يتظاهر أطفال المهاجرين في إيطاليا منذ سنوات من أجل الحصول على الجنسية في الدولة التي يطلقون عليها دائمًا اسم "الوطن". صورة من الأرشيف
يتظاهر أطفال المهاجرين في إيطاليا منذ سنوات من أجل الحصول على الجنسية في الدولة التي يطلقون عليها دائمًا اسم "الوطن". صورة من الأرشيف

هكذا تؤثر الاحتجاجات العالمية المناهضة للعنصرية بعد وفاة الأمريكي-الأفريقي جورج فلويد على قوانين الجنسية الإيطالية. إذ يتعرض السياسيون في إيطاليا لضغوط للسماح لمزيد من أطفال المهاجرين الذين ولدوا وتعلموا في البلاد بأن يصبحوا إيطاليين.

تحتفل إيطاليا سنوياً بيوم "الجمهورية الإيطالية" الذي يصادف في 2 حزيران/ يونيو، اليوم الذي يعتبر إلى حد ما مناسبة لمراجعة قيم الدولة ومواطنيها، وما يعنيه أن تكون مواطناً إيطالياً.

كتبت أنجليكا بيساريني في مقال بعنوان "Questions of Privilege" في النشرة الإخبارية في القسم الثقافي (Il lavoro culturale): "سيذكر هذا العام بسلسلة من الأحداث الاستثنائية".

بيساريني عضو هيئة التدريس في التحليل الاجتماعي والثقافي في جامعة نيويورك (NYU) في فلورنسا. وهي أيضاً إيطالية سمراء، ولدت في إيطاليا لأسرة من أصول صومالية وإرتيرية، البلدان الأفريقية التي كانت مستعمرات إيطالية في السابق.

وقالت بيساريني لبي بي سي في عام 2019 إن العديد من الإيطاليين يعتقدون "أن تكون إيطالياً هو أن تكون أبيض البشرة. أشعر أن عليّ أن أبرر لغتي الإيطالية كثيراً". وأضافت: "يفترض الناس أنني لست إيطالية. وعندما يسألني أحدهم:" من أين أنت؟ " أقول: "أنا من روما"، فيسألون مجدداً: "لا ، من أين أنت حقاً؟" الأمر الذي ترى بيساريني أنه يوضح كيف أن: "العرق والبشرة البيضاء كلها مرتبطة بالهوية الإيطالية اليوم".

أطفال المهاجرين

على الرغم من أن بيساريني إيطالية، غير أن هويتها ما زالت موضع تساؤل. أما بالنسبة لآخرين، الأطفال لوالدين مهاجرين، لا تطرح عليهم أسئلة مشابهة حول جذورهم من قبل الغرباء فحسب، وإنما من قبل الدولة نفسها. إذ مع ارتفاع عدد المهاجرين في إيطاليا، يزداد عدد الأطفال الذين يولدون فيها ويكبرون ويذهبون إلى المدرسة في نظام التعليم الإيطالي، فيتساءلون أيضاً حول سبب عدم الاعتراف بهم كمواطنين إيطاليين.

En Italie, les enfants de réfugiés peinent à accéder à la citoyenneté italienne. | Photo: DW/ M. Williams

يسمح القانون الحالي بمنح الجنسية الإيطالية تلقائياً فقط لأولئك الذين ولدوا لوالدين إيطاليين. في حين لا يتم منح أطفال المهاجرين، سواء أولئك الذين ولدوا على الأراضي الإيطالية والذين هاجروا مع والديهم كقصّر، جواز سفر إيطالي تلقائياً عندما يبلغون 18 عاماً.

مليون إيطالي دون جنسية

وبحسب مجموعة حملة "Italiani senza cittadinanza" (إيطاليون بلا جنسية)، يواجه الآن مليون شخص هذه الحالة. وتقول أليسيا كوروتكوفا في مقطع فيديو من إنتاج أوكسفام عام 2019: "أشعر أنني إيطالية، لكن يبدو أن الدولة لا تراني". فقد كانت تأمل في المشاركة في الألعاب الأولمبية في طوكيو 2020 ، غير أنها لم تستطع ذلك نتيجة عدم حصولها على الجنسية الإيطالية. تقول كوروتكوفا: "قد نبدو غير مرئيين للدولة، لكننا لسنا غير مرئيين، نحن هنا".

