صخر إدريس أثناء عمله التطوعي في صنع الكمامات. الحقوق محفوظة
صخر إدريس أثناء عمله التطوعي في صنع الكمامات. الحقوق محفوظة

من عمله في الصحافة والإعلام إلى الخياطة وتفصيل الكمامات، استجاب الشاب صخر إدريس لجائحة كورونا بالتطوع في مجال آخر لم يكن يمتلك من مهاراته شيئا، وأضحى عمله اليومي على مدى الأسابيع الماضية صنع الكمامات. من سوريا إلى فرنسا، رأى صخر أهمية المشاركة اليوم في التصدي لأزمة تعيشها فرنسا جراء انتشار فيروس كورونا المستجد والعبء الاقتصادي الناجم عن إجراءات الحجر الصحي. مهاجر نيوز تحدث مع صخر حول تجربته الجديدة وعمله التطوعي في باريس.

في ظل الضخ الإعلامي حول خطر فيروس كورونا المستجد، وحالة التعطيل التي طالت المفاصل الخدمية في فرنسا، أحسست بنوع من الحاجة إلى العمل التطوعي.

توجهت بسؤالي حول مجالات التطوع المتاحة إلى بلدية باريس التي مدتني بقائمة تضم الجمعيات المحلية، فتواصلت مع بعضها، وطرحت السؤال لاحقا على المدرسة التي كنت أتعلم بها اللغة الفرنسية "Ecole FAIR"، كان هدفي توسيع رقعة الاتصال والبحث.

لا مجال للتهاون

وصلني أخيرا رد من المدرسة، سألتني المسؤولة "أتجيد الحياكة؟"، ضحك كلانا، قبل أن أجيبها "بالطبع لا"، وشرحت لي لاحقا أن لديهم نقص في الكوادر العاملة على تصنيع الكمامات وبإمكانهم تدريبي.

أخرج من منزلي حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحا، ولا يوجد أمامي خيار سوى المواصلات العامة، وأبدأ رحلتي بمترو الأنفاق الذي خلا تقريبا من الركاب نظرا للحجر الصحي المفروض.

ينتهي الدوام حوالي الساعة الخامسة مساء، بالنسبة لي، أعتبر يوم التطوع يوم عمل حقيقي، فلا مجال للتهاون. العمل التطوعي يتطلب مسؤولية أكبر.

بدأت أتعلم أولا ما نطلق عليه عملية "القص"، فنحرص على قص قطعا من القماش بقياسات محددة تتناسب مع تصميم الكمامة المعتمد.

وبعدها برزت حاجة لدى الفريق المسؤول عن الحياكة، فتعلمت كيفية خياطة قطع القماش لإغلاقها من الجوانب. تطورت مهاراتي، وتعلمت بعدها كيفية تثبيت المرابط المطاطية للكمامة، والتي تستخدم لتثبيتها على الوجه.

وهكذا إلى أن وصلت إلى المراحل الأخيرة لصنع الكمامة، وهي الكي والتعقيم.

معظم الفريق التطوعي من اللاجئين، وتوجد جنسيات مختلفة، فهناك أفغان ومصريون وأتراك، نعمل جميعا مع بعضنا.




كنت قد تواصلت أيضا مع جمعية "الإغاثة الكاثوليكية" التي تعمل على توزيع الأطعمة على المسنين والمحتاجين، لكنهم اشترطوا على أن يكون المتطوع مقيما داخل المنطقة الإدارية في باريس، لكنني أقيم حالياً في الضواحي الباريسية وبالتالي لم أستطع التطوع معهم.

مفهوم التطوع ليس جديدا بالنسبة لي، وضمن مجال عملي الأساسي في الصحافة، أنا متطوع مع العديد من الجهات التي تعمل على دعم وحماية الصحافيين، خاصة في مناطق النزاع.


العمل التطوعي في مجتمعاتنا يحمل شكلا مختلفا

الجهد المبذول في العمل التطوعي له خصوصيته، لأن الشخص لا ينتظر مقابلاً لقاء ما يقدمه، وذلك ما يزيد من قيمته المعنوية بالنسبة لي، لأنه يشعرني بالسلام الداخلي. وإضافة إلى ذلك، أعتبره كأحد وسائل التنمية للفرد.

أستطيع القول بأن العمل التطوعي يعطي صورة إيجابية عن اللاجئين الذين لم يختاروا ترك بلدهم والمجيء إلى أوروبا بناء على خيار شخصي، وإنما أجبروا على ذلك.

أنا كلاجئ سوري، لم أختر القدوم إلى فرنسا، بل جئت لأن البلد الذي كنت أقيم فيه تعرض لكارثة. وبالتالي، من المهم أن أشارك اليوم في مواجهة كارثة فيروس كورونا الحالية. 

العمل التطوعي في مجتمعاتنا موجود أساسا لكنه بهيئة مختلفة. مثلا عندما يواجه شخص مشكلة، فنرى من حوله يبادرون على الفور بتقديم المساعدة له، لكن تلك الحركات التطوعية ليست منظمة كما في المجتمعات الأوروبية، وذلك يعود إلى ضعف عمل مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا، فكل ذلك كان يتم بشكل عفوي بحت.

من خلال ملاحقة التطورات الأخيرة لما يجري ليس فقط في فرنسا وإنما في السويد وألمانيا ودول أخرى، أرى أن اللاجئين كان لهم دور إيجابي وأثبتوا أنهم شريحة لا يمكن الاستغناء عنها، الأمر الذي قد يؤدي لاحقا إلى تعزيز التماسك الاجتماعي واندماج اللاجئين في المجتمعات المضيفة، فهذه المبادرات هي ثمرة التعاون بين الطرفين، وهذا يساهم في مواجهة أصوات اليمين المتطرف.

 

للمزيد