ماياز تأمل أن تعمل في مجال زراعة الزهور في المستقبل.
ماياز تأمل أن تعمل في مجال زراعة الزهور في المستقبل.

بائعة زهور ألمانية في بلدة فورث الصغيرة بدأت حملة لمحاولة إيقاف ترحيل فتاة سورية متدربة لديها. الفتاة السورية وصلت مع أهلها إلى ألمانيا والسلطات الألمانية تريد إعادة العائلة إلى إسبانيا وفق اتفاقية دبلن.

 "الكثير منكم يعرف فتاتنا السورية المتدربة مياس"، هكذا يبدأ منشور على فيسبوك لصاحبة محل لبيع الزهورمانو غروسي، بعد أن تهافت إلى سمعها طلب السلطات الألمانية من عائلة متدربتها المفضلة الانتقال من منزلهم، إلى مكان يبعد عنه 30 كم.

حاولت مانو من خلال المنشور أن تدافع عن العائلة أمام ما يواجهونه، مضيفة لمهاجر نيوز: "عندما فقدوا منزلهم، قررت تصعيد الحملة"، وكانت السلطات طلبت من العائلة مغادرة سكنها من أجل عزل طالبي اللجوء المصابين بفيروس كورونا فيه.

التقت مانو بمياس، ابنة الـ16 ربيعا، لأول مرة في الصيف الماضي، وفورا شعرت أنها أمام موهبة مميزة في تنسيق الزهور، "إنها مبدعة للغاية، مع الأزهار الأمر يشبه الغناء، إما أن تمتلك الموهبة أو لا"، وتضيف مانو إلى أن صداقة فريدة نمت بينها وبين متدربتها.

ماياز في صورة مع مانو.

من التشرذم في الغربة إلى زراعة الزهور في ألمانيا

زراعة الزهور في ألمانيا سبقته سنوات من المعاناة والتشتت، فقد غادرت مياس وأخواتها الثلاث وشقيقها سوريا مع والدهما عام 2011، كما تذكر في لقاء مع مهاجر نيوز، مضيفة إلى أن والدتهم قد تم اختطافها من النظام السوري كجزء من استراتيجية لبث الخوف في قلوب العائلات.

في نهاية المطاف، وصلت العائلة كلها إلى لبنان وبقيت هناك لمدة أربع سنوات، "لكن غلاء الحياة وصعوبة العيش في لبنان" كما تقول مياس لمهاجر نيوز، دفع العائلة للتواصل مع هيئة الأمم المتحدة من أجل مساعدتهم على الهجرة.  وحينما عرضت عليهم الأمم المتحدة مرورا آمناً إلى إسبانيا من خلال برنامجها لإعادة التوطين، وافقت العائلة على الفور.

استقطبت ألمانيا الكثير من طالبي اللجوء، بالتسهيلات والمساعدات المادية التي تقدمها. حتى أن بعضهم ترك دولا في الاتحاد الأوروبي تم إعادة توطينهم فيها وانتقلوا إلى ألمانيا.

بالنسبة لمياس وعائلتها فإن انطباعات  العيش في إسبانيا لم تكن إيجابية بالنسبة لهم، كما تخبرنا، إذ تتذكر مدى صعوبة "إيجاد" مدرسة تسمح لها بارتداء الحجاب، وفرض عليها البدء بالمناهج الإسبانية المدرسية دون أي إمكانية لدروس في اللغة. 

تقول مياس إن العائلة فضلت الانتقال إلى ألمانيا حيث لديهم معارف، بعكس إسبانيا، مشيرة إلى أنه في البداية كانت الأمور صعبة وليس أفضل مما كانت عليه، وتضيف إلى أنهم تنقلوا كثيرا حتى استقروا في قرية فورث الصغيرة في بافاريا السفلى.

