وفقاً لأطباء بلا حدود، نحو ٥٠ مهاجراً عازباً يعيشون دون مأوى أو في مساكن متهالكة شمال باريس. صورة توضيحية. المصدر / ج.برادلي
وفقاً لأطباء بلا حدود، نحو ٥٠ مهاجراً عازباً يعيشون دون مأوى أو في مساكن متهالكة شمال باريس. صورة توضيحية. المصدر / ج.برادلي

التزاماً بالحجر الصحي، أوقفت عدة جمعيات خدماتها المتعلقة بإنزال مهاجرين في بيوت عائلات أو أشخاص فرنسيين "مساكن التضامن"، مما أدى إلى زيادة المهاجرين المتواجدين في الفنادق وأولئك الذين يعيشون دون مأوى. وفي الوقت ذاته، توقف برنامج "طوارئ مساكن التضامن" الذي كان يعمل ليلاً، بشكل كامل.

أثر الحجر الصحي المفروض في فرنسا منذ 17 آذار/مارس الماضي على كثير من المهاجرين الذين يعيشون في منازل عائلات وأفراد فرنسيين، أو ما يسمي ب"مساكن التضامن". 

فعلى سبيل المثال، كان هناك قاصرة مالية، 16 عاماً، تتنقل بين منزلي شخصين فرنسيين في باريس ومقاطعة إيفلين، واستفادت من هذا البرنامج لأكثر من ثلاثة أشهر، لكن وبسبب الجائحة، لما يعد في استطاعتهما استقبالها. 

تشرح أديل بونسي، إحدى المسؤولات عن برنامج مساكن التضامن في جمعية يوتيوبا 56، وتقول "الشخص الذي يعيش في باريس يعمل كطبيب، لذا فضلنا ألا تحتك الفتاة به لأسباب صحية. أما الآخر، فكان لديه حالة عائلية طارئة، متعلقة بالإصابة بكوفيد-19". 

أما الفتاة المالية، والتي تنتظر قرار المحكمة بخصوص تحديد عمرها والذي سيسمح لها على إثره بالاستفادة من الخدمات الاجتماعية للأطفال (ASE)، فانتقلت لتعيش بشكل مؤقت في شقة إحدى متطوعات جمعية يوتوبيا 56، والتي بدورها انتقلت لتبقى مع والديها تحت الحجر الصحي. وللأسبوع الثاني على التوالي تعيش الفتاة في شقة المتطوعة على أمل أن تعود إلى "مسكن التضامن" في إيفلين.

وتعتبر هذه الفتاة واحدة من بين خمسة مهاجرين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاما، ويعيشون في نفس الوضع القانوني، والذين حالفهم الحظ للاستفادة برنامج "أكويون" من يوتوبيا 56، الذي سمح لهم بإيجاد سكن في منطقة إيل دو فرونس، قبل ظهور جائحة الفيروس التاجي.

وفي ظل الإجراءات الصحية المفروضة في البلاد، يجد المهاجرون المعتمدون على "مساكن التضامن" أنفسهم مجبرين على الصبر وتحمل الظروف غير المستقرة. 

 للمزيد >>>> باريس: المحكمة الإدارية تأمر باستئناف استقبال طلبات اللجوء

"علقنا كل أنشطتنا" 

ويوفر برنامج "أكويون" الذي تديره جمعية يوتوبيا 56 بالشراكة مع أطباء بلا حدود، فرصة الإقامة في شقق وغرف وفي منازل، وعادة ما يسمح للشخص بالبقاء فيها لعدة أشهر. 

ومن جانبها، أكدت أديل بونسي على تعليق كل أنشطة البرنامج. وأضافت "لا نستطيع أن نرسل أحد إلى عائلة دون أن نتأكد من عدم إصابة أي طرف بالفيروس". 

وينطبق الحال في هذا البرنامج مع جمعيتي سانغا وسولينوم، وبرنامجيهما "جاكوي" و"ميرسي بور لانفيت". وكانت الجمعيتان قد قررتا الحفاظ على الوضع كما هو، دون تنفيذ أي عمليات إسكان جديدة. 

ومنذ بداية الأزمة الحالية، تم تعليق عمليتي إسكان في اللحظة الأخيرة من قبل يوتوبيا 56، في شمال فرنسا. حيث كان من المفترض أن يستفيد مهاجران من برنامج "أكويون" ولكن انتهى بهما المطاف في فندق باسيريل في نويلي بليسونس، والذي تديره أطباء بلا حدود، ويعتبر أقل راحة من الإقامة عند عائلة أو شخص فرنسي.

