرين وطالبي اللجوء على شبكة من الجمعيات غير الحكومية المحلية، التي تؤمن لهم وجبات الطعام والملابس وبطاقات لشراء احتياجاتهم من محلات البقالة.

لكن مع اتخاذ السلطات البريطانية إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد مؤخرا، ومن ضمنها حظر التجول والتجمعات، أقفلت تلك الجمعيات أبوابها، وبات المهاجرون وحيدين الآن في مواجهة ظروف حياة يومية صعبة للغاية.


ما بات يؤرقني ليلا ليس فيروس كورونا أو عدم توافر مكان مناسب للنوم، بت أخشى جديا أن أموت من الجوع
_ هادي، طالب لجوء سوداني في بريطانيا

"سخرية القدر"

هادي أبو زينب، 29 عاما، طالب لجوء سوداني رُفض طلبه في المملكة المتحدة، يصارع منذ أيام لإيجاد مكان آمن ينام فيه أو التزود بوجبة غذاء تسد جوعه. هادي قال لمهاجر نيوز "قبل الإعلان عن هذه الإجراءات كانت ظروف الحياة أسهل، كان هناك عدد من المراكز التي تؤمن لنا على الأقل وجبة واحدة ساخنة في اليوم. مراكز وجمعيات أخرى كانت تساعدنا على إيجاد مأوى مؤقت لعدة ليالي. كل تلك المراكز أغلقت أبوابها".

للمزيد>>> بريطانيا.. استغلال المهاجرين في أعمال غير آمنة وزهيدة الأجور

يعبّر هادي، ومن خلفه مجموعة من المهاجرين السودانيين الآخرين الذين كانت أصواتهم تعلوا فجأة ثم تخفت خلال الاتصال الهاتفي، "لا أريد أن أشعر باليأس. فبعد كل ما مررت به خلال رحلة هجرتي من السودان إلى بريطانيا، أشعر أنني بت أقوى من أن أهزم بسهولة، ولكن ما بات يؤرقني قبل النوم ليلا ليس فيروس كورونا أو عدم توافر مكان مناسب للنوم، بت أخشى جديا أن أموت من الجوع. وفي حال حصل ذلك فتلك ستكون سخرية القدر!".


جاءنا كورونا الآن ليضيف على حياتنا هما جديدا
_ مأمون، طالب لجوء صومالي في بريطانيا

مأمون، طالب لجوء صومالي رُفض طلبه هو الآخر من قبل السلطات البريطانية، قال لمهاجر نيوز إن الخوف حاليا بات مسيطرا على هواجس المهاجرين المشردين في الشوارع.

المهاجر الذي تحدث بصوت منخفض تبدو عليه آثار التعب، قال إن "الجمعيات التي كانت توزع علينا الطعام أغلقت أبوابها. أنام وأصدقاء لي في محطات القطارات والمتروهات بانتظار انتهاء هذا الكابوس الذي نعيشه. هواجسنا باتت مضاعفة، فبين رفض اللجوء والخوف من الترحيل واضطرارنا للتعايش نفسيا مع أهوال الصدمات التي واجهناها على الطريق إلى هنا، جاءنا كورونا الآن ليضيف على حياتنا هما جديدا".

"لم أفهم كيف بت أواجه خطر الموت جوعا أو مرضا"

أما حسان، وهو طالب لجوء عراقي رُفض طلبه هو الآخر، فقال لمهاجر نيوز "كورونا نزهة بالنسبة إلي. لم أفهم ما يحصل لي هنا. بعد المشقة الكبيرة التي تكبدتها للوصول إلى بريطانيا، وطلبي اللجوء لأنني كنت أعمل مع القوات البريطانية كمترجم في العراق وبات بقائي هناك خطر على حياتي، ترفضني السلطات بهذه البساطة. حياتي لم يعد لها معنى، لا أفهم كيف بت مشردا في شوارع مدينة غريبة أواجه خطر الموت جوعا بين يوم وآخر. كورونا ليس هما بالنسبة إلي، همي أن أعيش أو أموت بكرامة".

مبادرات لإيجاد حلول للمهاجرين المشردين

جيسي سيل، منسقة الحملات في منظمة "ناكوم" البريطانية، قالت لمهاجر نيوز إن "أكثر من 80 جمعية ومنظمة غير حكومية وقعت رسالة مشتركة موجهة لرئيس الحكومة تطالب فيها بتوفير الظروف المناسبة للفئات الأكثر تضررا من إجراءات مكافحة الوباء". الرسالة طالبت السلطات بتأمين مراكز إيواء للمهاجرين غير الشرعيين المشردين والمعرضين للإصابة بفيروس كورونا، دون أن يضطروا للخوف من الاعتقال والترحيل.



سيل أضافت أن "هناك جمعيات تعمل بصورة منفردة على تأمين بعض الاحتياجات للمهاجرين المشردين، ولكن جهودهم تبقى فردية ومحصورة بإمكانيات محدودة، دون القدرة على تلبية الاحتياجات على مستوى شامل". وأوردت منسقة الحملات في المنظمة البريطانية أن هناك تنسيقا حاليا لوضع تصور للمرحلة المقبلة.

للمزيد>>> نظام بريطاني جديد للهجرة يعتمد على "النقاط"

بدورها، قالت كارولين ماروتشيك، مديرة "مركز هارينغي لدعم المهاجرين" لمهاجر نيوز إن الوضع برمته "جديد ونحتاج إلى الوقت للتكيف مع المستجدات. أطلقنا حملة تبرعات مؤخرا لنجمع المال الكافي لدعم المهاجرين الذين كنا نعمل معهم قبل الأزمة. الأموال ستخصص لهؤلاء اللاجئين إما لمساعدتهم على شراء حاجياتهم، أو لتأمين بطاقات شرائية لهم يتمكنوا من استخدامها لدى محلات البقالة".



مديرة الجمعية قالت "سرت شائعات مؤخرا حول تخصيص السلطات عددا من الفنادق لإيواء المهاجرين والمشردين خلال فترة الأزمة، ولكن حتى الآن لم يتم تطبيق ذلك. ننتظر رد فعل السلطات المعنية وخطتها لمواجهة أثر إجراءات مكافحة الوباء على هذه الفئة من المقيمين على أراضي المملكة".

يذكر أن "مركز هارينغي لدعم المهاجرين" كان يقدم الوجبات الغذائية والملابس للمهاجرين، إلا أنه اضطر لوقف كافة تلك الأنشطة في المراكز التي كان يعمل من خلالها نتيجة إجراءات الحجر التي أعلنتها السلطات البريطانية.

دعم حكومي

متحدث باسم الحكومة البريطانية، قال "يجب ألا يجد أحد نفسه بمواجهة خطر الموت جوعا بسبب هذه الأزمة... سيتم تأمين الموارد اللازمة لعدد من الجمعيات الخيرية ضمن خطة المواجهة التي أقرتها الحكومة، لتأمين الدعم المطلوب لمن هم بحاجة".

وأكمل المتحدث "هذه فترة صعبة، ونعمل بشكل متواصل على مراجعة خياراتنا المتاحة لمساعدة من تأثر وضع لجوئهم وهجرتهم في المملكة المتحدة بفيروس كورونا".

 

للمزيد