وفي مقطع فيديو آخر من السلسلة نفسها يقول غسان إزارا: "أنا أجنبي في منزلي... أشعر وكأنني في لعبة فيديو، لكي أصبح نفسي، يجب أن أجتاز الحواجز إلى المستوى التالي". ويضيف: "أنا الشخص الوحيد في عائلتي الذي لا يزال يعتبر أجنبياً".

أحد المحظوظين؟

يمكن اعتبار غسان من المحظوظين. إذ في نهاية كانون الثاني/ يناير 2020 ، حصل على الجنسية في بلدته ريجيو إميليا بعمر الـ(23) عاماً، حيث يعيش في إيطاليا منذ أن كان في الرابعة من عمره.

غير أن رحلته إلى المواطنة، كالكثيرين، كانت طويلة ومعقدة. ولد غسان في الرباط بالمغرب عام 1996. وبعد أن بلغ سن الرابعة، تمكن مع ووالدته من الانضمام إلى والده في إيطاليا حيث كان يعيش ويعمل. بعد عام، ولدت أخته على أرض إيطالية، غير أن ذلك لم يؤهلها للحصول على الجنسية بشكل تلقائي.

عائلات مهاجرة أطفالهم ولودوا في إيطاليا /Photo: ANSA/Alessandro Di Marco

وفقاً لصحيفة (La Repubblica)، فقد حصل والد غسان، بصفته مقيماً منذ فترة طويلة، على الجنسية الإيطالية في عام 2015. وحصلت أخته التي كانت ما تزال طفلة، على الجنسية بعد فترة وجيزة، كما حصلت عليها والدته، بصفتها زوجة. غسان فقط، الذي كان قد بلغ (18) عاماً، فشل في "وراثة" الجنسية الممنوحة لبقية أفراد أسرته.


مواطن إيطالي

من خلال مزاولة نظام التعليم الإيطالي، تقدم غسان بطلب للحصول على الجنسية، وسافر إلى المغرب للحصول على جميع الوثائق اللازمة. وكان يجب أن يستغرق الإجراء عامين فقط، ولكن بموجب مرسوم الهجرة والأمن الحكومي، تم تمديد هذه العملية إلى 4 سنوات.

ونتيجة لهذه التعقيدات التي واجهته اضطر غسان إلى التخلي جزئياً عن الحياة الرياضية التي حلم بها لأنه، بصفته "أجنبياً"، لم يكن مؤهلاً لتلقي الرعاية والتدريب. غير أنه قد حصل على وظيفة، وبمساعدة منظمات ثقافية مختلفة سعت عبر حملة لإيصال قصته لأصحاب القرار، التي لاقت استجابة من قبل عمدة ريجيو إميليا في شمال إيطاليا، أعلن عن الأخبار السعيدة بحصوله على الجنسية على صفحته في الفيسبوك في كانون الثاني / يناير.

مناقشة مقترحات مختلفة

الجدل حول حقوق المواطنة مستمر منذ عقود. إذ تستمع لجنة في البرلمان الحالي إلى أدلة حول هذه القضية منذ أواخر عام 2019، غير أن مداولاتها قد تورات إلى حد كبير نتيجة للقيود التي فرضتها إيطاليا في محاربة وباء كورونا، ولكن الآن، مع وجود مظاهرات في جميع أنحاء إيطاليا احتجاجاً على وفاة جورج فلويد الأميركي، عادت القضية إلى الأضواء.

وقد كتبت وكالة الأنباء الإيطالية (أنسا) أن الحكومة الحالية منقسمة بشأن هذه القضية. وتم طرح 3مقترحات مختلفة. إذ ينطوي المقترح الأول على منح الجنسية بناءً على مكان ولادتك، أي إذا كنت قد ولدت على أرض إيطالية، فيجب اعتبارك إيطالياً، والثاني يقوم على التعليم والثقافة، وفقاً لذلك، إذا كنت قد تعلمت اللغة الإيطالية، وتتحدثها بطلاقة وتفكر "بالطريقة الإيطالية"، فلماذا لا تعتبر إيطالياً؟. وسيسمح المقترح الثاني أيضاً لأولئك الذين هاجروا مع والديهم ونشأوا وهم يشعرون بأنهم إيطاليون بالحصول على الجنسية. أما المقترح الثالث فهو عبارة عن مزيج من كل هذه الأفكار السابقة الذكر.

