أرشيف
أرشيف

في ظل الحجر الصحي، يعاني الكثير من المهاجرين من القلق الشديد وأعراض ما بعض الصدمة بسبب الحروب التي عاشوها في بلادهم. فما أهم هذه الأعراض؟ وكيف يمكن مواجهتها؟ ومتى يجب طلب مساعدة المختصين؟

ينحدر معظم المهاجرين من بلدان عانت وتعاني من الحروب والأزمات المتلاحقة، كفلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها. حروب تركت آثارها على كل من عاشها، بعضهم قد أصيب جسديا بالفعل أثناء القصف والقنص، وبعضهم الآخر فقد أحباءه، بينما تعيش البقية في صراع مع ذاتها لطي صفحة الحرب المظلمة، وبدء حياة جديدة في المهجر.

وما أن ينجو المهاجر بحياته ويصل إلى بر الأمان، يبدأ باسترجاع ذكرياته وما عاشه تحت القصف والدمار والحصار، الذي قد يستمر إلى أشهر طويلة في بعض الأحيان. 

وفي أيامنا هذه، وبفعل الحجر الصحي المفروض في أغلب بلدان العالم بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، يجد الكثير من المهاجرين أنفسهم مجبرين على مواجهة مخاوفهم وذكرياتهم، فيقعون ضحية القلق الشديد (Anxiety) وأعراض ما بعد الصدمة (Post Traumatic Stress). 

فما هي الأعراض النفسية التي قد يعاني منها المهاجرون الناجون من الحروب تحت الحجر الصحي؟ وكيف يمكن مواجهتها؟ ومتى يجب على المهاجر طلب المساعدة من مختص نفسي؟ 

 للمزيد>>>> طبيب نفسي: معظم المهاجرين يمرون بحالات من "تأنيب الضمير" بعد وصولهم لبر الأمان

"أستعين بالأدوية المنومة... الكوابيس تلاحقني"

تقول ولاء* وهي لاجئة فلسطينية في بلجيكا، إنها بدأت بالاعتماد على أدوية منومة منذ بداية أزمة كورونا. وتشرح "لا أستطيع الجزم بأنني شفيت قط مما عشته في غزة تحت القصف والحصار. لكن حالتي بدأت بالتدهور منذ بداية الحجر الصحي. لا أنفك أفكر بوالدي وأشقائي، وتلاحقني الكوابيس السيئة طوال الوقت". 

وأضافت "اعتدنا أن نخاف على أحبائنا من القنابل والرصاص، والآن نخاف عليهم من فيروس لا نراه، يستطيع أن يتمكن من أجسادهم ببطء. أنا أعيش لوحدي، وتغزو هذه الأفكار رأسي طوال الوقت". 

وأشارت ولاء إلى أنها تستعين بنصائح طبيب نفسي لتوجيهها ومساعدتها، "فالحياة هنا سريعة ومعقدة، ولن أستطيع إنجاز أي شيء من دون الحصول على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي". 

أما ريم* وهي فلسطينية حاصلة على وثيقة "بلا وطن" في فرنسا، فتحاول تجاوز هذه المخاوف بالتحدث مع أهلها لساعات طويلة عبر تطبيقات التواصل. وتقول "لا يمكن مقارنة الوضع الحالي بالحرب. لكني لا أنكر أنني أصاب بنوبات من الهلع عند سماع أصوات سيارات الإسعاف، أو عندما أتابع ازدياد أعداد الضحايا". وتضيف "لقد عشنا أسابيعاً طويلة من حياتنا عالقين في دوامة الفقد هذه، فالرعب المتواصل من فقد أحد الأحبة كفيل بإصابتنا بالعجز التام. أنا تحت الحجر المنزلي في باريس، لكن أبي في غزة اقترب عمره من الـ70 عاماً، ويعاني من أمراض مزمنة. لا أستطيع التفكير في مصيره لو تفشى الفيروس هناك، خاصة في ظل الوضع الصحي المتردي". 

وحتى كتابة هذا التقرير، أعلنت السلطات الفلسطينية في غزة عن إصابة 15 شخصا بفيروس كورونا المستجد، جميعهم تحت العزل الصحي. 

وتتفق الشابتان على أن الشعور بالوحدة هو أكثر ما يسبب لهما قلقاً وتوتراً متواصلين. وتقول ريم "في الحروب، كنت بجانب عائلتي، وكنا نشعر بالأمان لمجرد تواجدنا مع بعضنا البعض. لكننا الآن نعيش في حالة من القلق المتبادل، أخاف أن أفقدهم وأنا وحدي، ويخافون علي في غربتي. ولم يبق لنا سوى تطبيقات التواصل لنحاول طمأنة بعضنا البعض". 

للمزيد >>>> بين القلق والشعور بالمسؤولية.. مهاجرون يستمرون بممارسة عملهم رغم الحجر الصحي


أستيقظ في الليل معتقداً أنني في حمص

محمود*، مهاجر سوري يقيم اليوم في لوكسمبورغ، عاش في مدينة حمص بين عامي 2012 و2016، في الفترة التي كانت تعاني فيها المدينة من حصار وقصف متواصل امتد إلى عدة سنوات. 

