معتصم الرفاعي
معتصم الرفاعي

قدم معتصم إلى ألمانيا محملاً بالأحلام والآمال، ولكن واجهته صعوبات في البداية، إلا أنه قابلها بسيف التطوع، فكيف ساهم العمل التطوعي بتحقيق مبتغاه ليصبح أول متدرب في مجلس مدينة نورنبيرغ؟

"لم تكن ألمانيا كما توقعت، أصبت بالصدمة بداية"، هكذا كانت ردة فعل الشاب معتصم الرفاعي، 21 عاماً، حينما جاء إلى ألمانيا لاجئا عام 2016، ولكن لم تنفك  صدمة إلا بعد أن تمكن من تحقيق نجاح مميز في مدينة نورنبيرغ.

غربة في الأردن

لجأ معتصم إلى الأردن بعمر  الرابعة عشر عاما برفقة أخيه، وأقارب له، "تركنا عائلتي في سوريا، ولكنهم استطاعوا اللحاق بنا بعد 9 أشهر".

هذه الأشهر الأولى لم تكن سهلة، إذ بدت الفرص ضئيلة أمام معتصم، "لم أرغب حتى بالدراسة"، مدفوع بالقلق والخوف على أهله في درعا، كان يفضل التغيب عن المدرسة وقضاء الوقت وحيداً، "كنت أشعر كما لو أني فقدت مستقبلي".

بعد بضعة أشهر لحقت عائلة معتصم به، وانتقلوا إلى مدينة العقبة جنوب الأردن، في تلك الفترة استطاع أن يعمل في عدة وظائف، "عملت بالاستقبال في فندق سياحي، أدرت بعض المحلات التجارية، وتنقلت بين كثير من الأعمال"، بيد أن العمل في الأردن لم يكن مسموحاً للاجئين، وعليه فإن الكثير من العقبات ترتبت على هذه الوظائف غير القانونية، "كان أصحاب العمل يستغلون وضعي، كنت أعمل لساعات طويلة، ودون عطل حتى في العيد".

مرت السنوات الأربع في الأردن ببطء، وخلالها كان يراقب والد معتصم طفله البكر، متأملاً أن يخلق فرصاً جديدة من أجل طفله، "لقد صعبت على والدي، كان يراني يوميا أهدر مستقبلي بوظائف لن تبني لي حياة"، يصف معتصم تلك الفترة بأنها كانت بلا هدف، إذ يعيش المرء يومه بيوم، وهدفه توفير قوته فقط، دون خطط لبناء مستقبل أو تحقيق إنجاز.

"اقترحت على والدي أن ننتقل إلى أوروبا"، وبعد عدة أشهر من التخطيط والانتظار لعام كامل من أجل الحصول على جواز سفر، قام والد معتصم بالسفر إلى ألمانيا، ومن ثم تقدم بطلب لم شمل لعائلته.

"كنت أبلغ من العمر آنذاك 18 عاما، ما يعني أن طلب لم الشمل لا يشملني"، ولكن معتصم استطاع خلال أشهر قليلة أن يتعلم بضع الكلمات الألمانية لإقناع موظفي السفارة، وقام بتقديم طلب استرحام، "الموظفة قالت لي أن فرصي ضئيلة، ولكني كنت طموحاً، وربما هذا ما ساعدني على أن أكون جزءا من لم الشمل".

معتصم الرفاعي يتحدث خلال مؤتمر صحفي يتحدث عن المشاركة المجتمعية.

ألمانيا... بداية الحلم

البداية في ألمانيا كانت صادمة، الشعور بالوحدة والغربة ينمو يوماً بعد يوم، ويتسرب إلى قلب الشاب المتحمس، "لم تكن هذه توقعاتي لألمانيا، ولكني عرفت وقتها أن اللغة مفتاحي"، استطاع معتصم خلال فترة قصيرة أن يتعلم اللغة الألمانية ويتفوق على أقرانه، "لم أحتج إلى مترجمين في ألمانيا، كنت أعتمد على نفسي".

بعد أن أنهى دروس اللغة، عكف على هدفه الجديد وهو دخول فرع الثانوية العامة، "الكل أخبرني أن تحقيق هذا الهدف صعب جداً، إذ حتى الألمان لا يتوجهون لهذا الفرع"، إلا أنه تمكن من الحصول على مقعد له من خلال المثابرة والدراسة المكثفة، "كنت سعيداً لأني أثبت أن هذا الحلم ممكناً للاجئين، ولكني بعد فترة أحسست أن شغفي ليس هنا".

معتصم برفقة زملائه أثناء الترويج لجائزة المشاركة المجتمعية، التي فاز فيها لاحقاً.

التطوع سبيل النجاح والنجاة

تمكن معتصم خلال تلك الفترة من أن يكون وجهاً معروفا في عالم التطوع  والمشاركة المجتمعية والسياسة في مدينة نورنبيرغ، إذ فاز بجائزة المشاركة المجتمعية للشباب في المدينة، وترشح للجائزة على المستوى الاتحادي في ألمانيا، وكذلك ترشح لمنصب السفير في ذات المنصة.

لم تكن هذه إنجازاته الوحيدة، فقد أصبح ممثلا عن مدينة نورنبرغ في البرنامج الأوروبي فاليوز، وعيّن كعضو بلجنة الشباب في البرنامج الحكومي الفيدرالي "الحياة الديموقراطية"، وعضو بمجموعة التنسيق المعنية بسوريا في العفو الدولية،  واستطاع مع مجموعة من أصدقائه تنظيم مهرجان ثقافي ودولي في مدينة نورنبيرغ بحضور أكثر من 100 فنان وفنانة، "للعمل التطوعي فضل كبير، هو أكثر رسالة إنسانية تنشر الحب حول العالم والسلام داخل المجتمعات".

هذه النجاحات مكنت معتصم من إيجاد مكمن شغفه وهوايته، "أنا أحب الاختلاط مع الناس، هذا ما اكتشفته عن نفسي"، ومدفوعاً برغبة الإنجاز تخلى عن الثانوية العامة، وقرر أن يدرس في فرع التدريب المهني.

"تمنيت أن أدرس في مجال إدارة الفعاليات والمشاريع مع مجلس المدينة، ولكن المنافسة كانت صعبة جدا"، إذ أن 300 شخصاً تقدموا لهذا المقعد، ولهذا فإن خطوته القادمة تركزت في أن يزيد من احتمالية اختياره، فقرر التطوع في العمل المدني داخل المجلس، "هذه الخطوة رفعت من فرصي، واستطعت بذلك الحصول على المقعد".

يرى معتصم أن العمل التطوعي يقدم فرصاً كبيرة في ألمانيا ويفتح أبواب النجاح أمام صاحبه، "في سوريا كان العمل المدني والهيئات المحلية تُحارب من النظام السوري، نحن هنا لدينا فرصة أن نحقق أمورا لم نكن نستطيع تحقيقها قبلاً".

 

 

 


 

للمزيد