علي*، لاجئ سوري مقيم في لوكسمبورغ.
علي*، لاجئ سوري مقيم في لوكسمبورغ.

علي*، 34 عاماً، لاجئ سوري في لوكسمبورغ، عاش في حمص خلال فترة الحصار والقصف، ومر برحلة هجرة طويلة للوصول إلى وجهته. والآن، يعيش تحت الحجر الصحي في منفاه، ويتذكر تفاصيل الحرب التي عاشها في سوريا. تواصل علي مع مهاجر نيوز، وروى قصته.

بدأت قصتي في عام 2012، عندما هربت من التجنيد الإجباري في دمشق، وذهبت لأعيش في حمص. عشت هناك قرابة الأربعة أعوام، كانت المدينة تقبع تحت حصار خانق، وقصف مستمر من النظام السوري. 

وفي نهاية 2016، خرجت من حمص إلى تركيا، وقررت الهجرة إلى لوكسمبورغ. خلال رحلتي، مررت باليونان وإيطاليا والنمسا وألمانيا وفرنسا، إلى أن وصلت إلى وجهتي.

أعيش الآن وحيداً في شقتي بسبب الحجر الصحي المفروض في البلاد. في ظل العزلة والوحدة، تنقض علي ذكريات الحرب الأليمة التي لم ولن أنساها قط. 

 للمزيد>>>>  "رحلتي كانت طويلة جداً.. وها أنا تحت الحجر الصحي"

تركت أهلي في دمشق.. لأجد نفسي تحت القصف في حمص

بعد أن أنهيت دراسة الحقوق، عملت مع والدي في التجارة، وكانت حياتي مستقرة، إلى أن اندلعت الثورة السورية، وبدأ التجنيد الإجباري يأخذ طابعاً تعسفياً وخطيراً. لذا قررت في 2012 ترك أهلي في دمشق، والذهاب إلى حمص.

وما أن وصلت إلى حمص، حتى وضعها النظام تحت حصار خانق، ناهيك عن القصف الجوي والمدفعي المتواصل. لم يكن أمامي أي خيار سوى قبول الواقع. تركت أهلي في دمشق لأبحث عن مكان آمن، فوجدت نفسي محاصر تحت القصف. 

سياسة حرب الأعصاب 

لا يوجد كلمات ممكن أن تصف الوضع في حمص أثناء الحصار. كنا نتعرض إلى قصف متواصل، وانقطاع في التيار الكهربائي لفترات طويلة، وشح في الغذاء والدواء. 

كان طعامنا الوحيد طوال أشهر طويلة عبارة عن برغل وعدس مسلوقين. 

بمجرد سماع صوت الطائرات، كنا نختبئ كل في منزله، وننتظر. ومع كل انفجار كنا نتساءل إن قتل شخص قد التقينا به، أو إن دمر مكان نعرفه. حتى أن في غارة من الغارات، تم قصف المنزل الذي كنت فيه، ونجوت بأعجوبة.

على مدار سنوات، فقدنا الكثير من الأصدقاء والأقارب، ناهيك عن معالم المدينة التي اختفت تماماً تحت القصف والتجويع. 

للمزيد >>>> من سوريا إلى فرنسا.. "تطوعت في صناعة الكمامات للمشاركة في مواجهة الجائحة"

الخروج من حمص 

في نهاية 2016، خرجت من حمص فيما يسمى "الحافلات الخضراء". وتم نقلنا إلى منطقة الريحانية على الحدود السورية التركية. أمضيت هناك شهرين ونصف، اتفقت خلالهم مع مهربين لإدخالي تركيا مقابل دفع ٣٠٠ دولار. 

أمضيت في تركيا قرابة العام، حاولت الاندماج والاستقرار والبحث عن عمل، لكنها كانت مهمة صعبة جداً، لذا قررت التوجه إلى أوروبا، وإلى لوكسمبورغ بالتحديد.

اخترت لوكسمبورغ لأن أعداد المهاجرين فيها ليست كبيرة، وموقف السلطات فيها ليس حاداً مع المهاجرين واللاجئين كبعض الدول التي تسيطر عليها أحزاب اليمين، ولأن مساحة الدولة صغيرة لكن لديها موارد اقتصادية جيدة. 


أتمنى أن ينتهي كل هذا قريباً، وأن أحظى أنا والملايين من اللاجئين، بالفرصة الكاملة لبدء حياة جديدة، بعيداً على كل ما عشناه من مآس
_ علي


الهجرة إلى أوروبا 

قام مهربون بإيصالي من تركيا إلى اليونان عبر بحر إيجة، أمضيت في ميناء ميتيليني قرابة الشهر والنصف قبل أن أتوجه إلى أثينا. 

هناك، قمت بالتواصل مع مهربين من أجل الحصول على جواز سفر شبيه، وبعد ثلاث محاولات، تمكنت من الوصول إلى روما، بعد أن دفعت للمهربين 3700 يورو. 

في روما، ألقي القبض علي في المطار، ثم أخلوا سبيلي، وانتقلت بالباصات لمدة ثلاثة أيام بين إيطاليا وسويسرا وفرنسا وألمانيا، إلى أن وصلت إلى وجهتي في شباط فبراير 2018.

الحجر الصحي 

حصلت على اللجوء في لوكسمبورغ بعد خمسة أشهر من وصولي إليها، وحتى الآن أعمل على إتقان اللغة، كما أنني استأجرت شقة صغيرة. لكن كل خططي تعطلت حالي كحال الناس بسبب جائحة كورونا.

حالة الوحدة والعزلة التي نعيشها في هذا الحجر الصحي تركتني وحيداً أمام كل ذكريات الحرب من جهة، واشتياقي لأهلي من جهة أخرى. هذه المرة الأولى منذ الحرب، التي أكون فيها مضطراً إلى البقاء لأيام وأسابيع لوحدي، لا أنكر أنني أعاني من آثار ما بعد الصدمة، والتي كنت أحاول جاهداً تجنبها طوال العامين الماضيين بإشغال نفسي بدروس اللغة الفرنسية والبحث عن شقة والبحث عن عمل، لكنني الآن مضطر إلى مواجهة كل هذه الأفكار. 

أحياناً أتذكر صوت القصف، أو مشاهد الضحايا والجرحى. أتذكر شعورنا ونحن مختبئين من القصف، ولا نعلم إن كانت القذيفة التالية ستستهدفنا أم لا. 

للمزيد>>>> مهاجرون تحت الحجر الصحي: ذكريات الحرب تلاحقنا

منذ قدومي إلى لوكسمبورغ، قررت أن أطوي صفحة الحرب، وأن أركز في مستقبلي وفي الاندماج في المجتمع هنا. وبالفعل، حققت تقدماً كبيراً في ذلك. لكن للأسف، الحجر الصحي الحالي، أعادني بضع خطوات إلى الخلف. 

أتمنى أن ينتهي كل هذا قريباً، وأن أحظى أنا والملايين من اللاجئين، بالفرصة الكاملة لبدء حياة جديدة، بعيداً على كل ما عشناه من مآس. 

 

للمزيد