عبد الرحيم يتحضر لمغادرة المنزل وسط احترازات صحية.
عبد الرحيم يتحضر لمغادرة المنزل وسط احترازات صحية.

لم تكن هذه التجربة التطوعية الأولى لعبد الرحيم الخطاب، فقد قام في بلده سوريا بتقديم المساعدة للعائلات والأطفال الفارين من القصف والغارات الجوية، وفي ألمانيا قرر أن يقدم يد المساعدة لأهل بيته الثاني في برلين، خاصة وسط أزمة كورونا، فكيف يمر يومه؟

يبدأ الصباح الدافئ مختلفاً هذا اليوم للشاب عبد الرحيم الخطاب، المقيم في العاصمة الألمانية برلين، فقد وصلته قصاصة ورقية في البريد مصحوبة برقم هاتف، وهذا يعني أن أحدهم يستغيث به طالبا المساعدة.

السوري عبد الرحيم، 30 عاما، أنشأ مع رفاقه حملة تطوعية لمساعدة المسنين وأصحاب المناعة الضعيفة في ظل جائحة كورونا، "علي الآن أن أهاتف صاحب الرقم ونتفق على موعد لتسليم الحاجيات لهم".

يحدد عبد الرحيم عبر الهاتف موعدا بعيد انتهائه من عمله في شركة المقاولات الخاصة به وبأخيه، وهذا يعني أن عليه ترتيب أولويات اليوم منذ البداية، "بعد الانتهاء من العمل، يجب أن أذهب إلى التسوق وأشتري الحاجيات المرفقة على القصاصة، ومن ثم توصيلها للعنوان"، يقبل طفليه مودعا، ويستهل اليوم منذ الشروق بعزم.  

رغم أن العمل في وظيفته متعبا، لاسيما في هذا اليوم الرمضاني، ولكن لازال عليه أن يذهب إلى السوق، فقائمة الطلبات طويلة نوعا ما، خبز وبعض اللحم والجبنة والخضروات.

"يجب أن أحافظ على معايير الأمان"، وبحركة متحمسة يرتدي القفازين والكمامة، ويعقم الأكياس، ويقود إلى منزل المسن الثمانيني، شوارع برلين أقل حركة مما كانت عليه قبيل أزمة كورونا، فيما يتجول البعض مرتديا الكمامات إثر الإعلان عن إلزامية ارتدائها في الأماكن والمواصلات العامة، "تبدو برلين مختلفة كثيرا".

يصل عبد الرحيم إلى منزل المسن، ويضع الأكياس على عتبة المنزل، ويطرق الجرس، وينسحب مبتعدا، فكل ما يراه هو ابتسامة شاكرة عبر زجاج النافذة، "نحن نعيش لأجل هذا، أنا سعيد لأني أرد الجميل للبلد الذي احتضنني".

هذه الرحلة التطوعية التي يقوم بها، تختلف من يوم لآخر، "في بعض الأيام لا أتلقى طلبات، فيما يتلقى زملائي العديد منها، والعكس صحيح".

وكما يبدو فإن هذا اليوم يحمل المزيد من الأعمال التطوعية، عدة رسائل عبر الفيسبوك وصلت المجموعة “Gemeinsam gegen den Virus” التي أنشأها عبد الرحيم مع كمال الطويل وأحمد حورية.

أحمد حورية إلى اليمين، وكمال الطويل إلى اليسار، يحملان الإعلانات التي علقوها على جدران مباني جيرانهم يعرضون فيها المساعدة لمن يحتاجها.
يتفقون فيما بينهم مع باقي المتطوعين على توزيع المهام، كمال سيتولى طلبية في وسط المدينة، وأحمد سيتولى طلبية في المنطقة الشمالية.

أما عبد الرحيم فيتطوع لإيصال طلب لامرأة مسنة في حي بعيد حول الأطراف الغربية لبرلين، رغم أنه يعيش في المنطقة الشرقية، فزميله المقيم في تلك المنطقة مسافر ولن يتمكن من تلبية النداء، "من الجيد أن لدي سيارة، هذا يسهل الأمر علي جدا".

عملية التسليم يجب أن تكون دقيقة، "نتعامل مع أنفسنا على أننا فيروس كورونا بحد ذاته"، فالهدف الأساسي هو عدم تعريض المسنين وأصحاب المناعة الضعيفة للفيروس، ولهذا فإن العملية كلها مدروسة بعناية وتتبع المعايير الصحية بحذافيرها.

تبدو المسنة ممتنة وهي تؤشر بيديها مودعة بعد أن انسلت عبر باب شقتها وأخذت المشتريات، "نحن لم نتعرض لأي موقف عنصري حتى الآن، ربما استطعنا أيضا أن نغير من نظرة بعض الأشخاص حول اللاجئين والمهاجرين بشكل إيجابي".

يرى عبد الرحيم أن دور ألمانيا في مساعدة اللاجئين السوريين في أزمتهم هو ما يدفعه بشكل أساسي للتطوع، "هذا العمل إنساني، ألمانيا وقفت إلى جانبنا وقدمت ما لم تقدمه الدول الأخرى".


ولهذا فإن عمله لا ينتهي حينما يوصل الطلبيات، بل يقرر اليوم أن يطبع المزيد من الإعلانات ويلصقها في البنايات المحيطة به، "وجدنا أن هذه الإعلانات هي الطريقة الأسهل لنصل لمن يحتاج إلى المساعدة، نحاول أن نضعها على جدران مباني الحي، لعل وعسى أن يكون هناك من يحتاج إلى مساعدة".

ولكن العمل التطوعي في بلده الثاني لم يكن جديدا بالنسبة له، ففي سوريا، وإبان بدايات الحرب الأهلية، كان يقدم المساعدة مع رفاقه لأبناء جلدته الفارين من المدفعيات والقصف الجوي، وتقديم الدعم المعنوي للأطفال والأسر التي تعرضت لصدمات وذعر.

ينتهي يوم عبد الرحيم آملا أن يكون هناك المزيد من الشباب المستعدين للعمل التطوعي، "التطوع واجب، تقديم يد المساعدة واجب وليس اختياري".




 

للمزيد