صورة من مخيم كوروكوسك
صورة من مخيم كوروكوسك

خلال حديث لمهاجر نيوز مع لاجئين في خمسة مخيمات في إقليم كردستان، وضح اللاجئون ما يعانوه من صعوبات معيشية في ظل التدابير الوقائية التي اتخدتها حكومة الإقليم لمحاربة انتشار فيروس كورونا المستجد.

لكل مخيم باب كبير قلّما تتواجد بداخله الخيام، فباتت تعيش العائلات ضمن ما تسميه بـ"القواعد"، وهي غرف بناها اللاجئون أنفسهم من مالهم الخاص أو بمساعدة منظمات قدمت إلى المخيمات، مؤلفة جدرانها من حجر وطوب وسقفها من ”توتياء“ فلا يسمح لهم بالعمار الكامل. كل قاعدة بمثابة منزل صغير، أحجامها ليست متساوية، تكبر وتصغر على حسب عدد أفراد العائلة الواحدة والمال المبذول للبناء. ولكن لجميعها غرفة واحدة على الأقل ومطبخ وحمام. حوّل بعض اللاجئين أقساما من غرفهم، المطلة على الشارع الذي كان قبل أعوام طينا وبات مزفّتا، دكاكين صغيرة، يبيعون فيها أغراضاً متنوعة وبعضهم يبيعون مواد غذائية. 

غدت لتلك المخيمات ما يسميها أهلها "سوقاً"، وهي تجمع لدكاكين متواضعة بشكل تراتبي على أطراف أحد شوارع المخيم. وركبت في بعض المخيمات، أعمدة إضاءة وكاميرات مراقبة، ترصد الحركة داخل المخيم. ولكل مخيم حراسة أمنية مشددة. 

هذا هو حال بعض مخيمات اللاجئين في إقليم كردستان العراق، ككوروكوسك جنوب أربيل، ودوميز التابع لمحافظة دهوك، أكبر المخيمات وأكثرها اكتظاظا، ودار شكران الواقع غربي إربيل، وقوشتبه التابع لهولير.

صورة من مخيم دار شكران


منذ قرابة شهر، بدأت حكومة إقليم كردستان بحسب ما روى لمهاجر نيوز لاجئون في خمسة مخيمات، إجراءات لتعقيم المخيمات، ووزعوا على العائلات في بعض المخيمات، كعربد التابع للسليمانية، أدوات تعقيم وصابون، فيما لم يتم توزيع أي شيء على مخيمات أخرى، وشددوا الأوامر فيما يتعلق بالحجر الصحي. أغلقت أبواب المخيمات التي كانت قبلاً مفتوحة، إلا لمن يمتلكون محال غذائية وعليهم إحضار البضائع إلى الداخل، وأغلقت داخلا أماكن التجمعات المتواضعة باستثناء الصيدليات والأفران والنقاط الطبية.

المشكلة الأساسية هي سوء الأوضاع المادية

الأبواب موصدة على سكان المخيم، ولا أنباء حتى الآن تفيد بانتشار فيروس كورونا المستجد داخلاً. يبدو الأمر على ما يرام وأقل وطأة مما يحدث في مخيمات أخرى للاجئين في بلدان أخرى، ولكن ليس تماماً، فلهذه التدابير وطأة شديدة على أصحابها ولا حلول واضحة للتعامل معها وتخفيفها. وحتى الأن لم تصل أي مساعدات مادية أو غذائية من حكومة الإقليم أو من المنظمات، لسكان المخيمات، رغم أن العديد من اللاجئين في مخيمات كردستان العراق يعانون سوء الأوضاع المادية. خاصة بعد توقفهم عن العمل.

