العملة السورية/رويترز
العملة السورية/رويترز

ارتفاع الأسعار وتدهور الليرة السورية مقابل الدولار، أجبر السوريين اليوم على تحمل أعباء اقتصادية إضافية، قد لا يقوى عليها البعض. فمنتجات كالخبز والطحين وحليب الأطفال تضاعفت أسعارها، فيما أصبحت الفاكهة واللحوم "رفاهية زائدة".

"نشعر بالضيق"، لا تنفك الأم الأربعينية عن تكرار تلك الجملة، "هذا كل ما أستطيع قوله عن حياتي اليومية في سوريا، الوضع أصبح لا يطاق وبات كل ما يشغل تفكيرنا هو تأمين لقمة العيش حرفيا".

قيمة الليرة السورية تتدهور ومعها تتخبط الأسعار. وبالنسبة لرزان وزوجها، كلاهما يعملان كموظفين في المؤسسات الحكومية في العاصمة دمشق. تقول رزان "العامل المستقر الوحيد في تلك المعادلة هو راتبي الثابت، الذي إذا وما ارتفع بقرار رسمي يندر صدوره، فلا تتجاوز الزيادة 5 آلاف ليرة سورية"، وتضحك ساخرة "أي يزيد الراتب بمعدل سعر كيلو واحد من الجبن".

تغيير أنواع الأطعمة للتكيف مع الواقع الاقتصادي

الإثنين الماضي، سجل سعر الليرة السورية انخفاضا غير مسبوق مقابل الدولار الأمريكي، فتجاوز سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي 3 آلاف ل.س. بينما في ٢٠١١، كان يتم تداول الليرة عند 47 ل.س مقابل الدولار، الأمر الذي ألقى بأثره بشكل مباشر على أسعار مختلف المواد الاستهلاكية والأساسية في المدن السورية.

تشتكي رزان من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فقد كان عليها التأقلم وتغيير أنواع الأطعمة التي اعتادت عليها، وتقول "أتقاضى راتبا شهريا لا يتجاوز الـ70 ألف، لكن ذلك المبلغ بالكاد يغطي تكاليف الطعام لمدة 10 أيام لعائلتي المكونة من خمسة أشخاص. وهنا لا أقصد أنه بإمكاننا تناول ما نريد من طعام، الأسبوع الماضي اشتريت كيلو لحم الغنم بـ18 ألف ليرة.. أصبحنا نأكل اللحم مرتين شهريا بأحسن الأحوال. لقد اعتدنا على ذلك في الأعوام الأخيرة، وتخلّيت عن الكثير من الأطباق الشهية المكلفة. واستعضت عن اللحم بإضافة البهارات أو وضع كمية قليلة جدا من اللحم أثناء الطهي فقط لإعطاء النهكة".




التأقلم والتكيف مع الوضع الاقتصادي المتدهور يزداد تعقيدا، ففي الأسبوعين الماضيين تضاعف سعر الخبز وزاد سعر الطحين بنسبة 300٪. ويضيف طارق زوج رزان "وصل بنا الأمر إلى حد وصف الفاكهة بأنها رفاهية، فهل سنعتبر أكل الخبز في المرحلة القادمة أيضا رفاهية؟".

"بعد كل ما مررنا به من قمع سياسي وقصف وتهجير، هل سينتهي بنا الأمر بأن نموت جوعا.. إلى متى سنبقى على هذا الحال؟"

وترى الستينية أمل، بأن التدخين تحول إلى رفاهية لا تستطيع تحمل تكاليفها، وتقول "كان راتبي التقاعدي 39 ألف ليرة العام الماضي، لكن مع الزيادة الأخيرة وصل إلى 55 ألف ليرة، أي ما يعادل 20 دولار بعد خدمة 40 عاما في المؤسسات الحكومية". تتنهد قليلا قبل أن تكمل "لم يعد يإمكاني تحمل كلفة علبة السجائر، فأصبح التدخين رفاهية زائدة".




83 % من السوريين تحت خط الفقر

خلال عام واحد فقط، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في سوريا بمعدل 107%، وفق ما أفادت به جيسيكا لوسون المتحدثة باسم "برنامج الغذاء العالمي"، مشيرة إلى أن"الأسعار ارتفعت 14 مرة أكثر من معدل ما قبل النزاع، وهذا أعلى ما يتم تسجيله على الإطلاق".

ويعيش 83% من السوريين تحت خط الفقر بحسب تقديرات الأمم المتحدة التي صدرت عام 2019.