أمهات مهاجرات بانتظار أطفالهم من المدرسة في لودي/Foto: ANSA / Daniel Dal Zennaro

تشير منظمة الأطفال الخيرية التابعة للأمم المتحدة، اليونيسف في إيطاليا، إلى أن هذا القانون لن يمنح الجنسية تلقائياً لأي طفل من المهاجرين الذين ولدوا على الأراضي الإيطالية. في الواقع، حتى المقترحات الجديدة غنية بالمحاذير. على سبيل المثال، لن يكون الأطفال من الآباء الذين ينتظرون طلب الحماية الدولية الخاص بهم مؤهلين للحصول على الجنسية. ولا الأطفال الذين يولدون لأبوين بدون تصريح قانوني للإقامة.

إن تغيير قانون الجنسية من شأنه أن يساعد أطفال أولئك الذين عاشوا في إيطاليا لفترة طويلة، وأكملوا أكثر من 5 سنوات من التعليم و / أو مؤهل مهني وربما حصلوا على الجنسية الإيطالية. تقول اليونيسف هناك حاجة "لوقف التمييز ضد هؤلاء الأطفال الذين هم شرعياً جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإيطالي".

يموت "السود" في إيطاليا أيضاً

تذكر أنجليكا بيساريني في مقالها أسماء بعض الأفارقة، ومنهم من المهاجرين الذين قتلوا في الأراضي الإيطالية. وتسلط الضوء على مقتل رجل مالي "سوماليا ساكو" في يوم الجمهورية قبل عامين في عام 2018. وتكتب بيساريني أن ساكو كان يعمل "مستغلاً" في حقول كالابريا في جنوب إيطاليا. وبينما كان يساعد زميلين في العمل على جمع بعض المواد من مبنى مهجور في الحقول، من أجل صنع كوخ في المخيم، أطلق النار عليهم من قبل رجل إيطالي يحمل "بندقية غير مرخصة"، وتوفي ساكو إثر إصابته بطلقة في رأسه.

ووفقاً لبساريني، فإن وفاته قد تم الإبلاغ عنها "بطريقة مشوهة" استناداً إلى المعلومات التي قدمتها المقاطعة في ريجيو كالابريا، حيث قالوا، إنه "أطلق عليه النار من قبل شخص مجهول أثناء السرقة". وبعد وفاته بوقت قصير، غرد نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت على تويتر، ماتيو سالفيني، عن المهاجرين "انتهى المرح". في إشارة إلى فكرة وصول المهاجرين إلى إيطاليا لمجرد الحصول على الإعانات والعمل "السهل".

#حياة السود مهمة- إيطاليا

أحد الأعضاء البارزين في "حركة سردين"، التي تناضل من أجل حقوق المهاجرين في إيطاليا، تضغط من أجل إصلاح قانون الجنسية. إذ قالت ياسمين كريستالو، المتحدثة باسم حركة سردين أو كما تدعى رسمياً "سردين 6000 " لوكالة الأنباء الإيطالية (أنسا): "هذا قانون مهم لدرجة أنه لا يجب أن يقع ضحية الخلاف السياسي أو الدعاية".


يأمل النشطاء في أن يتمكنوا من استخدام زخم الاحتجاجات حول العالم والغضب من العنصرية المؤسسية لتغيير أذهان السياسيين وإدخال قوانين المواطنة في القرن الحادي والعشرين. نشر إيطاليون دون جنسية على موقع فيسبوك في 9 حزيران/ يونيو صوراً من أحدث مظاهرة في روما، حيث دعت الناشطة الإيطالية الهايتية المناهضة للعنصرية ستيلا جين إلى تغيير قوانين الجنسية الحالية. وقالت جين لوكالة أنسا: "أتحدث اليوم لأنه لم يعد من الممكن أن أبقى صامتًة. لا أريد أن يتعرض أطفالي للتهديدات التي تلقيتها كفتاة. الجميع يستحق الجنسية".

ر.ض


 

للمزيد