باريس فارغة بشكل شبه كامل بسبب الحجر الصحي. المصدر/ رويترز
باريس فارغة بشكل شبه كامل بسبب الحجر الصحي. المصدر/ رويترز

هند وعائلة أبو أزاد وتولاي ومجد، مهاجرون سوريون يقيمون في فرنسا وألمانيا، جميعهم تجاوزا سن الخمسين، سردوا لمهاجر نيوز كيف يقضون أوقاتهم في ظل الحجر الصحي وما إن كان لديهم خوف من الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

لم يتمكن الملل من هند فهي تعالجه قبل أن يبدأ بالانسلال إلى عقلها، السبب هو الخوف "أخافه، أخاف الاستسلام لما يدخلني في نوبات من الحزن واليأس"، لذا إن طرق الملل باب فكرها تستقبله بعبارة "إن وجعك راسك .. عزل بيتك".

هند المقيمة في ألمانيا، تتعايش مع الحجر بأسلوبها وإن ضاق عليها تبدده بأي نوع من الأعمال اليدوية والهوايات الجديدة والأفلام أو بالـ"نوستالجيا"، كانت فترة الحجر "ربما حافزاً لي ولبعض الأصدقاء من درعا، الذين شاركوا في الثورة السورية منذ انطلاقتها، أن نعود ونتذكر معاً تفاصيل كثيرة عن الحراك السلمي المدني هناك، وجمالية البدايات والمظاهرات السلمية التي طالبت بالتغيير وبسورية دولة ديمقراطية، ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي".

لم تعتد هند قبلاً البقاء في المنزل لوقت طويل. هي كثيرة التنقل بسبب نشاطها النسوي والسياسي، ومع ذلك، لم يمنعها البقاء في بقعة واحدة، بعيدة عن ابنتها التي تسكن في باريس، من ممارسة جزء من حياتها بشكل طبيعي، كالطقوس الصباحية والرياضة والتسوق، ولم يوقفها عن متابعة نشاطها، "مازال نشاطي في متابعة شؤون المعتقلين ومحاولات التواصل مع المفرج عنهم حديثاً مستمر، لا أزال أنشر أخبارهم على صفحات التواصل الاجتماعي"، وفي ظل الحجر لا تزال هند تحاول بث الأمل في قلوب المنتظرين بقلق حرية أبنائهم وعودتهم سالمين من المعتقلات، كما تقول.

"لن أترك العمل"

وفيما تمر على هند ذكريات تلامس قلبها من حين لآخر، تتذكر أم أزاد كيف كان الوضع قبل كورونا، تقول سابقاً كان الناس يحنون لأيام البيدر والحصاد عندما يسألهم أحدهم عن حياتهم السابقة، وينتهون إلى أن الأيام كانت جميلة في الماضي "أما اليوم حينما يسألني أحدهم، كيف كنت تعيشين؟ أجيب عن زمن كان، قبيل كورونا وكيف كنا فيما مضى، أي قبل الحجر".

أم أزاد لديها أربعة أولاد، وصلت وعائلتها إلى ألمانيا عام 2015، تكتب لابنها المقيم في باريس عما تفعله خلال الحجر"لحتى يرجع أبوك من الشغل بقضي وقتي عالتلفزيون والتلفون والفيسبوك. أتابع مسلسل باب الحارة، ومسلسل هندي، وأحضّر الشاي والزهورات وأسمع أغاني كردية وأتسلى بأكل البِزْر". تنهي رسالتها بالدعاء له والقول إن الشدة ستزول.

لم يحب زوجها البقاء في المنزل، قرر متابعة عمله حتى بعد انتشار فيروس كورونا المستجد، لأن الظروف تفرض عليه ذلك وراتب الدولة لا يكفي و"البقاء في البيت يسبب الملل ويضعف من مقاومة الجسم للأمراض". أبو أزاد تجاوز الستين، إن بقي في المنزل دون عمل ستصبح فرصة إيجاد عمل بعد كورونا ضئيلة، ففي منتصف شهر شباط/فبراير من العام الحالي خسر عمله "تم تسريح العمال المؤقتين وكنت من بينهم. وبعد تسريحنا من العمل بحثت حتى وجدت عملا جديدا في شركة أخرى ولن أتركه".

