أرشيف\ANSA
أرشيف\ANSA

مع دخول لبنان نفق أزمة اقتصادية خانقة، رافقتها أزمات اجتماعية في مختلف المناطق إضافة إلى المخاوف من جائحة كورونا، وجد اللاجئون السوريون أنفسهم هناك محاصرين، فلا خيارات أمامهم سوى الفقر أو الإحباط أو التعرض لخطر الإصابة بكورونا.

يقبع لبنان اليوم على صفيح ساخن ينذر بالأسوأ، فمن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها والتي أدت إلى تضخم غير مسبوق للعملة المحلية، وبين تبعات جائحة كورونا التي جاءت لتشكل ضغطا إضافيا على قطاعه الصحي وبناه التحتية، إضافة إلى كل الأحاديث عن قانون "قيصر" الأمريكي لمعاقبة النظام السوري وما سيفرزه ذلك من نتائج على لبنان واقتصاده الهش، كلها عوامل اجتمعت سويا لتطرح علامات استفهام جدية حول مستقبل هذا البلد.

فضلا عن كل مستجدات الوضع الاقتصادي، يستقبل لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري على أراضيه (وفقا لإحصاءات الدولة اللبنانية)، يعانون ما يعانونه من الوضع العام. فالبطالة وتضخم سعر صرف العملة المحلية وأزمة كورونا، كلها عوامل أثرت مباشرة على يوميات اللاجئين هناك، وشكلت هاجسا لهم يرسم خيالات مرعبة حول مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.

قبل نحو شهرين، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي اللبنانية فيديوهات لشخص يقدم على إحراق نفسه في منطقة البقاع، بسبب الأوضاع المعيشية الخانقة.

تبين لاحقا أن هذا الشخص سوري الجنسية، وأنه فقد عمله في قطاع البناء بسبب الأزمة الاقتصادية والجائحة، وبالتالي فقد المردود المادي الأساسي الذي يخوله دفع إيجار منزله وشراء الطعام لعائلته.

هذه الحادثة أعادت تسليط الضوء على واقع اللاجئين إجمالا في لبنان، وخاصة السوريين، الذين يعتمد القسم الأغلب منهم على أنشطة اقتصادية مياومة (غير دائمة)، تأثرت مباشرة بالإقفال الشامل والحجر الصحي الذي خضعت له البلاد.

"330 بلدية فرضت حظر التجول على السوريين لديها"

عدد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أشارت إلى ارتفاع في نسبة التضييق والأعمال العدائية تجاه اللاجئين السوريين خلال الفترة الماضية. فعقب إعلان السلطات الحجر العام، مارست عدة بلديات ومدن وقرى إجراءات إضافية بحق السوريين تحديدا، شملت منعهم من التجول بحجة مكافحة الجائحة. بعض البلديات فرضت على العائلات السورية المقيمة في نطاقها حصر حق الخروج من المخيّمات بشخص واحد لشراء الحاجيّات الأساسيّة، مع ضرورة التنسيق مع البلديّة للقيام بذلك.

هيومان رايتس ووتش نشرت تقريرا عن الوضع في لبنان، جاء فيه أن عدد البلديات التي فرضت حظر التجوّل على اللاجئين تخطى الـ330 بلدية، في وقت لم تتخذ فيه السلطات إجراءات مشابهة في البلاد.

انتهاكات بالجملة ضد السوريين

في تقريره الشهري لرصد أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان، قال "مركز وصول لحقوق الإنسان" إن سلسلة من الانتهاكات "تم تسجيلها على مدار الفترة الممتدة من إعلان حالة الحجر العام في البلاد". واتهم المركز السلطات اللبنانية بأنها "لا تزال تضيّق على اللاجئين السوريين، من خلال عدم اتخاذ أي إجراءات لمنع السياسيات التمييزية التي تتخذها بعض البلديات والتي تسببت بازدياد انتهاكات حقوق اللاجئين وسمحت باستغلالهم خلال الظروف الراهنة".

ويشير المركز الحقوقي في تقريره إلى ارتفاع حاد بحالات وممارسات تمييزية ضد اللاجئين السوريين حصرا، تجسدت "بالتهديد بالإخلاء القسري من المنازل و/أو البلدة التي يسكنون فيها، التشديد على الحواجز الأمنية، وتنفيذ حملات المداهمة في المخيمات والاعتداء عليهم بالضرب".