وتؤكد الشابة سارة التي تنقلت بين عدد من المدن السورية خلال الأعوام الأخيرة "نعاني من الغلاء على مختلف الأصعدة في الحياة اليومية، ابتداء من تكلفة الغاز في المنزل، إلى المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية للأطفال. الأمر بالغ الصعوبة خاصة بالنسبة للأمهات العاملات، فاليوم، القسط السنوي لحضانة الأطفال يبلغ حوالي 400 ألف سنويا، وبالتالي تضطر الكثير من النساء في الأعوام الأولى إلى التفرغ كليا لتربية الأطفال، لعدم قدرة العائلة السورية على دفع أقساط الحضانة التي غالبا ما تكون تابعة لجهات خاصة".

الغلاء الذي تشهده المدن السورية، كان له أثر مختلف على طبيبة الأسنان حنان، فتفاوت الأسعار المرتبط بسعر تصريف الدولار يشكل عائقا أساسيا أمام متطلبات مهنتها، فـ"المواد الطبية التي نستخدمها أصبحت غالية الثمن، وأحيانا يتغير سعرها خلال اليوم الواحد، خاصة مؤخرا.. العديد من عيادات الأسنان أغلقت أبوابها لعدم قدرتها على تحمل الخسائر.. قررت الاستمرار في عملي لأساعد الناس رغم أنني أحيانا لا أستطيع حتى تغطية النفقات، لكني قررت أن أقوم بواجبي الإنساني، طالما أستطيع الاستمرار".

وفي الشمال السوري الوضع ليس أفضل حالا، فانهيار الليرة أدى أيضا إلى ارتفاع الأسعار بشكل "جنوني".




فروق طبقية

أما بالنسبة للثلاثينية سالي، فالعامل الاقتصادي كان أحد الأسباب الرئيسية الذي دفعها لمغادرة بلدها، "تمكنت أخيرا من السفر إلى تركيا منذ حوالي 6 أشهر. الوضع كان جنونيا في سوريا. ففي 2019، كان سعر صرف الدولار 500 ليرة سورية، ارتفع خلال أسابيع إلى 700 ومن ثم وصل إلى الألف.. كنا نعيش في دوامة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة" دون حل يلوح في الأفق.

ومع بدء الحراك الثوري في سوريا عام 2011 وما تلاه من أزمات اقتصادية، باتت الفروق الطبقية واضحة جدا. وتعتبر سالي التي أتمت دراستها في كلية الاقتصاد، أن "الطبقة المتوسطة توشك أن تختفي، وتتجه أكثر نحو الفقر. أما الطبقة الغنية التي تشكل 1% من المجتمع، نرى ضمنها مظاهر البذخ والاهتمام بالأمور السطحية تبدأ بالملابس الغالية وأحدث الموبايلات وتناول أغلى الوجبات في المطاعم، بينما في المقابل يعيش الغالبية في فقر مدقع، حتى أن ظاهرة الأشخاص الذين يبحثون في القمامة عن بقايا طعام تسد رمقهم كانت تزيد بشكل ملحوظ".

التفاوت الطبقي أيضا هيمن على حديث الشابة سماح التي تعيش في مدينة حمص، "تضاعفت الأسعار في المدينة ثلاث أو أربع مرات خلال الأشهر الستة الماضية، بينما نرى الطبقة الغنية تقتني السيارات الفارهة وتتفاخر بالمظاهر، هذا ما نطلق عليه اسم ‘أمراء الحرب’ الذين استغلوا الفوضى والفلتان الأمني لجمع ثروتهم". لتضيف قائلة "نرى هذه المظاهر في دمشق أكثر من حمص مثلا، فذلك بحسب المدينة. وأعتقد أن هناك نوع من التكافل الاجتماعي في مدن مثل حمص، فيوجد طابع أهلي والأشخاص يساعدون بعضهم، فالنجاة هنا تقتصر فقط على مبادرات محلية محدودة لا علاقة للدولة بها".




سماح التي أنهت دراستها في الهندسة المدنية، حالها كحال الكثيرين من السوريين، لم تستطع إيجاد عمل في تخصصها، "فعملت مع جمعيات محلية لجني القليل من المال". لكن الأمر الذي يثير تخوفها حاليا هو فقدان بعض المواد الأساسية كحليب الأطفال والمستلزمات النسائية مثلا، "بالأمس، ذهبت إلى عدة محال لشراء فوطا نسائية ولكني لم أجد".

أسباب التدهور الاقتصادي في سوريا عديدة، فبينما يصر الإعلام السوري الرسمي على ربط ذلك فقط بالعقوبات الاقتصادية الغربية، يرى الناشط صادق المقيم في دمشق أنه "لا نستطيع اليوم تجاهل الآثار الاقتصادية الناجمة عن تدمير البنى التحتية، فضلا عن توقف عمل المنشآت الصناعية والهيمنة الاقتصادية الروسية والإيرانية التي يتم فرضها على مختلف القطاعات، عدا عن فرض الأتاوات الباهظة على التجار والفساد المستشري، هذا دون الحديث عن أثر الأزمة اللبنانية على المشهد الاقتصادي السوري".




 

للمزيد