تعيش مجموعة من المهاجرين في منزل في إيبيني سور سين شمال باريس. ويأملون بأن تعترف السلطات بهم ك"قاصرون". المصدر/مهاجر نيوز
تعيش مجموعة من المهاجرين في منزل في إيبيني سور سين شمال باريس. ويأملون بأن تعترف السلطات بهم ك"قاصرون". المصدر/مهاجر نيوز

في منزل صغير في إيبيني سور سين، في سان دوني شمال باريس، تعيش مجموعة من المهاجرين الشباب آملين أن تعترف الدولة بهم كقاصرين، ليبدؤوا بعد ذلك رحلة الاندماج في المجتمع. ويحاول هؤلاء الشبان القيام ببعض الأنشطة اليومية لمواجهة الملل والانتظار، بعد رحلة طويلة من الهجرة والحياة في الشارع دون مأوى.

يعيش سامبا، وهو مهاجر مالي، في منزل صغير في إيبيني سور سين في سان دوني شمال باريس، رفقة مهاجرين آخرين قادمين من مالي والسنغال وكوت ديفوار وغينيا. ويتبع هذا المنزل لمنظمة أطباء بلا حدود ويوتوبيا 56. 

يعتبر سامبا، والذي يقول إن عمره 15 عاماً، من المهاجرين المحظوظين إذا ما قورن بأقرانه في المنزل. فقد تمكن من التسجيل في برنامج (NSA) في كلية بوندي، وهي بلدة مجاورة، ويعتبر هذا البرنامج خاصاً بالطلاب الذين لم يسبق لهم الالتحاق بصفوف الدراسة. يعلق سامبا "أواظب على حل مسائل الرياضيات وأسئلة اللغة الفرنسية، لكن عن بعد" بسبب الجائحة والحجر الصحي، مشيراً إلى أنه يعتبر الالتحاق بالمدرسة "ضرورة". 

ويعيش سامبا ورفاقه في هذا المنزل على أمل اعتراف السلطات الفرنسية بهم ك"قاصرين"، ما سيخولهم تلقي الرعاية والمساعدات، وهو ما ترفضه السلطات حتى اللحظة. 

سامبا مهاجر مالي، يقول إن عمره 15 عاماً، وهو من القلائل المحظوظين الذين يلتحقون بدروس تعليمية. المصدر/مهاجر نيوز

وتقول فاني حداد، وهي موظفة في جمعية يوتوبيا 56 وتعيش معهم، إنهم "قدموا إحالات إلى القضاء للطعن في القرارات الصادرة في حقهم. لكن في فترة الحجر الصحي، تم تعليق كافة الجلسات". 

وتهتم حداد بالتسوق والاطمئنان على سلامة الأجواء داخل المنزل. 

وأثناء فترة الحجر الصحي، وضعت المحاكم في فرنسا تركيزها على القضايا "الأساسية"، وبالتالي تعليق النظر في ملفات هؤلاء المهاجرين. وبينما تتتم دراسة ملفاتهم، يضطر هؤلاء الشبان إلى البقاء لفترات أطول من المتوقع في هذا المنزل، فبدلاً من المكوث لفترة ثلاثة أسابيع أو شهر كما كان متوقعاً، لن يتفاجؤوا إذا استمرت فترة بقائهم إلى أكثر من ثلاثة أشهر.

"لا نفهم المصطلحات القانونية.. لكننا مصرون على متابعة إجراءات قضايانا" 

يعتبر هذا المنزل واحدا من حلول الإقامة المختلفة المتاحة للقاصرين غير المصحوبين بذويهم، بما في ذلك فندق باسيريل في نولي بليزونس، وفنادق الطوارئ وأماكن الإقامة التضامنية. خيارات من المفترض أن تخفف من معاناتهم أثناء الإجراءات المعقدة لقضاياهم ذات النتائج غير المضمونة في كثير من الأحيان.

ويعلق مودي ناكاتي، وهو من منطقة كايس في غرب مالي قائلا "لا أفهم ما يحدث، أنا قلق طوال الوقت من قرار القاضي".

وفي ظل الحجر الصحي وشهر رمضان، اعتاد هؤلاء القاصرون على أخد قيلولة في وسط النهار. وما أن يستيقظ ناكاتي من غفوته، حتى يرتدي بدلة الركض، ويبدأ بركل كرة قدم في حديقة صغيرة خلف المنزل. 

مودي ناكاتي، مهاجر مالي، التحق بهذا البرنامج قبل خمسة أشهر. المصدر/مهاجر نيوز

ويضيف "لقد انضممت إلى البرنامج قبل خمسة أشهر، وسيتخطى عمري ال18 عاماً في نهاية العام الجاري. لقد مررت بالكثير من التجارب الصعبة قبل وصولي إلى هنا. عائلتي فقيرة، ولم يكن لدينا طعام كاف، لذا سافرت إلى المغرب ومن ثم عبرت البحر المتوسط على متن قارب متهالك، وكان هدفي القدوم إلى فرنسا، البلد الرائع الذي لطالما سمعت عنه في مالي". 

