محمد زهران، فلسطيني مقيم في باريس، يعمل في سوبر ماركت كارفور على الرغم من الحجر الصحي.
محمد زهران، فلسطيني مقيم في باريس، يعمل في سوبر ماركت كارفور على الرغم من الحجر الصحي.

فرضت معظم الدول الأوروبية حجراً صحياً عاماً أو جزئياً لمواجهة جائحة كورونا. قرار تعطلت على إثره عجلة الحياة في معظم القطاعات الاقتصادية، إلا أن بعض القطاعات الحيوية لا زالت تعمل رغم المخاطرة الكبيرة. مهاجر نيوز تواصل مع مهاجرين لا يزالون يعملون رغم الحجر الصحي، وهذه هي تجاربهم.

يعيش العالم منذ أسابيع تحت وطأة تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، مما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات حازمة لكبح انتشار الوباء ولتخفيف العبء على الأنظمة الصحية لديها. ومن بين هذه الإجراءات، يعتبر قرار الحجر الصحي ومنع التجول هو أهم قرار من شأنه أن يحد من انتشار المرض، ولكنه يؤثر على كافة جوانب الحياة لدى السكان.

ومما لا شك فيه، أن القطاع الاقتصادي هو أكثر القطاعات تأثراً بهذا القرار، حيث تحاول الحكومات طمأنة مواطنيها بأنها ستتخذ كل الإجراءات التي من شأنها إنقاذ الشركات من الإفلاس، كما وعدت بأنها ستدعم العاملين بنظام المياومة لتخطي هذه الأزمة. 

وفي ظل إغلاق أغلبية المؤسسات والشركات، لا تزال بعض المنشآت مستمرة في عملها، خاصة تلك التي تقدم خدمات حيوية كالمصارف ومحال المواد الغذائية وشركات المواد الطبية. وفي كثير من الأحيان، يعمل مهاجرون ولاجئون في هذه المنشآت، حالهم كحال المواطنين. 

للمزيد>>>> كيف أثرت جائحة كورونا على وظائف المهاجرين وأعمالهم؟

"اتخذنا كل الإجراءات الممكنة لحماية أنفسنا والعملاء"

محمد زهران، فلسطيني متزوج ويعيش برفقة أسرته في باريس، ويعمل في سلسة محال كارفور التجارية. يقول "أنا أعمل في فرع سان دوني في شمال باريس. في الأيام العادية، يزور فرعنا آلاف الزبائن يومياً، ويعمل في فرعنا 270 موظفاً يتم تقسيم مهامهم بين استقبال البضائع وترتيبها على الرفوف، والمحاسبين والإداريين والأمن".

ووفقاً لزهران، اتخذت إدارة كارفور إجراءات لحماية موظفيها وعملائها، ومنها "وضع سائل معقم للأيدي للموظفين في كل مرافق الفروع، وتوزيع قفازات معقمة عليهم، إضافة لوضع حاجز زجاجي بين المحاسبين والعملاء". 



ويقول زهران إن الشركة دعت موظفيها ممن لا يستطيعون العمل لأسباب اجتماعية أو صحية إلى استهلاك إجازاتهم السنوية. وأضاف "لكن كل من في استطاعته العمل، يجب عليه القدوم، لأن استقرار المواطنين في منازلهم يعتمد بشكل أساسي على استمرارنا بتقديم خدماتنا الحيوية". 

وأشار محمد إلى بعض الإجراءات الأخرى التي يتبعونها في فرعهم، وقال "عادة ما نفتح أبواب فرعنا في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، مؤخراً بدأنا السماح لحاملي التصاريح الطبية وذوي الاحتياجات الخاصة بالدخول ابتداء من الساعة الثامنة، أي قبل اكتظاظ الفرع بالعملاء، حتى يقوموا بشراء احتياجاتهم دون تعريضهم لخطر الاختلاط مع الآخرين".

وأضاف "كما نقوم بتذكير العملاء عبر مكبرات الصوت بضرورة الحفاظ على مسافة متر واحد على الأقل بينهم وبين أي شخص آخر داخل الفرع. في تمام الساعة الثانية ظهراً، نقوم بإخلاء الفرع بالكامل، ونبدأ بإدخال أعداد معينة من العملاء، ويقوم رجال الأمن بتنظيم طابور خارج الفرع، على ألا يدخل أي شخص، قبل أن يخرج شخص آخر، وذلك للحفاظ على عدد مقبول من الأشخاص في الداخل، وتقليل احتمالية نقل العدوى قدر المستطاع".



واعترف زهران أنه وعلى الرغم من هذه الإجراءات، إلا "أنهم يعيشون في خوف مستمر، فهم يقابلون آلاف العملاء كل يوم، ويتعاملون معهم بشكل مباشر".

"إذا لم نعمل سنخسر عقود عملنا" 

أحمد* طالب لجوء في بلجيكا، يعمل منذ شهرين في مزرعة للورود في مدينة غنت. بعد انتشار وباء كورونا، اجتمع مديره بالعمال ووضعهم أمام خيارين، إما التوقف عن العمل وبالتالي عدم الحصول على أي دخل، أو الاستمرار بالعمل والمخاطرة.  

يقول الشاب العشريني "نقوم بالتسجيل في مكاتب عمل لنحصل على عقود عمل قصيرة تتجدد أسبوعياً". وأضاف "مع بداية أزمة الفيروس، قام مدير المكتب بالاجتماع معنا، وخيّرنا إما بالاستمرار بالعمل، أو بالبقاء بالمنزل وعدم تجديد عقودنا". 

