نازحون إلى الشمال السوري. الصورة: رويترز
نازحون إلى الشمال السوري. الصورة: رويترز

في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، منظمات محلية ودولية تدق ناقوس الخطر وتتخوف من تفشّي فيروس كورونا المستجد في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يرزح تحتها حوالي 4 ملايين مدني، عدا عن المنشآت الصحية المدمرة والمشافي ومراكز الدفاع المدني المستهدفة عسكريا باستمرار.

حملات تهجير واسعة طالت المدن السورية على مدى السنوات الماضية، نجم عنها نزوح مئات آلاف المدنيين إلى محافظة إدلب شمال غرب سوريا، وتجاوز عدد النازحين إلى مخيمات الشمال السوري منذ كانون الأول/ديسمبر 2019 وحتى نهاية الشهر الماضي، نصف مليون شخص وفقا لأرقام الأمم المتحدة.

في مدينة إدلب، يوجد مختبر واحد فقط قادر على إجراء تحاليل كشف الإصابة بفيروس كورونا المستجد، وحتى اللحظة لم يتم الإعلان عن أية إصابات.

مدير المخبر الوبائي في مدينة إدلب شهم مكي، أكد لمهاجر نيوز وصول وحدات تحاليل من وحدة تنسيق الدعم تكفي لإجراء 300 فحص مخبري يوم الأربعاء 25 آذار/مارس، لكن ذلك يبقى "غير كاف"، بحسب تقديره، وقال "نحن المخبر الوحيد في المنطقة الذي لديه جهاز اختبار PCR قادر على تشخيص الإصابات بفيروس كورونا المستجد".

فالمخبر الوحيد في المنطقة يتكون من فريق طبي محدود جدا قادر على إجراء ما بين 10 إلى 20 تحليلا يوميا كحد أقصى، وقال مكي "نحن هنا فقط عاملين اثنين في المخبر، وأنا الوحيد القادر على إجراء اختبار كشف الفيروس"، مشيراً إلى أنه سيتم تدريب أشخاص جدد.

وأكد مكي أنه حتى الآن، لم يتم الكشف عن حالات مصابة بالفيروس، لكنها ستكون "كارثة إنسانية في حال تفشّى الوباء، ونتخوّف من وقوع عدد كبير من الوفيات نظرا للكثافة السكانية وظروف الحرب والحصار الذي نعيشه، عدا عن قصف المشافي".

خلال الشهر الماضي وحده، استهدفت قوات النظام السوري وحليفه الروسي، أكثر من 20 مستشفى ومركز طبي وسيارة إسعاف، وفقا لفريق منظمة "منسقو استجابة سوريا" غير الحكومية. ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر وحتى الإعلان عن توصل لاتفاق وقف إطلاق النار في 6 آذار/مارس الجاري، تم استهداف أكثر من 40 منشأة طبية ومراكز للدفاع المدني.



في فيديو نشرته مديرية صحة إدلب حول جائحة كورونا، قال مدير صحة إدلب الدكتور منذر خليل، إنه لا يتواجد في مشافي المنطقة سوى 3065 سريراً، أي كل 1363 شخصاً لهم سرير.

وقال خليل "إذا أردنا الحديث عن خطة حقيقية للاستجابة، لا بد من التذكير برفع كفاءة القطاع الصحي بشكل عام، من خلال زيادة أسرّة العناية المشددة، وما يتضمنه من زيادة القدرة التشغيلية".

وقبل المخاوف من انتشار فيروس كورونا المستجد، كانت منظمة الصحة العالمية قد نبهت في بيان على أن "العائلات التي فرّت بحثا عن الأمان تعاني من محدودية القدرة على الحصول على الرعاية الصحية ونقص في الأدوية الضرورية، ولديها حماية أقل ضد الأمراض المعدية بسبب هشاشة جهاز المناعة". وتفيد المنظمة بأن هذه العوامل تزيد من مخاطر تفشي الأمراض.