يقول محمود "تركت أسرتي في دمشق في نهاية عام 2012 حتى لا ألتحق بالجيش، وتوجهت إلى حمص. عشت هناك قرابة الأربعة الأعوام". ويشرح محمود طبيعة ما عاشه في حمص، قائلاً "كانت حرباً مدمرة على جميع الأصعدة، مادياً ونفسياً. كنا ما أن نسمع صوت طائرات النظام السوري، حتى نختبئ جميعاً في منازلنا، ولم يكن أمامنا سوى الانتظار"، وأردف "مع كل صوت انفجار كنت أتساءل عن الضحية، هل أعرفه؟ هل رأيته في الطريق قبل قليل؟ هل سأكون أنا الضحية التالية؟". 

ووفقاً لمحمود، الحرب النفسية التي خاضها النظام السوري عليهم كانت أشد تأثيراً، يقول "كنا نعيش من دون كهرباء لأشهر طويلة، وبدون طعام جيد، وتحت خطر الموت في أي لحظة. كنا نتجنب القذائف ليس خوفاً من الموت، بل خوفاً من الإصابة بإعاقة أو شلل. لقد جعلونا نتمنى الموت". 

وصل محمود إلى لوكسمبورغ في 2018، والآن يعيش تحت الحجر الصحي في شقة استأجرها. ويقول "أستيقظ في الليل معتقداً أنني في حمص. لقد كنت وحيداً تحت القصف، والآن أنا وحيد بسبب خطر آخر. أيعقل أن أهرب من الحرب، لأجد نفسي تحت تهديد آخر؟". 

كيف يمكن للمهاجرين مواجهة هذه الأعراض؟ 

يقول الدكتور نظير حمد، وهو طبيب نفسي مقيم في باريس وصاحب كتاب "Psychologie de l'Immigration" الصادر باللغة الفرنسية حول الحالة النفسية للمهاجرين، إن كثيراً من المهاجرين يتواصلون معه لمعاناتهم من أعراض "القلق الشديد Anxiety وأعراض ما بعد الصدمة Post Traumatic Stress". ويشرح "في دراسة أجريت على الناجين بعد الحرب العالمية الثانية، وجد أن الحالة النفسية للناجين الذين لم يصابوا بأي إصابة مباشرة أثناء الحرب أسوأ من أولئك الذين تعرضوا إلى إصابات مباشرة. لذا، كثير من المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا بسلام، يعانون من أعراض نفسية تختلف حدتها من شخص إلى آخر". 

ووفقاً للدكتور حمد، يصل بعض المهاجرين إلى اعتقادات خطيرة، حيث يعتقدون بأن "القدر يلاحقهم"، وأن "كل ما يعانوه الآن، هو امتداد لقدرهم السيء"، كما ويظنون بأنهم "لن ينعموا بحياة آمنة قط". ومن وجهة نظر الدكتور، الحل الأمثل لمواجهة هذه الأفكار يكمن "برؤيتها من الزاوية الواسعة، وليس الضيقة"، ويقول "هذه أزمة تواجه البشرية كلها، وليست ضد المهاجرين، وليست خاصة بالفلسطينيين أو السوريين أو غيرهم. البشرية جمعاء تواجه تحدياً خطيراً. هذه هي الزاوية التي يجب على المهاجرين الانطلاق منها عندما مواجهة قلقهم، وتجنب أي إحساس بأن الأزمة الحالية تؤذيهم شخصياً".

وينصح الدكتور حمد كل شخص يعاني من أعراض خطيرة بضرورة طلب المساعدة من الخبراء النفسيين. ويشرح "الهلع الشديد وعدم السيطرة على النفس، والشعور بالغضب الشديد وارتكاب عنف منزلي، والتوتر الذي قد يصل إلى اضطراب بالتنفس، كلها أعراض تستوجب تدخل طبيب نفسي لمساعدة المريض". 

وفيما يتعلق بأخذ مهدئات وأدوية منومة، علق الدكتور حمد "الوصول إلى هذه المرحلة يعني أن المريض يعاني من أزمات متراكمة، لا تقتصر فقط على آثار الحجر الصحي. لذا يجب التوجه إلى طبيب أو خبير نفسي". 

وختم الدكتور حمد حديثه بنصيحة المهاجرين بضرورة الحفاظ على الاتصال مع أشخاص آخرين، حتى ولو اقتصر الأمر على وسائل الاتصال عبر الإنترنت، مشيراً إلى أن الوضع الحالي يمثل فرصة لتقوية علاقاتنا الإنسانية ببعضنا البعض. 

وأشارت العديد من التقارير إلى بعض النصائح والتعليمات لتجنب ومواجهة أي اضطرابات نفسية خلال الحجر الصحي، كتنظيم الوقت وممارسة الرياضة. 

جهات اتصال مهمة في فرنسا: 
في حالة التعرض للخطر العام، الاتصال على رقم 17
في حالة العنف ضد الأطفال، الاتصال على رقم 119، أو عبر هذا الرابط
في حالة العنف المنزلي، الاتصال على رقم 3919، أو عبر هذا الرابط
المنصة الوطنية للعلاج النفسي، حيث يوجد أطباء نفسيون لتقديم الاستشارة والمساعدة. الرقم المجاني 0800730958


*تم استخدام أسماء مستعارة حفاظا على خصوصية الأشخاص
 

للمزيد