مخيم شاتيلا جنوب بيروت. أرشيف
مخيم شاتيلا جنوب بيروت. أرشيف

منع ضابط من الأمن العام اللبناني لاجئا فلسطينيا من لبنان من الصعود على متن إحدى طائرات إجلاء اللبنانيين إلى بلدهم من دبي، بحجة أن الرحلة مخصصة فقط للمواطنين اللبنانيين دون سواهم. الأمن العام اللبناني أصدر تعميما بناء على قرار للحكومة اللبنانية، يحصر عمليات الإجلاء باللبنانيين فقط، الأمر الذي أثار زوبعة من الاستنكارات. حقوقيون وصفوا الخطوة بالتمييزية، متسائلين ما إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى لاستغلال جائحة كورونا لمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة للبنان؟

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان أمس، رسالة من شاب فلسطيني مقيم في دبي، كان في صدد الرجوع إلى لبنان على متن إحدى الطائرات المخصصة لإجلاء الراغبين بالعودة بسبب جائحة كورونا.

طارق أبو طه، 31 سنة، حائز على شهادة في الهندسة من إحدى الجامعات اللبنانية، قرر بعد طول انتظار وبحث في لبنان أن يجرب حظه في الخليج محاولا إيجاد فرصة عمل. سافر طارق وأخوه زياد مطلع العام الحالي إلى الإمارات العربية المتحدة للبحث عن وظيفة هناك. لكن تفشي الجائحة للكرة الأرضية ضرب مخططهما وحجرهما في منزلهما هناك.



"لم يعد بوسعي الاستمرار هنا، عليّ أن أعود إلى لبنان. أريد أن أرى زوجتي وابني"، يقول طارق لمهاجر نيوز. "تقدمت بطلب عودة عبر السفارة اللبنانية، ضمن الإجراءات المتبعة للعودة إلى لبنان في ظل ازمة كورونا. جاءتني الموافقة وكان من المقرر أن أرجع على طائرة ظهر أمس الأحد 3 أيار\مايو".


إحدى المضيفات سألت الضابط عن سبب منعه من الصعود فقال لها "هيدي للزعران (هذه الوثيقة خاصة بالخارجين عن القانون وكثيري المشاكل)"


اشترى طارق تذكرة السفر من شركة "طيران الشرق الأوسط" بمبلغ 750 دولار أمريكي وجهز نفسه معنويا ولوجيستيا تحضيرا للعودة إلى لبنان بالتاريخ المحدد. "وصلت إلى المطار واجتزت كافة الإجراءات الأمنية قبل الصعود إلى الطائرة، حيث حصل لي ما لم يكن في الحسبان".

وثسقة سفر طارق ويظهر عليها ختم الخروج من مطار دبي. الحقوق محفوظة
حسب طارق، أوقفه ضابطان من جهاز الأمن العام اللبناني كانا على متن الطائرة، ليسأله أحدهما عن طبيعة جواز السفر الذي يحمله (وثيقة سفر تصدرها السلطات اللبنانية للاجئين الفلسطينيين المقيمين على أراضيها). شرح طارق للضابط ماهية الوثيقة، متوقعا أن يعيدها إليه بعد قليل ليتمكن من الصعود إلى الطائرة. مرت ساعة من الزمن، وطارق لايزال خارج الطائرة، إحدى المضيفات سألت الضابط عن سبب منعه من الصعود فقال لها "هيدي للزعران (هذه الوثيقة خاصة بالخارجين عن القانون وكثيري المشاكل)".

الأمن العام يحقق مع الضابط المعني بالقضية

مصدر في الأمن العام اللبناني قال لمهاجر نيوز إن القرار"معني فقط بالمواطنين اللبنانيين، وفقا لقرار مجلس الوزراء. حسب معلوماتي، قد يصدر لاحقا قرار يسمح لغير اللبنانيين بالعودة إلى لبنان، ولكن في الوقت الحالي هذا غير متاح".

المصدر نفى أن يكون جهاز الأمن العام هو المسؤول عن القرار، أو أن يتحمل مسؤولية تعميمه، "تلك وظيفة الوزارات والإدارات الرسمية المعنية بالموضوع".

الأمن العام اللبناني نشر تغريدة على حسابه على موقع تويتر أعلن فيها أن كافة تعاميمه تصدر وفقا لقرارات مجلس الوزراء، "وتؤكد المديرية أنها باشرت التحقيق مع الضابط حول ما ورد من معلومات عن تعاطيه بطريقة غير لائقة مع الشخص صاحب العلاقة، ليصار إلى اتخاذ الإجراءات على ضوء نتيجة التحقيق".