 




ظروف اقتصادية صعبة تزيد من تعقيد المشهد

الظروف الاقتصادية الصعبة لسكان محافظة إدلب تزيد من صعوبة التعامل مع تلك الأزمات الصحية، فالمحافظة استقبلت على مر السنين الماضية مئات آلاف النازحين من مختلف المدن السورية، وبات الجزء الأكبر منهم يعيش ضمن ظروف مادية صعبة، إما في مدينة إدلب أو في المخيمات المنتشرة في ريف إدلب وحلب وحماه دون توفر أدنى الشروط الصحية.

وكانت الأمم المتحدة نشرت في بيان "يعتمد الكثير من السوريين الذين انقلبت حياتهم رأسا على عقب بسبب الصراع على المساعدات الإنسانية لإطعام أسرهم بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة".

الدكتور فادي حكيم مدير قسم التواصل والمناصرة في سوريا في الجمعية الطبية السورية الأمريكية "سامز"، أشار خلال حديثه مع مهاجر نيوز إلى نقص المساعدات الغذائية والإنسانية في شمال سوريا، "نتيجة لعدم قدرة الأشخاص على تلبية احتياجاتهم المادية ونقص موارد سبل العيش، وشح الدعم الإنساني للمحتاجين، فالأشخاص العاملين غير قادرين فعلا على ملازمة بيوتهم"، مؤكدا على أن مستوى الاستعداد الحالي غير متناسب إطلاقا مع التوقعات في حال تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد.

نقص الموارد ودعم المنظمات الدولية

ونوّه فادي حكيم إلى أن المنظمات الطبية العاملة في الشمال السوري لديها خبرة سابقة بالتعامل مع الأمراض الوبائية، كوباء الحصبة الذي انتشر خاصة في عام 2018، وشلل الأطفال في 2013. قائلا "لدينا كفاءة للتعامل مع الموضوع، لكن لدينا نقص في الموارد التي من المفترض أن تؤمنها المؤسسات الأممية. خطة الاستجابة التي تم وضعها لتلبية الاحتياجات المتوقعة متواضعة جدا. قيمة الموازنة المخصصة للاستجابة لجائحة كورونا تقدر حاليا بـ6 مليون دولار، وهي وفقا لتقديرنا لا تغطي أكثر من 10% من الاحتياج الفعلي".


نحن لسنا مستعدين للتعامل مع جائحة كورونا


وقال حكيم "حتى الآن لا يوجد سوى مستشفى الداخلية في مدينة إدلب القادر على استقبال تلك الحالات، لكن لا يوجد فيه سوى 4 أو 5 منافس. ونعمل الآن على تجهيز مشفيين آخرين لكن لم نحصل حتى الآن على الدعم اللازم من الصحة العالمية"، مشيرا إلى التكلفة المادية الباهظة لتجهيز أسرّة العناية المشددة ومحطة توليد أوكسجين وأجهزة التنفس المساعدة. وقال مؤكداً "نحن لسنا مستعدين بشكل كاف بعد للتعامل مع الجائحة".

النقص الأكبر بنظر حكيم يبقى في الموارد المادية "لا تنقصنا الخبرة بقدر ما تنقصنا الموارد اللوجستية والمالية كأجهزة المنافس ووحدات الاختبار لتشخيص الحالات ومحطات توليد الأوكسجين".

وتبقى الجهود منصبة اليوم على إنشاء خيم الحجر الصحي أمام المشافي، خيمة لفحص أولي قبل أن يتم السماح للأشخاص بالدخول إلى المنشأة الطبية، وخيمة ثانية لإجراء فحص مكمّل في حال الاشتباه بإصابة المريض بفيروس كورونا.

وانتقدت مديرية الصحة في إدلب ومنظمات غير حكومية، تأخر استجابة منظمة الصحة العالمية التي كانت قد أعلنت منذ أكثر من أسبوعين تسليم 1300 وحدة اختبار لمديرية الصحة في دمشق، قادرة على تشخيص حوالي 130 حالة. في حين أن الشمال السوري من المقرر أن يستلم معدات لتشخيص 600 حالة اليوم الخميس.

