Jundi Majhul - Bkhaf Nam (ft Bu Kolthoum) | جندي مجهول - بخاف نام (Official music Video)

أطلق مغني الراب السوري الشاب جندي مجهول أغنية جديدة مؤخرا، تحمل شجون وهموم تختلج صدور الكثير من الناس، وأولهم المهاجرين. خيري إيبش، أو جندي مجهول، راكم المشاعر والشجون في نص موسيقي، أداه أمام الكاميرا في شوارع باريس، حرك من خلاله مشاعر الكثيرين ممن تفاعلوا معه ورأوا في أغنيته انعكاسا لتجاربهم.

"بخاف نام"، عنوان أغنية جديدة لمغني الراب السوري جندي مجهول. الأغنية التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لاقت رواجا في صفوف المهاجرين العرب، خاصة الشباب منهم، حيث أنها تناولت جوانب مختلفة من المشاعر التي تختلج صدور المهاجر والمهجّر من وطنه، إلى بلاد غريبة، تلاحقه ذكريات حياته السابقة بحلوها ومرها، فتسيطر على مشهد يومياته، وقد تسيطر على مناماته.

عنوان الأغنية يحكي عن النوم والأحلام، السكينة التي ينتظرها الإنسان ليريح جسده وعقله قبل البدء بيوم جديد. إلا أن هذه الفترة من يوميات جندي مجهول صُبغت بلون الذكريات والخوف من الماضي.

مهاجرون قاصرون في باريس، مارس 2019. المصدر/ مهاجر نيوز

وللفنان الشاب القادم من سوريا قصة مع الهجرة واللجوء، حيث أنه أجبر على طلب اللجوء هنا، في وقت كان ينوي فيه العودة. يقول لمهاجر نيوز "أجبرت في فرنسا على تقديم طلب لجوء، بعكس رغبتي، فصلاحية أوراقي السورية كانت على وشك الانتهاء، والمكتب القنصلي السوري هنا في فرنسا رفض تجديد جواز سفري، في دائرة الشرطة قالوا لي إن الطريقة الوحيدة لأستحصل على أوراق تخولني البقاء بشكل قانوني في فرنسا هي عبر الحصول على حق اللجوء، كان هذا الخيار الوحيد".

أحلى ما في براسي شوفو ضل غرقان وضل غريق

بس شو الفرق شو الطرف شو الفريق كل مين بحاله

والغدر بريء

حابب أترك القاع والبحر غميق

بالعودة إلى الأغنية، يربط جندي بين المنام والإحساس بالغربة والفقدان والغرق، وكأنها متلازمة تلاحق المهاجر المجبر على الرحيل عن أرضه أينما توجه. "الغرق بات متلازما مع صورة المهاجرين الساعين لعبور المتوسط بحثا عن الحياة الأفضل. وربما البحر عكس نفسه على أمواج الذكريات الملازمة للاجئين والمهاجرين، يهربون منه ولكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون فراقه".

إحلم شوف السما بس بغير لون

طعمي ولاد الأرض أكل بس يكون من غير كون

بركي بيوم منصحى بلا قتال

غالبا ما تكون الأحلام مقترنة بأشياء جميلة، ذكريات أو مشاهد يختلقها اللاوعي البشري لتعبر عن حالة النائم الصحية والجسدية. أحلام جندي مجهول في هذه الأغنية، ومن ورائه الكثير من المهاجرين ممن تماهوا مع كلماتها، تختزل الحاضر والماضي في آن معا، يحلم "بسماء بلون آخر"، وكأنها سماء بلاده التي غادرها قبل سبع سنوات. يحلم بالعدل للجميع، "أطعم أولاد الأرض طعاما من كون آخر"، التعابير الشعرية اختصرت أمنية الفنان الشاب، وكأنه يحكي عن أطفال فقدوا أرواحهم بسبب الخلافات والنزاعات الدموية والموت المجاني الذي لاحق مئات الآلاف في بلاده، وغيرهم في عدة دول في العالم.