بالنسبة لأحمد، هو مجبر على القدوم إلى العمل لتسديد التزاماته كإيجار شقته ولوازم حياته الأساسية، على الرغم من الخوف من العدوى. ويقول "العمال الذين يحظون بعقود عمل طويلة، أخذوا عطلة تخصم من عطلهم السنوية، والإداريون يعملون من منازلهم. أما نحن، أصحاب العقود القصيرة، نعمل على الرغم من المخاطرة الكبيرة، فأنا أعمل على نفس الطاولة مع سبعة عمال آخرين، أغلبنا من المهاجرين وطالبي اللجوء". 

من جانبها، تعمل عزيزة*، وهي طالبة لجوء مغربية في بلجيكا، في شركة مختصة بإرسال الطرود البريدية والتجارة الإلكترونية، وتقوم في عملها بتغليف الطرود وتجهيز الطلبيات قبل أن يتم إرسالها إلى العملاء. وتقول "أعمل بعقد يتم تجديده شهرياً، لذا أنا مجبرة على القدوم إلى العمل. لكن إدارة الشركة والموظفين الحاصلين على عقود عمل دائمة، جميعهم في المنازل. نحاول قدر المستطاع أخد إجراءات السلامة واستخدام معقم اليدين، لكننا خائفون جداً، ولا نتحدث إلا عن الوباء".

 للمزيد>>>> المهاجرون القاصرون غير المصحوبين بذويهم.. "نعيش معاناة مضاعفة تحت الحجر الصحي"

"العمل في هذه الأوضاع جزء من مهنتي"

يعمل باسم سلوم، وهو لاجئ سوري في فرنسا، كمذيع مياوم في إذاعة مونت كارلو الدولية في باريس. وحاله كحال معظم زملائه، يستمر باسم في التوجه إلى الإذاعة وممارسة عمله. 

يشرح الشاب الثلاثيني قائلاً "عندما اخترت أن أعمل كصحافي، كنت أعلم تماماً أنه سيتوجب علي العمل في ظروف استثنائية. لذا أنا لا أتردد بالقدوم وبممارسة عملي على الرغم من المخاطرة، لأنها جزء من مهنتي التي أحبها. خاصة وأنني أسكن بالقرب من مبنى الإذاعة، وليس لدي أطفال لأرعاهم. إنه واجبي ببساطة". 

ولا يخفي باسم أنه وأقرانه من الصحافيين المياومين، مضطرون إلى القدوم إلى العمل، خاصة في ظل عدم وضوح الآليات التي ستتبعها الحكومة لتعويض العاملين المياومين إذا ما تأثر عملهم بسبب الجائحة. ويشرح "أطلق الرئيس الفرنسي وعوداً لدعم الشركات والأفراد المتأثرين من الوضع الحالي، لكن الآليات غير واضحة. لذا أنا مضطر إلى القدوم بكل الأحوال، لتوفير الحد الأدنى من الدخل اللازم لتغطية احتياجاتي الأساسية". 

وأشار باسم إلى أن عائلته المتواجدة في سوريا تتواصل معه كل يوم، ويخافون عليه، لكنهم في الوقت ذاته "يتفهمون طبيعة عمله".  

"هذه مسؤوليتي تجاه مجتمعي الجديد" 

سمية، لاجئة فلسطينية تعيش في مدينة ستراسبورغ شرق فرنسا، تعمل لصالح شركة سيسترا في قسم يختص بتجهيز المعدات الطبية قبل إرسالها إلى المستشفيات. تشرح سمية "تصلنا المعدات الطبية من المصانع مثل القفازات الطبية والمقصات بأنواعها وملابس الأطباء وغيرها. نقوم بدورنا بإخراجها من عبواتها وتجهيزها للاستخدام المباشر، قبل أن نرسلها إلى المستشفيات ومرافق وزارة الصحة". 

ووفقاً لسمية، كان يعمل حوالي 90 شخصاً في قسم المعدات الطبية قبل أزمة الجائحة، وكانوا يعملون على ثلاث فترات يومية، لكن بسبب الوضع الحالي، تم تقليص العدد إلى 35 شخصاً، غالبيتهم من المهاجرين، ويعملون لفترة واحدة من الثامنة صباحاً حتى الرابعة مساء. وتقول "اجتمعت الإدارة معنا، وقالوا لنا حرفياً: نحن بحاجتكم. لذا نحن ندرك تماماً أهمية دورنا، ومستعدون بشكل كامل للعمل حتى في عطلة نهاية الأسبوع، وهذا ما سيحدث الأسبوع القادم". 

وتشرح سمية "قبل الأزمة الحالية، كنا نأخذ الكثير من إجراءات التعقيم والنظافة، لكن ومع الوضع الحالي، ازدادت الإجراءات، وصرنا مجبرين على تعقيم أيدينا بانتظام، والتأكد من كافة إجراءات السلامة كالحفاظ على مسافة لا تقل عن متر بين كل موظف وآخر". 

وأكدت سمية على أنها وزملاءها مصرون على الاستمرار بعملهم على الرغم من الخوف من العدوى، وقالت "إذا استسلم الجميع إلى الخوف، ما قول الأطباء الذين يتعاملون مع المرضى بشكل مباشر؟ إنها مسؤوليتنا تجاه مجتمعاتنا الجديدة". 


 

للمزيد