برنامج "طوارئ مساكن التضامن" متوقف تماماً عن العمل

وتنفذ جمعية يوتوبيا 56 برنامج تسميه "طوارئ مساكن التضامن"، حيث يتمكن المهاجر من النوم لليلة أو ليلتين في بيت شخص فرنسي. وفي عام 2019، في منطقة باريس وضواحيها فقط، استفاد 3795 شخص من هذا البرنامج، وكان من بينهم عائلات وأزواج ونساء عزباوات، و1700 طفل.

وقبل إعلان الحجر الصحي في فرنسا، كان يستفيد من 50 إلى 70 شخصا من هذا البرنامج يومياً، لكنه متوقف تماماً عن العمل الآن.

وتشرح هيلينا تادروس، المسؤولة عن برنامج "طوارئ مساكن التضامن" في الجمعية، قائلة "لقد أوقفنا أنشطة البرنامج قبل إعلان الحجر الصحي. ليلة الجمعة 13 آذار مارس كانت آخر ليلة عملنا فيها في برنامجنا". وتضيف "كان هناك مخاطرة كبيرة بسبب تفشي الفيروس، وكثير من المضيفين كانوا قد غادروا باريس بالفعل".

وتضيف تادروس "الاحتياجات تناقصت كثيراً بسبب إغلاق الحدود وصعوبة وصول المهاجرين إلى باريس. كما أن الأزمة الصحية الراهنة ألزمت أجهزة الدولة بالقيام بدورها تجاه المهاجرين المتأثرين من الوضع الحالي".

أما المهاجرين الذين لا يزالون بلا مأوى، فقد فتحت مؤسستان خاصتان أبوابهما بشكل استثنائي لهم، وهي أبرشية أوبرفيلييه، ومكاتب عمل فارغة في الدائرة 11 من باريس. ويتم استقبال 18 شخصاً، من بينهم ثلاثة قاصرين، في هذين المكانين.

للمزيد >>>> باريس: الجمعيات الفرنسية تنتقد تعليق أعمال المنصة الهاتفية لطلب اللجوء

"مصير كل شاب معلق بمصير مهاجر آخر" 

ولكن في شمال باريس، ينام حوالي 50 شابا عازباً في العراء، أو في أماكن إقامة غير منتظمة، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود. حيث ينامون أحياناً في شقق مكتظة بالأشخاص، ويكون المكان الوحيد الفارغ إما المطبخ أو الممر. وتندرج أسماء 30 مهاجراً من هؤلاء ال50 في قائمة انتظار، على أمل إيجاد مسكن أو مأوى. 

تتيح هذه القائمة للمهاجرين فرصة الوصول إلى مسكن في حال توافره. مثل منزل يتسع لثمانية أشخاص موجود في إبيني سور سين، وفندق باسيريل الذي يستوعب 30 شخصاً، وفنادق الطوارئ. وفي كل الأحوال، يبقى "المسكن التضامني" مع شخص أو عائلة الخيار الأفضل والأكثر ديمومة.

كل شاب يمر بدوره عبر هذه الأماكن حسب توافرها، باستثناء أولئك الذين يتم الاعتراف بأنهم قاصرون، حيث يتم الاعتناء بهم من قبل الرعاية الاجتماعية للأطفال (ASE). 

لذا مصائر هؤلاء الشبان متعلقة ببعضهم البعض، فالذي ينام في العراء اليوم، من الممكن أن يأخذ مكان مهاجر آخر كان ينام في فندق أو عند عائلة أو شخص فرنسي، ووجد بديلاً أفضل. 

وتشرح أديل بونسي من جمعية يوتوبيا 56، قائلة "كل شيء منظم وفق مراحل متتابعة، ونمضي في ترتيب زمني ونظام وضعناه لأنفسنا. نحن لا ننقل الشاب مباشرة من الحياة في الشارع لعدة أشهر إلى الحياة مع أسرة. هذا صعب من الناحية النفسية. لذا نحن نجعلهم أولاً يعيشون لبضعة أشهر في الفندق حيث يشرف عليهم أطباء نفسيون ومعلمون ومحامي. هناك يتعافون نفسياً نوعاً ما. وعندما يصلون إلى مسكن التضامن، يمكنهم تطوير العلاقات مع الأسرة أو حتى بدء عملية التعليم بانتظام". 

اليوم، وبسبب الحجر الصحي وبطء الإجراءات البيروقراطية في فرنسا، باتت عملية إصدار الأحكام القضائية بحق هؤلاء الشبان بطيئة جداً، مما يشكل عائقاً في وجه انتقالهم من مرحلة إلى أخرى في طريقهم نحو استكمال إجراءاتهم واندماجهم بشكل كامل. 

وتشير أديل بونسي "لا نستطيع الآن جلب شاب بلا مأوى إلى فندق باسيريل مثلاً. كل سلسلة الإجراءات معلقة". 

 

للمزيد