مصاب نتيجة الاشتباكات بين المهاجرين وحرس الحدود اليوناني عند معبر بازاركولي التركي. رويترز\أرشيف
مصاب نتيجة الاشتباكات بين المهاجرين وحرس الحدود اليوناني عند معبر بازاركولي التركي. رويترز\أرشيف

عبدالله*، شاب سوري يبلغ من العمر 17 عاما، مقيم في تركيا منذ نحو عامين، استجاب لدعوة السلطات التركية بالتوجه إلى الحدود للعبور إلى أوروبا في شباط/فبراير الماضي، عقب إعلان الرئيس التركي فتح حدود بلاده لمن يرغب من المهاجرين بالتوجه إلى أوروبا. عبدالله تواصل مع مهاجر نيوز للإدلاء بشهادته حول ما تعرض له هناك.

حزمنا أمتعتنا وجهزنا أنفسنا لملاقاة حلمنا المنشود. فضلت الذهاب وحدي بداية، لم أصطحب أهلي، قلت دعوني أرى الوضع أولا، لا أعلم ماذا يحدث معي هناك. ما أن يفتح الطريق كما حصل عام 2015، يمكنكم أن تتبعوني.

ركبت باصا من حي الفاتح في إسطنبول، ودفعت مبلغ 50 ليرة تركية (حوالي 6,50 يورو).

وصلت إلى معبر بازاركولي، كان معي أربعة أشخاص، ثلاثة كبار في السن وطفل صغير عمره سبعة أعوام تقريبا. 

صدمتي الأولى كانت حين واجهنا دورية شرطة تركية، طلب منا أحدهم أن يدفع كل منا لهم مبلغ 60 ليرة، لم يطل الموقف كثيرا قبل أن ينتبه إلى وجود صحفي معنا فغير حديثه مباشرة.

عند المعبر، أوقفتنا الشرطة التركية مجددا، ولم تسمح لنا بالعبور، بدأت الأطفال والنساء بالبكاء خوفا، لم نكن نعلم ماذا ينتظرنا. أخدونا قسرا إلى نقطة أبصلة حيث يمر نهر ميرج (إيفروس).

"عناصر الشرطة أجبرونا على النزول، شهروا علينا سلاحهم"

في الصباح، اكتشفنا أن الطريقة الوحيدة للوصول إلى اليونان كانت بعبور النهر، كثيرون عادوا إلى إسطنبول بعد أن اكتشفوا خطورة تلك الخطوة، فضلا عن أن الأخبار التي وردتنا حول قيام الشرطة اليونانية بضرب المهاجرين ومصادرة أموالهم وهواتفهم.

أنا بقيت مع مجموعة من 50 شخصا، قررنا الذهاب إلى معبر بازاركولي. قال لنا رجال الشرطة إنهم سيأخذوننا هناك. بعد انتظار دام سبع ساعات، استقلينا حافلة أنزلتنا في نقطة أخرى على نهر ميرج. عناصر الشرطة أجبرونا على النزول، شهروا علينا سلاحهم، سادت حالة من الهرج والمرج على الحافلة، بكاء الأطفال وصراخ النساء والرجال والتدافع، مشهد مأساوي لن أنساه ما حييت. رفضنا النزول من الحافلة، وأصرينا على أن يأخذونا إلى المعبر.

وصلنا موقف أدرنة عند الساعة 11 مساء، اتفقنا مع مجموعة من السائقين على تهريبنا إلى معبر بازاركولي. لدى وصولنا، نصبنا خيما ونمنا. في الصباح التالي، اندلعت الاشتباكات بين المهاجرين والشرطة اليونانية، لم يسمحوا لأحد بالدخول، كانوا يصوبون بنادقهم باتجاهنا ويطلقون النار إذا ما تمكن أحد من عبور السياج. غازات مسيلة للدموع ورصاص مطاطي ورصاص حي.

