مهاجرون في مخيمات كاليه. الصورة: مهدي شبيل
مهاجرون في مخيمات كاليه. الصورة: مهدي شبيل

ضغط الشرطة والتمييز العرقي والإخلاء اليومي وعدم الحصول على المياه وأدوات النظافة، هكذا يبدو الوضع في مدينة كاليه الساحلية شمال فرنسا. الظروف المعيشية تتدهور يوميا بالنسبة لمئات المهاجرين الذين يعيشون في مخيمات مؤقتة، آملين بأن تنجح محاولات عبورهم إلى المملكة المتحدة.

"مع نهاية الحجر الصحي وإعادة فتح الحدود الأوروبية، وصل العديد من الوافدين الجدد. ففي مدينة كاليه المقابلة للسواحل البريطانية بات يوجد حاليا 1200 مهاجر وهو ضعف عدد المهاجرين في المدينة مقارنة بالفترة نفسها من الصيف الماضي"، بالنسبة لمنسقة جمعية "يوتوبيا 56" في كاليه، يبدو أن أمامهم الكثير من العمل لاسيما هذا الصيف، عمل لن يخلو من التوتر.

في هذا الوقت من العام، عادة ما تتعاون الجمعية مع شركاء آخرين لجمع التبرعات والاحتياجات اللازمة للمهاجرين المشردين في الشارع، لكن "مع إلغاء النشاطات بسبب فيروس كورونا، سينفد كل شيء، وخاصة الخيام".

منذ تفكيك مخيم "الغابة" الضخم في عام 2016 حيث عاش هناك حوالي 9000 مهاجر، بات المهاجرون مشتتين في مخيمات عشوائية صغيرة على أطراف المدينة. ويقع اليوم المخيم الأكبر الذي يطلق عليه اسم "الغابة الكبرى" في منطقة صناعية قرب ميناء كاليه، يؤوي مئات الأشخاص، معظمهم من أصول سودانية وإريترية وأفغانية وإيرانية. ويوجد في تجمع آخر حوالي 200 أفغاني وإيراني، بالقرب من مستشفى المدينة، فيما نصبت مجموعة من الإريتريين خيما بالقرب من ملعب مجاور.

منظمة "خدمة شباب اللاجئين" غير الحكومية قدرت عدد القصر غير المصحوبين بذويهم في كاليه بحوالي 100 من أصل 1200 مهاجر متواجد في المنطقة.

مهاجرنيوز اتصل بمحافظة الشرطة، التي أكدت أن العدد الإجمالي للمهاجرين لا يتجاوز 750 ويعيشون بشكل رئيسي في المخيم الكبير، مشيرة إلى أن باقي المخيمات العشوائية "اختفت تقريبا".

نقص المياه وأكوام من القمامة والجرذان

مع قدوم فصل الصيف وموجات الحر الشديد وفيروس كورونا المستجد، لا تخفي الجمعيات قلقها إزاء الوضع الصحي. جولييت ديلابلاس، المسؤولة عن مشروع "Exiles de passage" على الساحل الشمالي في جمعية "الإغاثة الكاثوليكية" تقول إنه "لا توجد سوى نقطة مياه جارية واحدة فقط تقع في منطقة المخيم الكبير، بينما تقع المخيمات الأخرى على بعد عدة كيلومترات".

 وتضيف المسؤولة أن " النفايات تتراكم ولا يتم جمعها بشكل كاف. الجرذان تملأ المكان. والدولة من جهتها، تقدم كحد أقصى إمكانية الاستحمام لـ250 شخصا يوميا، وهذا لا يكفي بأي شكل لـ1200 مهاجر".

 المحافظة ردت بالقول إنها "عززت" الوصول إلى المياه منذ بداية الأزمة الصحية عبر "تركيب مراحيض وصنابير مياه في أربعة مواقع: نقطة مياه جديدة وثلاث خزانات مياه متحركة".

وأردفت بأنه يوجد "43 مرحاضا و51 صنبورا" مشيرة إلى أن "عدد الصنابير انخفض خلال أزمة كورونا لأسباب متعلقة بقواعد التباعد الاجتماعي" ولكن هذا النقص بحسب المحافظة "تم تعويضه عبر توزيع عدد كبير من أوعية المياه".

بالإضافة إلى ذلك، تتوفر حافلتان في شارع Huttes، خمسة أيام في الأسبوع لنقل المهاجرين "في مجموعات من 14 شخص كحد أقصى" للاستحمام.

و"يضمن وكلاء جمعية ’لافي أكتيف‘ تنظيفا كاملا ومنتظما للحمامات، لمنع مخاطر الإصابة بعدوى فيروس كورونا ولتجنب المشاكل المحتملة في النظام العام أثناء الإنتظار في الدور.

كما تتم الاستعانة بالشرطة" للمراقبة"، بحسب المحافظة التي أكدت أنها قدمت هذه الخدمة لحوالي 169 شخصا يوميا في شهر أيار/مايو الماضي.

الإخلاء اليومي وضغوط الشرطة والتمييز

"كل شيء منظم لمحاربة وجود أمامكن ثابتة، ولإثناء المهاجرين عن الاستقرار، بدءا من هذه الحمامات التي تقع على أطراف المدينة"، تقول جولييت ديلابلاس بأسف وتكمل "المشكلة الأساسية هي أن الحق في الحصول على سكن لا ينطبق إطلاقا على المهاجرين في كاليه. يطردون كل صباح، ويشعرون بأنهم يتعرضون لمعاملة سيئة ومضايقة من قبل الشرطة".