يعمل كل يوم على الرافعة، ينقل البضائع، بعد تغليفها، إلى سيارات الشحن، يعود إلى المنزل ويحاول أقصى جهده ألا ينتقل أي فيروس إلى هناك، يأكل ومن ثم ينام، فالعمل متعب ولكن في أيام العطل يستريح ويقرأ الكتب. تسعى أم ازاد  أيضا إلى حماية نفسها من الفيروسات عند عودته "وقت بيرجع زوجي عالبيت يغير ثيابه ويستحم، وبهالوقت أجهّز الأكل وبعدها هو ينام بالغرفة وأنا أنام بالصالون حتى أحمي حالي".

"محبة العائلة تجعل الصعب هيّن"

تولاي تحمي نفسها ما استطاعت وتأمل أن يحمي ابنها نفسه أيضاً، فهو طبيب لم يوقف عمله والضغط عليه كبير، تقلق.. ولكنها تقول هناك الكثير ممن يضطرون للعمل في هذه الظروف وتتمنى لهم جميعاً الصحة والسلامة. يسبب ذلك ضغطا عليها أحيانا ولكن دورها يكمن في امتصاص القلق والتحول إلى الضحك خاصة حينما تتواصل مع أبنائها، "بالنسبة للتواصل مع الأولاد أكيد عبر الهاتف متل الكل ولما بيزداد الشوق، منستخدم برنامج سكايب، أحدهم أطال ذقنه وآخر شارد بالكاميرا يفكر بشيء آخر، كلمة من هنا ومزحة من هناك ونطمئن بعض بأن يكون بكرا أفضل".

تولاي تعمل من المنزل ولم تتوقف عن ذلك حتى في ظل الحجر، تقول بات لديها وقت أكبر للقراءة والطبخ والرياضة "نمارس تمارين رياضية على التلفاز ونقلب الجلسة لرقص وضحك، على قدر الإمكان بحاول قلل الضغط عن عائلتي وأحيانا بحس حالي عم بلعب دور المهرج بس كل شي بحُب العائلة بهون".

"لا يوجد ملل"

مجد تتواصل مع عائلتها ولكن في أوقات محددة ضمن برنامجها اليومي، فبالنسبة لها الحجر فرصة لتعلم أشياء جديدة والتأكيد على عادات جيدة، تقيم حاليا مع أخيها وزوجته، تستيقظ صباحاً وتبدأ يومها بمشاهدة مسلسل فرنسي لتقوية لغتها، فهي تقيم في مدينة ليون الفرنسية. تستهل بعد ذلك أول تدريب رياضي، تتبعه بالتسوق فالطبخ ومن ثم لعب "البرجيس" (لعبة شعبية ذات أصول هندية معروفة في تراث بلاد الشام) ولعب الورق. وأما الشطرنج فمرحلتين، الأولى على شاشة الحاسب كتدريب، والثانية مبارزة مع أخيها "مافي ملل أبدا.. حتى التواصل صار أكبر.. زاد وقت القراءة والرياضة.. ومن قبل ما كنت ألعب شطرنج.. صار عندي برنامج كامل".

هي ومن تقيم معهم ملتزمون بالحجر وبالروح الإيجابية "الأمر يعود للطباع، القدرة على التكيف، وهاد نوع من أنواع الذكاء بعلم النفس، على مبدأ أين تكمن السعادة، هي ضمن التفكير نحن نصنع الملل والتكيف".

ولم تكتف مجد بترتيب وقتها في ظل كورونا، بل تخطط لمشاريعها بعد الحجر الصحي، فهي مشتركة في مجموعة تصنع أعمالا فنية يدوية، تنسق معهم لإقامة معرض خاص بعد كورونا.

وعند السؤال عن الخوف لم ينف المهاجرون الخمسة خوفهم بالعموم ولكن لم يبد أحدهم خوف يمنعه من العيش، فهم لا يقضون ساعاتهم في الخوف وإنما في ملء الوقت والتواصل والعمل.

 تشعر هند أن الالتزام بالقواعد الصحية والعادات الجيدة أمر يجب على الجميع فعله، وأما نشر المخاوف بأن كبار السن هم وحدهم المعرضون لفيروس كورونا فهو نوع من التمييز الاجتماعي الذي لا تدعمه على الإطلاق. "هذه المخاوف تنشر أفكار سلبية وتبث الرعب لدى كبار السن، وربما يستسلمون له وربما يكون لديهم رد فعل آخر".

 

للمزيد