مركز تاجوراء. أرشيف\مهاجر نيوز
مركز تاجوراء. أرشيف\مهاجر نيوز

قاصر سوداني يبلغ من العمر 17 عاما، أمضى سنتين في ليبيا وحيدا حاول خلالهما الوصول إلى أوروبا ثلاث مرات وفشل. المراهق تعرض لشتى أنواع الضرب والتعذيب والرعب، إلا أن ذلك لم يثنيه عن التفكير بمحاولة الهجرة مجددا وتحقيق "حلمه الأوروبي".

عدنان*، مهاجر سوداني قاصر في ليبيا، يبلغ من العمر 17 عاما.

لعدنان قصة مع الهجرة واللجوء، بدأت في التشاد عام 2004، حين لجأ إليها مع عائلته هربا من أهوال الحرب في دارفور.

كبر عدنان وترعرع لدى عائلة مكونة من أم وخمسة أشقاء وشقيقات، فوالده توفي بعد وصولهم إلى التشاد بفترة ليست بطويلة. ذكرياته عن التشاد ممتزجة بين الفرح والحزن، فهو لم يعرف غيرها بلدا، ومع أنه وصل إليها طفلا صغيرا، إلا أنه لم يشعر قط أنها قد تكون بلاده.

يقول عدنان لمهاجر نيوز "منذ أن وصلنا إلى التشاد وأهلي يحاولون تأمين سفر لنا إلى أوروبا عبر المفوضية. تقدمنا بطلب إعادة توطين بعد وصولنا التشاد بمدة قصيرة. أهلي تابعوا الملف مرارا لكن دون فائدة. أود أن أقول أنه أتتنا الموافقة على إعادة التوطين، ولكنها بقيت حبرا على ورق".

بالنسبة للشاب، الحياة في مخيم للاجئين في تشاد لم تكن على قدر تطلعاته. فهو يريد الوصول إلى بلد يستطيع فيه تأسيس مستقبل أفضل، ومساعدة والدته ماديا.

"اتخذت قرار الهجرة على مضض، ففي النهاية ليس هناك من عاقل يختار هذا الطريق بعيدا عن أهله وهو سعيد"، ليضيف "مع كل توقعاتي واستعداداتي النفسية للمصاعب التي سأتعرض لها، إلا أن تجربتي في ليبيا فاقت كل التوقعات".

وصل عدنان إلى ليبيا بداية 2018، سريعا تمكن من إيجاد مهرب يضعه على متن قارب متوجه إلى أوروبا، ولكن الرياح جاءت معاكسة لأحلام المراهق السوداني، "مضى على وجودنا في البحر 24 ساعة، قبل أن يلحق بنا زورق لخفر السواحل الليبي. أعادونا إلى طرابلس بالقوة. هناك تعرضنا للضرب قبل أن يتم توزيعنا على مراكز الاحتجاز. أنا أرسلوني إلى مركز الزاوية، تعرفت على معنى السخرة هناك. كان حراس المركز يخرجونا كل صباح للعمل في المزارع. كنا نبدأ العمل عند السابعة صباحا، وفي غالب الأحيان لا ننتهي قبل العاشرة مساء. كل هذا كان مجانيا ويصاحبه الضرب والاعتداءات اللفظية".

عملية الهروب الأولى

بصوت مرتجف يشرح عدنان العذاب الذي تعرض له في الزاوية، ففضلا عن الضرب والمعاملة السيئة، كان يقيم في غرفة مع أكثر من 30 رجلا بالغا من جنسيات متعددة، جميعهم أفارقة. "الطعام كان مرة واحدة في اليوم، وهو عبارة عن معكرونة، المياه لم تكن صالحة للشرب، الحمامات لم تكن صالحة للاستخدام البشري. لم أعد أتحمل، فبالنسبة لمراهق بعمري حينها، كنت أرى حياتي تتهدم دون أن أتمكن من إنقاذ أي تفصيل منها".

للمزيد>>> في ليبيا.. تساؤلات حول مصير المهاجرين في مراكز الاحتجاز المكتظة

ويضيف "تلك ظروف غير مناسبة بتاتا للبشر، فما بالك بمراهق وحيد؟ أشك في أن أتمكن يوما ما من التخلص من الآثار النفسية التي أحملها من تلك التجربة".