كيراز، مهاجرة سورية تعيش في حديقة بباريس مع زوجها وأبنائها الستة. 14 آب/ أغسطس 2018 | المصدر: مهاجر نيوز

عم شد حبال لنوصل بلا بوصلة

حيطان الباقية علام عللي كان عم يدوسني

بقينا ندور عل التغيير نحط أسرارنا ببير ونمشي

إلي سبع سنين عايش عل التخدير

يا ريت إصحى

بوصلة جندي مجهول تعيده دوما إلى نقطة البداية، ذكريات من طفولة ومراهقة يحن إليها، وتنتابه تجاهها مشاعر متضاربة. "أشد حبالا كي أصل، ولكني لا أملك بوصلة"، الوصول إلى ماذا؟ قد يكون المستقبل أو الأمنيات أو الأهداف التي يضعها أي إنسان ليحققها في حياته. إلا أنه يعود ويقول "منذ سبع سنوات وأنا أعيش على التخدير"، السنوات السبعة هي سنوات غربته التي مازال يحاول التأقلم معها.

مخلوق لبكرا.... عايش..... مع إني مخنوق من ريحة مبارح

والعرض ماشي بلا الستارة وين بقيان مسارح نحط فيها روسنا عا مخدات نحس بالبيت

فكرة "الأمس" تلازم أغنية جندي منذ بدايتها، وكأنها تريد أن توحي للمشاهد أو المستمع أن الأمس شخص معنوي موجود وملاحق للمهاجر أينما حل. لا يمكنه التفكير بالغد والتخطيط لحياة أفضل دون أن تلاحقه أشباح الماضي. "خلقت من أجل الغد... عايش... مع أنني مخنوق من رائحة البارحة". رائحة المنزل والحارة والمدرسة والعلاقات والصداقات والتجارب الأولى، كلها على جمالها وحلاوتها، قد تتحول في لحظة إلى وحش خانق يمنع الهواء عن صدر المهاجر، يخنقه، يحاصره، يضعه في خانة الكسيح العاجز عن التحقيق.



اختيار الرائحة لتكون الجسد الآني لهذه الفكرة أساسي، فمن منا لا تجتاحه ذكريات محددة إذا ما شم رائحة عطر أو طبق طعام أو نبتة ما. وغالبا ما تعود تلك الذكرى إلى مرحلة الطفولة، المنزل العائلي، المكان الذي يشعرنا بالأمن والأمان، البيت الأول، "والعرض مستمر دون ستارة... أين يمكننا إيجاد مسرح في هذه الحياة يمكننا أن نعتبره بيتنا".

قد تكون فكرة العرض المسرحي أول ما تواتر إلى ذهن جندي لوصف حياة المهاجر في الغربة، فكافة تفاصيلها معروفة ومكشوفة لأشخاص لم يلتق بهم من قبل، ولا يتحدث لغتهم، ولا يشعر تجاههم بأي نوع من المشاعر، إلا أنه يأمل أن يمنح الفرصة في هذا المكان ليسميه بيتا، يذكره "بأول منزل".

ليك هون غير هون هون بيحكو بغير تون

بس نفس الجواب ما عاجبك لاقي غير هون  

حول حياته اليوم في فرنسا يقول جندي مجهول "أقاتل يوميا لأعيش في مجتمع ليس مجتمعي، كل شيء مختلف هنا، هناك صراع حضارات وثقافات حقيقي يدور بين المجتمع المضيف ومجتمعات اللاجئين الوافدين. يجب البحث في كيفية التصدي له. في النهاية اللجوء لم يكن خياري الأول، شأني في ذلك شأن الآلاف. يجب إيجاد طرق لتعزيز الأرضيات المشتركة بين المجموعتين، وإتاحة المجال أمام المهاجرين واللاجئين ليضيفوا على يوميات فرنسا جزءا من نكهتهم وخبراتهم".

مهاجرة تعيش في حديقة قرب ساحة بورت دو أوبرفيليه، في باريس. 14 آب/ أغسطس 2018| مصدر: مهاجر نيوز

ولو صادقين كان كل هل الموت ما كان

ما كان اليوم كل مين بمكان

تعا نسمي هل المكان بيت بركي منترك هل المنام

في النهاية، يبدي جندي شكوكه حيال "كل من يسمي نفسه مسؤول. هؤلاء يتحملون تبعات كافة الحروب والدمار والقتلى الذين راحوا نتيجة أطماعهم وطموحاتهم".

الأمنية لو أن هناك طريقة تلغي كل ما حصل وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء يتشاركها الشاب السوري مع الملايين غيره، من أبناء جلدته وغيرهم ممن تعرضوا لمآسي اللجوء والهجرة. وعلى استحالتها، إلا أنها قد تشكل مدخلا "لإعادة صياغة كل الحياة السابقة بالمخيلة، لتكون ملجأ لنا حين نحتاج إلى الهرب".

 

للمزيد