محمد تحوف، سوري من بانياس مقيم في إسطنبول منذ 2015. الحقوق محفوظة
محمد تحوف، سوري من بانياس مقيم في إسطنبول منذ 2015. الحقوق محفوظة

مع اجتياح فيروس كورونا حدود معظم دول العالم، فارضا عليها إجراءات قيدت الحياة العامة فيها وشلّت حركة مطاراتها وقطاراتها وموانئها، يبرز سؤال حول كيفية تعاطي المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين مع تلك المستجدات، خاصة أولئك الذين جاءتهم الموافقات على إعادة توطينهم في بلدان ثالثة لكنها توقفت بسبب الجائحة. محمد تحوف، لاجئ سوري في تركيا، كان على وشك السفر إلى كندا للالتحاق بعائلته هناك، لكن كورونا لم يشأ له تحقيق حلمه.

محمد تحوف، سوري من بانياس مقيم في إسطنبول منذ 2015. لمحمد قصة تبدأ مع الهرب من تداعيات الحرب في بلاده إلى لبنان، ولا تنتهي بإقامته في إسطنبول. الشاب البالغ من العمر 34 عاما، قاسى الغربة والهجرة والسجن والإبعاد حتى حصل على موافقة للم شمله مع والديه في كندا. إلا أن القصة لم تنته هنا، ففي خضم عملية التحضير للسفر والأحلام والخطط للحياة القادمة الجميلة التي كان يتوقعها، جاءت جائحة كورونا وأطاحت بكل آماله، ليعود لاجئا سوريا في إسطنبول ينتظر فرصة ذهبية تساعده على استكمال أحلامه والتخلص من كابوس لجوئه.

اضطرت عائلة محمد أن تهرب من بانياس عام 2011، كان لبنان مقصدهم الأول. استقرت العائلة في طرابلس شمال البلاد.

عنصرية وتنمر دائمان

حاول الشاب إيجاد عمل في طرابلس يوفر له مردودا ماديا لمساعدة عائلته، إلا أنه لم يوفق. في النهاية وجد عملا في أحد مطاعم بيروت. كان يترك منزل أهله في طرابلس صباحا ليعود إليه عند الثالثة والنصف من فجر اليوم التالي. لم يكن الوضع سهلا ولكن الأمور كانت منظمة وكان باستطاعته تأمين مورد مادي آخر الشهر ليوفر احتياجات أهله.

في أحد أيام صيف 2015، وبينما كان عائدا من عمله في بيروت إلى طرابلس، أوقف الحافلة حاجز للجيش اللبناني. طلبوا منه الترجل من الحافلة ليتفقدوا أوراقه الثبوتية. "نزلت من الحافلة، سلمتهم أوراقي. أوراقي كانت نظامية ولدي إقامة شرعية. أحد الجنود سألني عن طائفتي، صعقت للسؤال، فطوال حياتي في سوريا لم يسألني أحد عن طائفتي. ولما رفضت الإجابة ضربوني وأخذوني إلى سيارتهم. سجنت أسبوعا كاملا، كان الضرب يومي. لم أعرف سبب احتجازي بتاتا، ولكن بعد أسبوع أطلقوا سراحي".

الحادثة أثرت على نفسية محمد كثيرا، وعلى قراراته حيال مستقبله، "لم أتمكن من تخيل نفسي مقيما في لبنان بعد تلك الحادثة. اكتفيت من التنمر والعنصرية اللذين كنت أتعرض لهما يوميا. قررت التوجه إلى تركيا".

صيف 2015 توجه محمد بشكل شرعي إلى تركيا، "البداية كانت في أضنة. لكن صعوبة الحياة وانعدام فرص العمل أجبراني على الذهاب إلى إسطنبول، حيث مكثت بضعة أشهر دون أن أتمكن من الحصول على عمل. لذا ارتأيت العودة إلى أهلي في لبنان ريثما أجد حلا آخر".

"ممنوع من دخول لبنان ورؤية أهلي"

"اشتريت بطاقة على إحدى البواخر السياحية من تركيا إلى لبنان. عندما وصلت الباخرة إلى ميناء طرابلس رفض الأمن اللبناني إدخالي، قالوا لي إن هناك قرار منع دخول إلى لبنان بحقي لمدة خمس سنوات. لم أتمالك نفسي، شريط من الذكريات وصور أمي وأبي سيطروا على أفكاري. لم أدرك ما يحصل لي إلا حين وجدت نفسي أقفز في الهواء، ركضت وقفزت عن الباخرة على رصيف الميناء، أردت الانتحار".

لم يمت محمد، الأمن اللبناني اعتقله وأودعه في غرفة على متن الباخرة التي أعادته إلى تركيا. "بسبب محاولة الانتحار، تعرض ظهري لإصابة شديدة. خضعت للعلاج في تركيا. بعد خروجي من المستشفى، تعرفت على عدد من الشبان السوريين في إسطنبول ساعدوني على إعادة اكتشاف المدينة".

الموافقة على لم الشمل

محمد مثلي جنسيا، الأمر الذي عرضه لمتاعب مضاعفة في تركيا، "أحد أصدقائي عرفني على جمعية تدعى آسام تعنى بشؤون اللاجئين المثليين. ساعدوني كثيرا في البداية. قلت لهم إن أهلي غادروا لبنان إلى كندا بعد أن حصلوا على موافقة على إعادة توطينهم هناك. الجمعية ساعدتني بتقديم طلب لم شمل مع أهلي في كندا. بعد سنتين، بحلول شتاء 2019، جاءتني الموافقة وخضعت للمقابلة في السفارة".

كانت تلك اللحظة التي اعتقد محمد خلالها أن القدر ابتسم له أخيرا، أحلام كثيرة عصفت برأسه. تخيل نفسه يعيش أخيرا بحرية تامة ويلتقي والديه بعد غياب خمس سنوات عنهم. "أمي وأبي كبيران في السن وهما بحاجة إلي في هذه الظروف، كل ما تخيلته هو أنني بجانبهما في كندا أساعدهما على تحمل مشقات الحياة هناك. ولكن رياح الواقع عصفت بأحلامي وأمنياتي عكس ما أردت لها أن تبحر".

كورونا بالمرصاد

كان من المفترض بمحمد أن يسافر إلى كندا بتاريخ 10 نيسان\أبريل الجاري، لكن مع إجراءات مكافحة وباء كورونا وإغلاق المطارات وتأجيل كافة ملفات إعادة التوطين، عاد محمد إلى المربع الأول ينتظر انفراجا يتيح له استكمال أحلامه.

"عدت إلى شقتي في إسطنبول. أنا حاليا في الحجر المنزلي الصحي، لا عمل ولا أي مصدر أتمكن من خلاله من تحصيل مورد مادي. أصرف من مدخراتي الشخصية التي باتت على وشك النفاذ. لا أعلم ماذا أفعل بعد نفاذ أموالي".

يرفض محمد الاستسلام للواقع، ويتشبث بأحلامه وأمنيته بالسفر إلى أهله قريبا، ففي النهاية "حتى ولو انتهى الحجر وعدت إلى حياتي الطبيعية، أنا معرض هنا للضرب والإهانة اليومية وربما الاعتقال فقط لأنني مثلي جنسيا. لن أتخلى عن حلمي بالوصول إلى والديّ فأحضنهما بعد غياب خمس سنوات".

ويختم محمد شهادته قائلا "بعد صبر وعذاب وظلم، انفتحت لي نافذة أمل ليعود كورونا ويغلقها. ماذا فعلت لأستحق هذا المصير؟".  

 

للمزيد