عند وصوله إلى فرنسا، عاش ناكاتي لمدة أربعة أشهر في الشارع في منطقة روزا بارك شمال باريس، قبل أن تتولى الجمعيات مسؤولية رعايته. 

كل القاصرين الذين يقطنون في هذا المنزل مروا بتجربة عبور البحر والحياة في الشارع. لكن طبيعة مخاوفهم اختلفت عند الانتقال إلى الحياة في هذا المنزل، فبدلاً من القلق على إيجاد مكان للنوم أو توفير الطعام، باتوا قلقين على وضعهم القانوني وقضاياهم في المحاكم. 

يعترف باه ديمبا، وهو مهاجر مالي آخر، بأنه لا يعرف معنى أغلب المصطلحات القانونية التي يسمعها، ك"إحالة القضية" أو "الاستئناف" أو "المساعدة القانونية". لكنه يؤكد على أنه سيقدم ملفاً للمحكمة، حيث أنه لديه موعد في 30 أيار/مايو الجاري، معرباً عن قلقه من أنه لا يحمل شهادة ميلاد تثبت سنه. 

أما موري، وهو من ساحل العاج، فأعرب عن نفاذ صبره، على الرغم من مضي ثلاثة أيام فقط على قدومه إلى المنزل. يقول "لقد تقاسمت أنا وباه خيمة بالقرب من بورت دو لا فيليت خلال الشتاء. قضينا شهرين في البرد والمطر والرياح. لا نملك خياراً سوى الانتظار، وممكن أن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً". 

المشاركة في الأعمال المنزلية

في انتظار انتهاء الإجراءات الإدارية، والتي تشمل دراسة وثائق الحالة المدنية ومقابلة للتأكد من مسار الهجرة الخاص بالشخص المعني، وأحيانا فحص العظام، تم تنظيم الحياة في منزل إيبيني. 

يتم عرض جدول الوجبات على الثلاجة، وكل شخص يشارك في المطبخ وفي الأعمال المنزلية. وفي الليل، تتم الصلاة بشكل جماعي. أما خلال النهار، يحضر متطوعون إلى المنزل لإعطاء دروس اللغة الفرنسية إلى القاصرين، خاصة أولئك غير الملتحقين في المدرسة.

باه ديمبا، يعرب عن قلقه لأنه لا يحمل شهادة ميلاد تثبت سنه. المصدر/مهاجر نيوز

كما ويراقب الفريق الطبي التابع لمنظمة أطباء بلا حدود هؤلاء المهاجرين. يوضح جيل، وهو ممرض من المنظمة غير الحكومية، "عندما تكون قاصرا دون ممثل قانوني، قد يكون الحصول على الرعاية الصحية معقدا. فعلى سبيل المثال، إذا ما احتاج شاب إلى عملية جراحية ورفضت المستشفيات الاعتناء به، فإننا نتدخل ونضغط عليهم".

وأضافت فاني حداد "خلال فترة الحجر الصحي، كان هناك أيضا طبيب نفسي يأتي مرة واحدة في الأسبوع لأولئك الذين يحتاجون إلى التحدث". 

"أشعر بالحرية" 

حاولت فاني خلق بعض الأجواء في المنزل، فتقول بحماس "أحضرت غيتار أختي، وبعض ألعاب وكتب طفولتي، كما قمنا بتغطية مدخل المنزل ببعض الرسومات". 

بعض الرسومات التي تم وضعها في مدخل المنزل، والتي رسمها المهاجرون أنفسهم. المصدر/مهاجر نيوز

من جانبهم، عبر القاصرون عن تقديرهم لمبادرات فاني. يقول باه ديمبا "أشعر بالحرية هنا. في بداية الحجر الصحي، وضعتني منظمة أطباء بلا حدود في فندق في بورت دو لا شابيل، لم أكن أعرف ماذا أفعل هناك، وشعرت بأنني مقيد. أما هنا، المكان مليء بالألوان، والأشخاص لطفاء، ولدينا حديقة صغيرة، وأنام جيداً في الليل. بالتأكيد لا زلت أشعر بالقلق، لكنه يتناقص تدريجياً". 

أما براهيما، وهو مهاجر مالي أيضاً، فقال بينما كان يستمتع ببعض الشمس في حديقة المنزل "نحن نتفاهم جيداً فيما بيننا". 

بالنسبة لهؤلاء الشبان، هذا المنزل ليس إلا مرحلة انتقالية، خاصة وأن حياتهم من الممكن أن تنقلب رأساً على عقب إذا ما جاء حكم القاضي سلبياً في قضاياهم. 

وتعلق حداد "في هذه الحالة، سنحاول إيجاد حلول أخرى لإبقائهم في النظام، كأن نقدم طلبات للحصول على تأشيرة مثلاً". 

 

للمزيد