وتؤكد ديلابلاس على أنه في كل مرة يتم فيها إخلاء المهاجرين من الخيام، يتم الاستيلاء على البطانيات وحتى على أوراق المهاجرين الشخصية، "بدأ صانعو الملابس من جمعيتنا حياكة جيوب صغيرة من القماش حتى يتمكن المنفيون من الاحتفاظ بوثائقهم معهم في كل لحظة، ليس من الطبيعي أن نصل إلى هذا الوضع!".

خارج المخيمات، الوضع متوتر بنفس القدر، وفقا للجمعيات التي تدين المراقبة الأمنية والتمييز العرقي الذي يحصل أحيانا في حافلات المدينة، ونشرت هذه الجمعيات مقاطع فيديو تدعم هذه المزاعم.

 في الأسابيع الأخيرة، قال العديد من المهاجرين إن حافلات المدينة لم تعد تتوقف عند المحطات القريبة من المخيمات ولا حتى عند المحطات التي يقف عندها أصحاب البشرة السوداء.

"حينما طرحنا السؤال، قال مدير شركة حافلات أوبال كاليه، إن المنفيين يُسمح لهم بركوب الحافلات. لكن بمجرد دخولهم، أخبرنا العديد منهم أنهم يُجبرون على النزول بداعي التحقق الأمني". 

تعلّق جولييت ديلابلاس على هذا الأمر بسخط "إنه لا يطاق".




يتضاعف الضغط، خاصة على المهاجرين غير الشرعيين، الذين لا يمتلكون أوراق إقامة أو الذين رُفضت طلبات لجوئهم بسبب اتفاقية دبلن، خاصة بعد إعادة فتح مركز الاحتجاز الإداري (CRA) منذ أكثر من أسبوع بعد أن كان مغلقا أثناء أجراءات الحجر الصحي ومكافحة كورونا.

 الناشط سيلوي من جمعية "يوتوبيا 56" وصف الوضع بأنه "متفجر" وأضاف "شهدنا الأسبوع الماضي، إرسال 34 شخصا إلى مركز الاحتجاز في غضون ثلاثة أيام فقط.

 ويضيف أمر كهذا ضغطا إضافيا على المهاجرين، إذ يتم إخلاؤهم من مخيماتهم كل يوم وتصادر السلطات أمتعتهم الشخصية، كما تضع السلطات المزيد من الأسلاك الشائكة خاصة حول ‘الغابة الكبيرة ما يؤدي إلى تقييد المساحة وخلق حروب في بعض الأحيان بين مجتمعات المهاجرين المختلفة".




"عدد المهاجرين أقل بـ15 مرة مقارنة بمخيم الغابة القديم"

تؤكد المحافظة  أن وتيرة الإخلاء متسارعة "بدأت الدولة، منذ يوم الجمعة 3 نيسان/أبريل، 24 عملية متتالية لإيواء المهاجرين في كاليه".

الهدف المعلن هو "رعاية السكان المشردين لأسباب إنسانية، حيث يتسبب وجودهم في بعض مناطق كاليه بمشاكل خطيرة على الصحة العامة والهدوء العام. ويأتي ذلك أيضا لوقف انتشار فيروس كورونا من أجل حماية الجميع"، وتقول المحافظة إن 617 مهاجرا "قد تم إيواؤهم" منذ بدء هذه العمليات في ستة مراكز في المنطقة.

بالإضافة إلى عمليات الإيواء المعلنة كجزء من الأزمة الصحية، تشير المحافظة إلى أنها تواصل أيضا عمليات الإخلاء التي تتم بشكل يومي تقريبا وبعلم الجميع، تحت سلطة المدعي العام في بولون سور مير.

 "إن الهدف من هذه العمليات هو وضع حد للإقامة غير القانونية وتجنب إعادة تشكيل المناطق الخارجة عن القانون والمخيمات غير الصحية التي ستتحول بسرعة إلى أحياء فقيرة. وخلال هذه العمليات، وبناء على رغبة المهاجرين، يمكن نقلهم إلى مراكز الاستقبال وفحص وضعهم القانوني".

 منذ افتتاح هذه المراكز في آب/أغسطس 2017، تمت رعاية 4,797 مهاجرا في كاليه بعد إخلائهم. وبالتالي، تحدد المحافظة عدد المهاجرين الموجودين في المدينة الآن "بأنه أقل بـ15مرة مما كان عليه خلال فترة مخيم لاندي" المعروف باسم "غابة كاليه".

الأرقام الرسمية لا ترضي بأي شكل الجمعيات المحلية، التي أشارت إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين الموجودين في كاليه يخططون للذهاب إلى المملكة المتحدة، ويرون ذلك على أنه "مشروع حياتهم"، فتفكيك المخيمات اليومي وضغط الشرطة لم يوقف تدفق الوافدين إلى هذه المنطقة.

وختمت جولييت ديلابلاس قائلة "في كاليه، من الواضح أن انتهاكات حقوق الإنسان مستمرة وكأنها ستصبح أمرا طبيعيا  وبما أن السلطات المحلية والوطنية لا تفعل شيئاً حيال الأمر فإنها بشكل أو بآخر تحافظ على هذا الوضع المتدهور".

 

للمزيد