محدودية القدرة على إجراء التشخيص تزيد أيضا من صعوبة التعرف على الحالات المصابة، وبالتالي يصعب عزل الحالات ويزيد خطر انتقال العدوى والسيطرة على انتشار الفيروس.

سراج محمود مسؤول إعلامي في مؤسسة الدفاع المدني، وجه خلال حديثه مع مهاجر نيوز تساؤلات أيضا حول الاستجابة للوضع في إدلب، "الأمم المتحدة صرّحت أنه سيكون هناك كارثة حقيقية في حال انتشر فيروس كورونا في الشمال السوري، ونتساءل إن كان ذاك التصريح لمجرد أسباب سياسية أم سيتبع ذلك تحرك حقيقي ودعم؟ الدفاع المدني يحاول بالإمكانات الموجودة احتواء الوضع، لكن من المؤكد أن هناك حاجة لتلقي الدعم من المجتمع الدولي لإدخال مساعدات ومعقمات".

 




حملات توعية وتطهير

بدأت فرق الدفاع المدني حملات التوعية والتطهير، الأربعاء 18 آذار، ضمن حملة "خليك ببيتك" التي تهدف لحث المدنيين على البقاء في منازلهم وعدم الخروج إلا في حال الضرورة، واتباع إرشادات الوقاية من الفيروس.

وفي الشمال السوري، طهرت فرق مديرية الدفاع المدني 520 موقعاً أمس الخميس، بينها 56 مخيماً، و143 مدرسة، 175 مسجداً، 9 مشافي، 35 نقطة طبية، إضافة لتنفيذ حملات توعية في 133 نقطة تضمنت توزيع منشورات حول إرشادات للوقاية من الفيروس.


خوف مضاعف


يسعى الدفاع المدني السوري وبالإمكانات المتاحة، إلى مساعدة المدنيين على الوقاية من فيروس كورونا المستجد، "إلا أن الحملات العسكرية المتلاحقة للنظام وروسيا والتي أدت لتدمير أكثر من 60 مشفى ومركز طبي منذ شهر نيسان الماضي، إضافة لتردي الأوضاع المعيشية للمدنيين، والكثافة السكانية العالية في المخيمات، تحدّ من القدرة على مواجهة الفيروس والوقاية منه".

وتحدث محمود عن مدى الصعوبات التي تواجه الفرق العاملة برفع الوعي عند الأشخاص الذين عاشوا الحرب وشهدوا الكثير من المآسي، "بدأنا نشعر في الأيام القليلة الماضية زيادة الوعي عند الأشخاص، بعد أن رأوا بأم عينهم فرق الدفاع المدني بلباسها الوقائي تقوم بحملات التعقيم والتطهير وتوزع المناشير التوعوية على السكان".

اليوم، هناك "خوف مضاعف" لدى الأشخاص، ناجم عن الإشاعات المنتشرة حول تحضير النظام لحملة جديدة تستهدف محافظة إدلب، والخوف من الإصابة بفيروس كورونا، بحسب محمود.

وظهرت مبادرات محلية أخرى بين منظمات المجتمع المدني، ووضعت منظمة "بنفسج" الإغاثية خطة استجابة للتعامل مع فيروس كورونا، وبحسب مدير المنظمة فؤاد عيسى "تم تنظيم جلسات توعية صحية وتقديم النصائح حول النظافة الشخصية لأكثر من 1160 شخصا، شملت مسرحيات وتوزيع ملصقات ومحاضرات في مراكز الايواء والتجمعات".

وأضاف عيسى لمهاجر نيوز "عملنا على نصب 130 خيمة أمام المشافي الأساسية في المحافظة، إضافة إلى تدريب فرق طبية متخصصة بالتعامل مع المصابين بالفيروس، وتم تأسيس 5 فرق إسعاف لنقل المصابين إلى المشافي".


 

للمزيد