يوضح أزاد، 35 عاماً، وهو رب عائلة مؤلفة من 6 أشخاص "60% من عائلات المخيم وهم قرابة 1200 عائلة، تعاني سوء الأوضاع المادية، فمعظم المعيلين ‘عمال قطعة’ (مياومين) يعيشون مما يكسبونه يومياً ولكن بعد أن أغلق المخيم لم يعد بإمكانهم جني المال، أقل عائلة تتألف من 4 أشخاص، الوضع غاية في السوء"، مرتب أزاد الذي لا يزال يصله لا يكفيه وعائلته، ولكن بالنسبة له حاله أفضل من كثيرين، لهذا لا يمكنه التذمر "إن وضعي أفضل من غيري، أنا أكسب ما يقارب 300 دولار شهرياً فأنا مدرّس في مدرسة داخل المخيم"، لربما كانت أوضاع أزاد أفضل قبل الحجر الصحي فله دكان للأجهزة المستعملة في المنزل، يعمل فيه إلى جانب عمله في المدرسة ولكن بعد الحجر أغلق دكانه ودكاكين أخرى غير غذائية. قلق أزاد الأساسي هو على من لا دخل لهم وخاصة العمال كحال زوج شيرين.

المنظمات الدولية قطعت المعونات منذ فترة طويلة

شيرين وعائلتها وصلوا إلى مخيم دار شكران عام 2013، وحاليا بحسب ما قالت شيرين فهو المخيم الأكثر تخطيطاً ومراقبة، والمشاكل الأساسية التي يعاني منها سكان مخيم دار شكران، لا تختلف كثيرا عن باقي المخيمات "زوجي عامل وأنا ربة منزل ولدينا خمسة أولاد، توقف عمله بسبب الحجر وهذا أثر علينا بالطبع، لا نعرف كم سنستمر على هذا الحال". سوء الحالة المادية موجود عند غالبية قاطني المخيمات بحسب شيرين، فالمنظمات الدولية كانت قطعت المعونات، التي يسمّيها السكان بـ"الأرزاق"، منذ فترة طويلة على غالبية سكان المخيمات، وهي تعادل 20 دولارا للشخص الواحد، وحتى من كان يستفيد من تلك المساعدات، لم يحصل عليها هذا الشهر.

يقول شريف، 27 عاماً، طالب جامعي وموظف في مطعم، يقيم في مخيم عربد التابع للسليمانية "لم تقطع حقا الأرزاق عن عائلتي المؤلفة من أربعة أشخاص، ولكن المشكلة أنها لم تصل منذ قرابة شهرين، فقديما كانت المساعدة عبارة عن بطاقة نستخدمها لشراء الأغذية من متجر داخل المخيم، باتت بعد ذلك مادية تصلنا عن طريق خطوط خاصة للحوالات، بسبب كورونا لم تعد هذه الخطوط فعالة وبالتالي لم يصلنا شيء"، ويضيف أنه لا يعرف تماماً ما هي المقاييس التي يتم على أساسها قطع "الأرزاق" وتوزيعها في المخيم الذي يقيم فيه أكثر من 2000 عائلة، إلا أن "الأمر سيؤثر سلباً عليهم لا محالة".

وهو ما وافق عليه محمد (44 عاما)، فعمله توقف بسبب التدابير الوقائية. ويقول إن أصعب ما في الأمر هو أنه يجب على الجميع الالتزام بالحجر والبقاء في المنزل لكن لا يوجد لديه دخل مادي يكفي لتأمين أدنى متطلبات العيش، فهو المعيل الوحيد لأسرته، وزوجته ربة منزل ولديهم ثلاثة أطفال، يعيشون في مخيم قوشتابا. يعمل محمد في تمديد الكهرباء "انقطعت الأرزاق عن كثيرين ولم تعد تصل في قوشتبه إلا إلى 500 عائلة من أصل 2000، وحتى الآن لم يتكلم معنا أي شخص بهذا الأمر ونخاف أن يزداد الوضع سوءاً".

مصاريف مضاعفة 

 مصاريف محمد لا تقتصر على المواد الغذائية وأساسيات المنزل ومتطلبات الأسرة، فهناك مصروف المولّدة الكهربائية والإنترنت. تقطع الكهرباء عند الساعة الـ12 ليلاً في غالبية المخيمات كما ذكر محمد لمهاجر نيوز، ولهذا فمعظم القاطنين يشتركون في "مولدة كهربائية أهلية" كما يسمونها، يأخذون حاجتهم من "الأمبيرات" ويدفعون مقابل ذلك نقوداً. وقد يتفاوت المبلغ بحسب الاستخدام، يقول محمد "يصل المبلغ الذي ندفعه إلى 35 ألف دينار عراقي"، وأما الأنترنت فكل شخص يمدد خط إلى منزله عن طريق شركة خاصة، وهي خدمات يدفع اللاجئون مصاريفها كل شهر، وهم الآن مضطرون لزيادة استهلاكهم بسبب الحجر. 