للمزيد>>> "رأيتهم بعيني، أتراك بلباس مدني يرمون الغاز علينا، لماذا؟ ما السبب؟ ما الهدف؟"

أوضاع المخيم كانت سيئة جدا، لم يكن هناك حمامات أو مراحيض تكفي لنحو 20 ألفا كانوا في المنطقة. كنا نستحم في النهر على الرغم من البرد القارس. أما التدفئة فكانت عبارة عن مواقد نشعلها ونتحلق حولها، شعرت وكأنني في الغوطة الشرقية في دمشق.

لم يرحمونا، الطرفان، السلطات اليونانية والسلطات التركية.

" يشمئزون منا ويحرصون على إظهار ذلك"

منعتنا الشرطة التركية من مغادرة المخيم لشراء حاجياتنا من طعام وشراب، حاصروا المخيم، كي نعود عن قرارنا ونرجع إلى إسطنبول. عندما نصطف بالدور للحصول على الطعام، كان رجال الشرطة التركية يضربوننا بعنف، كانوا يشمئزون منا ويحرصون على إظهار ذلك. كان بيننا أشخاص مصابون يحتاجون الذهاب إلى القرية المجاورة ليتعالجوا في المستشفى، لم تسمح لهم الشرطة التركية بالذهاب. كان هناك ظلم كبير بحقنا، أين كانت منظمات حقوق الإنسان؟

كان عناصر الشرطة التركية يقولون لنا "عودوا إلى إسطنبول، لن يفتحوا الطريق، أو اذهبوا عن طريق النهر". لم نذهب إلى النهر، الناس كانت تخشى خطورة عبوره فضلا عن الضرب المبرح من قبل الشرطة اليونانية.

كثيرون تم ترحيلهم قسرا من المعبر إلى إسطنبول، لم يكن أحد يريد الذهاب، كل أملنا كان الوصول لأوروبا، نريد فقط حياة كريمة وسعيدة. لا أعلم لماذا لم يسمحوا لنا بدخول اليونان، ولماذا استخدمتنا الدولة التركية وجعلتنا أداة سياسية لمصلحتها. لم نكن نعلم، نحن المستضعفين، أننا مصيرنا يتم التلاعب به من قبل دول عظمى.

دفع كل منا مبلغا يتجاوز الخمسة آلاف ليرة تركية (حوالي 650 يورو) سعيا وراء حلمنا الأوروبي. خسرناها كلها بسبب أخبار كاذبة أن الحدود فتحت باتجاه اليونان. لم نكن لنخوض كل ذلك لو كنا نعلم أن الحدود مغلقة. السلطات التركية شدّدت الإجراءات على المخيم وأخذوا بصمات لكل الموجودين فيه ومنعوا الأفراد الآخرين من الانضمام إليهم، ومن يحاول اختراق المعبر يتم القبض عليه، ويخيّر بين الرجوع إلى إسطنبول، أو عبور نهر إيفروس.

 كورونا ومخيم المعبر

لم تسجل أي إصابة بفيروس كورونا في صفوف اللاجئين والمهاجرين ممن كانوا متواجدين عند معبر بازاركولي، لكن السلطات التركية فضلت إغلاق المخيم كونه يفتقر لأدنى مستويات الوقاية الصحية. لم نكن نخشى كورونا كوننا كنا نأخذ احتياطاتنا، لكن ما كنا نخشاه هو انتشار الجرب والسل والأمراض الجلدية، بسبب تلوث المياه.

آخر يوم في معبر بازاركولي، 26 آذار/مارس، رحلت الشرطة التركية إلى إسطنبول والولايات الأخرى جميع من بقي في المعبر، حينها تم إحراق جميع الخيام.

هناك أشخاص بقوا في ذلك المخيم 20 يوما، وآخرون 40 و50 يوما، لتتم إعادتهم قسرا إلى الولايات التي جاؤوا منها، كل تلك المدة والآمال التي كنا نحملها تبخرت، وكأننا ذهبنا إلى الحدود لنتعرض للذل والمرض والتعب والتشرد.

أتمنى أن توصلوا ألمنا للعالم أجمع، نحن بشر، كل الذي كنا نريده الحياة الكريمة. فقط من أجل تلك الأمنية تعاملوا معنا وكأننا قوات غازية.

 

للمزيد