الفلسطينيون مقيمون في لبنان منذ أكثر من 70 عاما، ولا مكان آخر لديهم ليذهبوا إليه، هم عمليا بحكم اللبنانيين في علاقتهم بالمكان


وكانت المديرية العامة للأمن العام اللبناني أصدرت تعميماً لطيران الشرق الأوسط (الرقم 5932/م) بتاريخ 30 نيسان يقضي بعدم السماح للأشخاص من التابعية الفلسطينية اللاجئين في لبنان (أي إن كان اللاجئ يحمل وثيقة سفر فلسطينية أو حتى جوازا من السلطة الفلسطينية) بالعودة إلى لبنان على متن طائرات إجلاء اللبنانيين من الخارج. ونصّ التعميم على "تعديل المقصود باللبنانيين العائدين إلى عائلة اللبناني (زوج، زوجة، أولاد) من دون السماح بمرافقة الخدم والأشخاص من التابعية الفلسطينية اللاجئة في لبنان".

نص قرار الأمن العام اللبناني المتعلق بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان. الحقوق محفوظة

"قرار جائر وتمييزي وغير منطقي"

مواقع إخبارية عدة تداولت بيانا صادرا عن الأمن العام اللبناني يفيد بالسماح فقط للمواطنين اللبنانيين بالاستفادة من رحلات الإعادة إلى لبنان، مستثنيا بذلك باقي الجنسيات من المقيمين على الأراضي اللبنانية، ومن بينهم اللاجئون الفلسطينيون.

ناشطون حقوقيون اعتبروا أن القرار بحد ذاته تمييزي، ويعزز التفرقة بين كافة الفئات المقيمة في لبنان. واستغرب الناشطون إصدار قرار مماثل دون تعميمه على المعنيين به.

عماد حطيط، الناشط الاجتماعي والمتخصص بشؤون اللاجئين قال لمهاجر نيوز إن "المستغرب هو عدم تعميم هذه القرارات على المعنيين، كي لا يتعرضوا لمواقف مماثلة". شري اعتبر أن القرار بحد ذاته "جائر وغير منطقي وتمييزي. الفلسطينيون مقيمون في لبنان منذ أكثر من 70 عاما، ولا مكان آخر لديهم ليذهبوا إليه، هم عمليا بحكم اللبنانيين في علاقتهم بالمكان".

وعاد الناشط الاجتماعي بالذاكرة إلى حقبة التسعينات، حين فُرض على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ضرورة الاستحصال على إذن بالسفر من لبنان وآخر للعودة إليه من الأمن العام، "هل نحن أمام حقبة جديدة من الممارسات التمييزية بحق الفلسطينيين؟ هل بدأ تطبيق إجراء أذونات الخروج والعودة بشكل غير معلن؟ وبالنسبة إلى الفلسطينيين العالقين في الخارج حاليا وهم على شفير فقدان إقاماتهم أو خسروا أعمالهم بسبب الوباء ويحتاجون العودة إلى عائلاتهم هنا، ما الحلول أمامهم؟ أسئلة كثيرة تبدأ بالتبادر إلى ذهني في الوقت الحالي ولكن من المبكر جدا إعطاء إجابات عنها أو اتخاذ مواقف منها".

تفاعل برلماني

تفاعل قضية أبو طه وصل إلى النائب في البرلمان اللبناني السيدة بولا يعقوبيان، التي استنكرت الحادثة بشدة، معربة عن استعدادها لمتابعة الموضوع مع الجهات المعنية.

لتعود وتنشر تغريدة أخرى تشكر فيها المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، الذي أكد متابعته الشخصية لهذا الموضوع، "وستكون هناك متابعة جدية للموضوع ونتيجة تحفظ كرامة الناس".

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني تستنكر

وأصدرت "لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني"  بيانا قالت فيه إنها تقوم بإجراء "الاتصالات اللازمة على أعلى المستويات، لتعديل القرار الصادر عن اللجنة الوطنية لإدارة الكوارث والأزمات، بمنع المقيمين الفلسطينيين المغتربين من العودة إلى لبنان ممن يحملون وثائق سفر صادرة عن السلطات اللبنانية المختصة".

ورأت اللجنة الحكومية أن "هذا الإجراء التمييزي الذي برز خلال الدفعة الثانية من طائرات العودة، يتناقض مع ما سبق في عملية الإجلاء الأولى، كذلك مع كل مسار العلاقات اللبنانية الفلسطينية التي نجهد دوما لوضعها في إطارها السياسي والاجتماعي والصحي السليم. كما أنه يتناقض مع أبسط القوانين والمواثيق الدولية والعربية المعمول بها في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم".

 

للمزيد