تغيرت الأمور في فورث

بمجرد وصولهم إلى فورث تحسنت الأمور بالنسبة للعائلة، كما تذكر مياز، حيث انضمت مع إخوتها إلى المدرسة، وفي الصيف الماضي بدأت العمل لدى مانو لاكتساب الخبرة في مجال تصفيف الأزهار.

تعترف مانو، أنها كانت المرة الأولى التي التقت فيها لاجئا بشكل مباشر، وتقول بفخر: "أنا من عائلة نرفض فيها العنصرية بشكل قاطع".

ومنذ اللحظة التي اكتشفت فيها مانو موهبة مياس في زراعة الزهور، كانت حريصة على تشجيعها بكل طريقة ممكنة، ومع تزايد تواجدها في المتجر، كانت هناك خطط لإضفاء الطابع الرسمي على التدريب والبدء بتدريب مهني، توضح مانو: "من الصعب العثور على متدربين هذه الأيام فلم يعد الناس مهتمين بتعلم زراعة الزهور بعد الآن."
أدركت مانو لاحقا أن مياز ليس من المسموح لها البدء بالتدريب المهني في ألمانيا بسبب بصمة دبلن؛ والذي يعني إعادتها مع عائلتها إلى إسبانيا حيث يتمتعون بوضع حماية ثانوية، تقول مانو: "بمجرد أن حصلت على هذا الجواب، بدأت في البحث حول هذا الموضوع بشكل أعمق"، مضيفة إلى أن لائحة دبلن غير عادلة تماما، "لماذا نعيد عائلة لديها الوسائل لإعالة نفسها، ومضطرة للبدء من الصفر في بلد لم يكونوا سعداء فيه". 

حينما اكتشفت مانو موهبة ماياز في رعاية الأزهار، عرفت أنها أمام هبة فريدة.
"
يجب تغيير شيء ما"
تطالب مانو بالتغيير، مضيفة إلى أن العائلة "لم تكن قادرة على البدء بدورات اللغة هنا بسبب بصمة دبلن".

قامت مانو بتوكيل محامي ودفع تكاليفه، من أجل تحريك الحملة إلى الأمام، وتشرح مانو أن العائلة تعمل بجد، وعرضوا عليها العمل لديها مجانا، "هم يريدون القيام بشيء ما فقط"، وتسترسل قائلة إن العائلة لا تتحدث الألمانية بشكل جيد لأنهم منعوا من الوصول إلى دورات اللغة الألمانية.

أطلقت مانو عريضة، جمعت  فيها حتى الآن أكثر من 50000 توقيع. وتحاول جاهدة مساعدة الأسرة على البقاء في ألمانيا وبناء مستقبلها هنا.

التطلع إلى المستقبل
عندما سألنا مياس عن شكل مستقبلها، فقدت كلماتها، وقالت بصوت حزين " أنا حزينة جدا لمغادرة الحياة التي تعودت عليها في فورث، وفكرة العودة إلى إسبانيا ستكون مروعة: لجميع أفراد الأسرة".  
أما مانو فتأمل أن تتمكن من إيصال صوت مياس، تقول بحماس: "أملي الوحيد هو أنه من خلال نشر القصة علنا، فإن السلطات قد تغير رأيها"، مضيفة أنها فوجئت بالرد السلبي الذي تلقته حتى الآن من معظم المسؤولين الألمان الذين اتصلت بهم فيما تؤكد أن معظم المدينة تقف وراء مبادرتها تمامًا.
رائحة الياسمين
في الوقت الحالي، تعيش مياس وعائلتها على بعد 30 كيلومترًا من المكان الذي عرفوه، وترغب بشدة العودة إلى متجر الزهور، وترى أن العمل مع الزهور هو بالتأكيد ما تريد فعله في المستقبل إن تمكنت من البقاء في ألمانيا.
وعندما سُئلت عن زهورها المفضلة، أجابت بصوت مليء بالحنين "ياسمين الشام"، واستطردت بالقول فالياسمين يذكرني بأوقات سعيدة في سوريا مع جدتي".

 

للمزيد