هناك من يرسل ”الخير“ أو المعونات الغذائية لكنها لا تكفي

الوضع لا يختلف كثيراً في مخيم دوميز. سلافة (26 عاما)، فنانة شابة تقيم في المخيم، يعمل أحد إخوتها بالخياطة وهي تعمل في المجال الموسيقي خارج المخيم، تقول إنه بالنسبة لعائلتهم المؤلفة من 7 أشخاص فالأمور على ما يرام حتى الآن، ورغم أن العمل متوقف منذ قرابة شهر إلا أنهم يدبرون أنفسهم. ولكن "تعيش في هذا المخيم الكبير عائلات كثيرة تعاني نقصاً كبيراً، بعضهم اعتاد الكسب اليومي ومع توقف أعمالهم باتوا في وضع صعب، هذا أمر يتحدث فيه الجميع". يتم إرسال بعض المعونات أحياناً إلى دوميز، لكنها لا تصل إلى الجميع فمن يرسلها هم أفراد يريدون المساعدة وليسوا تابعين للمنظمات الدولية أو الأهلية. 

وصلت لأبو هوزان (55 عاما)، رب لعائلة مؤلفة من 6 أشخاص، حصة تشمل "قنينتي زيت وكيلو سكر وكيلو أرز وبرغل ورب البندورة وعلبتي مرتديلا" لكنه يقول إنها غير كافية، "نحن 6 أشخاص في المنزل ولا تكفي هذه الحصة لشهر، فما بالك بمن هم أحوج منا وعددهم أكبر؟ سيكون من الصعب عليهم الانتظار مدة طويلة"، لهذا فلا حل بالنسبة لأبو هوزان وأزاد ومن تبقوا سوى بالاستدانة أو بانتظار أن يرسل لهم أحد اقاربهم في أوروبا بعض المال لتدبير أمورهم.

يختم أبو هوزان بالقول "لا أعتقد أن هناك بيت، ليس مديون رب أسرته لأحد، هذا حال الغالبية العظمة"، فيما يقول شريف "العمال الذين يكسبون في اليوم لربما جمعوا بعض المال، ولكن خلال عشرة أيام مقبلة سيصرفون كل ما يملكون وقد يؤدي الموضوع إلى حالة من الجوع والنقص الشديدين ولا نعرف ما العمل".  

سكان المخيم يعيشون حجرا صحيا جماعيا 

ما يقلق شيرين وأزاد هو قلة الوعي وعدم التزام الجميع بالحظر، وتحاول نسرين التي تكيفت على أصوات جلبة أطفالها، إبقاءهم داخل المنزل "أنا منعت الزيارات وأحاول إبقاء أطفالي داخلا، لكن أشخاصا كثر يسمحون لأولادهم أن يلعبوا خارجا طيلة النهار وهناك زيارات قائمة وكأن لا شيء يدور في الأجواء".

سلافة تجزم بأنها ملتزمة إلى أقصى حد وتحاول عائلتها الحد من الزيارات، وهو ما يسعى أبو هوزان للقيام به ولكن ليس دائما، يقولها ويبتسم قليلاً ثم يكمل "لكننا نعلّم الأطفال ونثقفهم بأهمية النظافة وخاصة النظافة الشخصية، وباتوا يغسلون أيديهم دائما وبشكل مستمر ونحن أيضاً".

يتابع أزاد "تم تعقيم المخيم وإغلاقه ومضى على وجودنا أياما ولم يتم التبليغ عن أي إصابة. ولكن مع ذلك، علينا التزام المنازل وهو ما لا يمكن تحقيقه هنا"، يصمت قليلاً ثم يقول بحسرة "حتى أن البعض يسلّمون بالأيدي دون أدنى اعتبار للفيروس، لكنني أقول إنه لا مانع من زيارة أشخاص محددين، ولكن يبقى الموضوع صعبا، فهنا كلنا بمثابة أقرباء والأوضاع صعبة جدا".

 

للمزيد