بعد تسعة أشهر، تمكن عدنان ومهاجرون آخرون من الهرب، "أخرجونا كالمعتاد للعمل في المزارع، انتهزت فرصة التهاء الحرس عنا وهربت. أمضيت وأصدقائي بضعة أيام مشردين إلى أن وصلنا إلى طرابلس. هناك تعرفت على مجموعة من المهاجرين السودانيين، أسكنوني معهم".

بالنسبة لعدنان، كان لقاؤه بهؤلاء السودانيين فسحة أمل، فقد كان بحاجة ليحكي ما حصل معه لأشخاص مروا بنفس التجربة. "حظيت بالرعاية المناسبة من قبلهم".

توجه الشاب إلى مقر مفوضية اللاجئين في طرابلس يطلب اللجوء. وفقا له، لم يحظ بالاهتمام المرجو من قبل فريق العمل هناك. "قلت لهم إنني قاصر وإنني بحاجة للحماية. الجواب الوحيد الذي جاءني كان أن أنتظر منهم اتصالا. وحتى الآن لم يقوموا بشيء من أجلي".

المحاولة الثانية

في حزيران/يونيو 2019، قرر عدنان معاودة الكرة. تواصل مع مهربين، دفع 2700 دينار ليبي (نحو 1700 يورو) وتمكن من حجز مكان على أحد القوارب المتجهة إلى أوروبا.

"كما حصل في المرة الأولى، لحق بنا خفر السواحل الليبي وأعادونا إلى طرابلس. مباشرة أرسلونا إلى السجن هناك. أخرجونا بعد ثلاثة أشهر نتيجة اندلاع المعارك".

عمل عدنان في عدد من المؤسسات والمصالح الزراعية والصناعية، كان عرضة للتهكم والاستغلال بشكل دائم، "لم يكن أمامي حلول كثيرة، علي أن أعمل لأجمع المبلغ المطلوب للرحلة".

لم يشأ المراهق السوداني الخوض كثيرا بتجارب عمله في ليبيا، إلا أن مدى تأثره أثناء الحديث يعطي فكرة عن الأهوال التي يمكن أن يكون قد تعرض لها هناك.

إلى السجن مجددا

عاد عدنان إلى البحر. في 26 نيسان/أبريل الماضي، الذي وافق اليوم الثالث من شهر رمضان، انطلق برحلة على متن قارب باتجاه مالطا. "أبحرنا 48 ساعة. حسب نظام تحديد المواقع كنا في المياه المالطية. الفرحة لم تسعنا حينها، لم أصدق أنني بت قاب قوسين من تحقيق حلمي. بعد فترة رأينا زورقا يقترب منا بسرعة. فرحنا، اعتقدنا أنه خفر السواحل المالطي. المفاجأة كانت أنهم كانوا ليبيين. أطلقوا النار في الهواء وطلبوا منا الصعود إلى زورقهم. رفضنا، ارتفعت أصوات البكاء وصراخ الأطفال ولكن من دون فائدة. أجبرونا على الصعود معهم".

للمزيد>>> بعد مصرع خمسة مهاجرين.. تبرئة رئيس وزراء مالطا من تهمة القتل

عاد عدنان ومن معه من مهاجرين إلى طرابلس واليأس يسيطر على نفوسهم. أودعوا جميعا في سجن بالقرب من مدينة الزنتان. إلا أن قصة المراهق لم تنته هنا. "يوم 17 حزيران/يونيو الحالي، تمكنت أنا وصديقي من الهرب من السجن. مباشرة توجهت إلى طرابلس، ودون عناء كثير تعرفنا على مجموعة من المهاجرين السودانيين أسكنونا معهم. التجربة في الزنتان كانت الأقسى حتى الآن، الضرب كان يوميا، التهديد بالقتل والاغتصاب لا يفارق خيالي. كانوا يطالبوننا بالدفع من أجل إخلاء سبيلنا. كانوا يتصرفون وكأنهم منتشين تحت تأثير المخدرات. تلك أيام مرعبة لا أريد العودة لها أبدا".

يقبع عدنان الآن حبيس المنزل بسبب إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا في البلاد، إلا أنه لم يتوقف عن الحلم بتحقيق أمنياته. "أريد أن أذهب لأوروبا، لا أريد البقاء في الجحيم الليبي، ولا أريد العودة إلى التشاد. أريد حياة أفضل ومستقبلا آمنا. هل هذه الأمنيات صعبة المنال؟ هل من الممنوع علي وعلى أقراني أن نحلم بها؟".


 

للمزيد