حسابات لبنانية وسورية على تويتر وفيسبوك، تناقلت قبل أكثر من شهرين قصة أخرى تلخص التمييز الممارس بحق اللاجئين السوريين المقيمين في المخيمات. ففي إحدى مناطق محافظة جبل لبنان والتي تضم تجمعا من نحو 50 عائلة سورية، خرج فتى سوري من خيمته ليشتري دواءا مسكنا لأوجاع الرأس من دكان قريب. وما إن عاد الفتى إلى خيمته حتى تبعه نحو 10 شبان، من المتطوعين مع شرطة البلدية للمساعدة في تنفيذ قرار الحجر الصحي. بدأ الشبان بالتحقيق معه في سبب شراء المسكّن ملمحين إلى إصابة أحد أفراد العائلة بفيروس كورونا. اعترض والد الفتى على هذه الطريقة طالبا من الشبان الخروج من خيمته، فاندلع إشكال تطور إلى تضارب بالأيدي، وطلب المتطوعون من البلدية ترحيل اللاجئين من المنطقة تحت طائلة التوقف عن مساعدتها. انصاعت البلدية لطلب الشبان وأمرت العائلة بمغادرة البلدة، رغم مكوثها فيها منذ أكثر من 7 سنوات.

تدمير مخيم وطرد سكانه من إحدى البلدات البقاعية

حادثة أخرى وقعت في مخيم 011 في بلدة غزة في البقاع الشمالي. حيث وقع إشكال على خلفية منع إحدى اللاجئات من الدخول إلى المخيم بعد قدومها من مدينة برالياس، من قبل متطوعين من البلدة، مكلّفين من قبل البلدية بتنفيذ قرار الحجر الصحي وحظر التجول لمواجهة تفشي كورونا. أهل الفتاة رفضوا الامتثال لقرار الشبان وقاموا بإدخالها إلى خيمتهم، ليلحق الشبان بهم ويقع تضارب بينهم وبين لاجئين في المخيم، استخدمت فيه الآلات الحادة والحجارة ما أدى لوقوع جرحى.

إثر هذا الاشكال، قرر المجلس البلدي في بلدة غزة، إزالة المخيم كلياً، "درءاً لردود الفعل التي قد تنشأ جراء أي احتكاك، وتحت ضغط أهل البلدة الرافضين لبقاء المخيم في خراج بلدتهم"، حسبما جاء في بيان المجلس. وزارة الداخلية رفضت القرار وطالبت بتوقيف المتسببين بالإشكال، الذي سرعان ما تجدد وأدى إلى تدمير معظم المخيم وتهجير قاطنيه وعدم السماح لأي سوري بالبقاء في البلدة.

شاب لبناني من بلدة غزة، فضل عدم الكشف عن هويته، قال لمهاجر نيوز إن "الوضع العام في حييه كان متشنجا. الناس خائفة من كورونا، والأوضاع الاقتصادية شكلت عبئا هائل على كاهل الأسر. كان هناك من يحمل اللاجئين السوريين مسؤولية تدهور الأوضاع الصحية والاقتصادية. ما حصل كان نتاجا طبيعيا لإهمال السلطات لواجباتها الأمنية والاجتماعية في المنطقة".

لم يعد بإمكاني شراء حليب لطفلتي الرضيعة

خضر الأحمد، لاجئ سوري في إحدى قرى الشمال اللبناني، قال لمهاجر نيوز إن "الأوضاع باتت لا تحتمل. خسرت عملي في أحد المطاعم في مدينة طرابلس قبل الجائحة بسبب إجراءات وزارة العمل اللبنانية تجاه العمالة الأجنبية".

ويضيف الشاب، الوالد لثلاثة أطفال، "الأوضاع تدهورت خلال الأشهر الأخيرة، تراكمت عليّ الديون للبائعين، فأنا لا أملك أي دخل، ومضطر للاستدانة لإطعام عائلتي، حتى إيجار المنزل لم أدفعه منذ أربعة أشهر. أشكر الله أن صاحب المنزل نظر إلينا بعين إنسانية وتركني وعائلتي نقيم هنا".

وأكد خضر أنه نتيجة عدم وجود أي مدخول مادي، وارتفاع ديونه لدى محل البقالة في الحي إلى مئات الدولارات، رفض صاحب المحل بيعه المزيد من المواد بالدين، إلى أن يتمكن من تسديد مستحقاته، "لم يعد بمقدوري شراء حليب لطفلتي الرضيعة، الوضع ميؤوس منه. أخرج كل يوم للبحث عن عمل، وأحظى دوما بنفس الجواب ‘لا نشغّل سوريين‘".

يضاف إلى ما سبق الحملات التحريضية التي تنشط من حين لآخر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تتناول بمعظمها السوريين في لبنان والدعوة إلى التخلص منهم. الأمر الذي يزيد من معاناة هذه الفئة الهشة في بلد يواجه أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، تهدد كافة مكوناته.


 

للمزيد