العمال في ألمانيا- أرشيف
العمال في ألمانيا- أرشيف

تراجع كوفيد-19 في ألمانيا وعادت أغلبية القطاعات للعمل. لكن تداعيات الجائحة لم تتوقف بعد، فقد تسبّبت في ارتفاع البطالة بألمانيا إلى مستوى قياسي لم يحدث منذ 29 عاما، وبين المتضررين الرئيسيين، يوجد اللاجئون والعمال المهاجرون الذين ارتفع طلبهم على الإعانات الاجتماعية.

لم يمر أوج جائحة كورونا دون تأثير على اللاجئين والعمال المهاجرين في ألمانيا، إذ تبيّن بيانات الوكالة العمل الاتحادية (BA) أن نسبة البطالة بين من لا يحملون الجواز الألماني ارتفعت إلى 24 في المئة، أي حوالي 840 ألف عاطل عن العمل، وذلك في الفترة ما بين مارس/آذار ومايو/آيار وفق ما نشرته صحيفة "فيلت أم زونتاغ".

التأثير السلبي يشمل المواطنين الألمان أيضا، لكن النسبة لم تتجاوز 19 في المئة، ما أوصل عددهم إلى 1٫9 مليون، في بلد يصل عدد سكانه إلى 83.2 مليون حسب إحصاء 2019.

وتبين أرقام وكالة العمل، التي نقلها كذلك موقع مجلة "فوكيس" أن العاطلين غير الألمان ينحدرون من البلدان الأكثر تصديراً للاجئين في ألمانيا، وهي سوريا والعراق وإيران وأفغانستان وإريتيريا ونيجيريا والصومال وباكستان، إذ تصل نسبة البطالة بينهم إلى 23 في المئة خلال الفترة ذاتها، بحوالي 272 ألف عاطل.

وتأثر اللاجئون والعمال المهاجرون سلباً خلال هذه الفترة أكثر من غيرهم لأنهم يعملون غالباً في قطاعات اقتصادية تضرّرت بشكل واسع خلال جائحة كورونا، كما تأثروا كذلك لاشتغال الكثير منهم في أعمال لا تحتاج تكوينا خاصاً أو مهارات خاصة، ما جعل من السهل الاستغناء عنهم، خاصة أن منهم من يعملون لبضع ساعات في اليوم وفق عقود محدودة أو حتى دون عقود كما بينت ذلك عدة تقارير من داخل البلاد.

ويرى د. إبراهيم محمد، الخبير الاقتصادي في الشأن الألماني، أن التأثير كان في البداية قاسيًا جدًا خاصة في القطاعات الخدماتية كالمطاعم والحلاقة والسياحة والمقاهي، وهي القطاعات التي يتوجه لها عادة الأجانب في ألمانيا أو ذوي الأصول الأجنبية.

ولا تزال هذه الأعمال بحاجة إلى عدة أشهر حتى تتحسن، لكن وضعها يبقى أفضل من أوضاع قطاعات تقليدية كصناعة السيارات والتجهيزات التي تأثرت بشكل أكبر، وهي قطاعات لا يتجه إليها الأجانب بالدرجة الأولى حسب الخبير ذاته.

ارتفاع الإعانات

يعمل حوالي 63 في المئة من الألمان في قطاعات تقتطع منهم مساهمات التأمين الاجتماعي التي يستردون جزءًا مُهما منها حال فقدانهم العمل، لكن نسبة من يدفعونها بين العمال المهاجرين لا تتجاوز 46 في المئة، وتنخفض النسبة للقادمين من بلدان اللجوء الثمانية المذكورة آنفًا إلى 30 بالمئة، وفق ما تنقله معطيات مجلة "فوكيس".

هذه النسبة القليلة تحتّم على هؤلاء المهاجرين الاستفادة فقط من إعانة البطالة 2 التي تعرف بـ "هارتس4"، وهي إعانة تقدمها دوائر الإعانة "جوب سنتر". في حين أن إعانة البطالة 1 تدفعها الوكالة الاتحادية للعمل للعاطل عن العمل بناءً على الأقساط الشهرية التي يدفعها العامل طوال مدة عمله، والتي تصل إلى 60 في المئة من الأجر الأصلي، ويمكنها أن تستمر لسنتين حتى يجد العاطل عملا. بينما النوع الثاني "هارتس4" فهي لتأمين الحاجيات الأساسية للمستفيد منها في الحدود الأدنى، وتعطى لمن لا يعملون أو لا تكفيهم رواتبهم.

     424         2019
وتشير معطيات وكالات العمل لشهر فبراير/شباط، أن 6 في المئة من الألمان حصلوا على إعانات "هارتس4"، بينما ارتفعت النسبة إلى 19 في المئة لغير الألمان. يحدث ذلك في شهر سجّل أسوأ رقم بطالة في ألمانيا منذ 1991، إذ بلغت حينها 13٫2 في المئة.

غير أن ارتفاع نسبة البطالة بشكل كبير بين المهاجرين مؤقتا لا يعني استمرارها على المدى الطويل، فنسبة انتشار كورونا تراجعت، وأوروبا عامة تظهر اليوم أكثر استعدادا لمواجهة أيّ موجة ثانية قادمة من الوباء. ويضيف د. إبراهيم محمد عاملاً آخر يخصّ نسبة المتقاعدين المرتفعة (يمثلون أكثر من ربع السكان)، بل سيرتفع رقمهم في السنوات القادمة (لأسباب كثيرة منها ضعف عدد الولادات)، وبالتالي ستستمر الحاجة للعمالة الشابة، ومنها المهاجرة، حسب تأكيداته، شريطة الاستفادة من التأهيل المهني وإتقان الألمانية والاندماج في المجتمع.

جذب العمالة المتخصصة مستمر

بيدَ أن كورونا لم تكن كارثة على كل المهاجرين، فولايتان ألمانيتان على الأقل، فتحتا المجال أمام الأطباء المهاجرين، غير الحاصلين بعد على ترخيص العمل في ألمانيا، للمساعدة في مواجهة الجائحة في المستشفيات. كما أدى تراجع اليد العاملة في المزارع بسبب إغلاق الحدود إلى سماح وزارة الزراعة الألمانية لطالبي اللجوء والمهاجرين من خارج الاتحاد إلى العمل في مجال الحصاد، رغم عدم توفرهم المسبق على ترخيص بالعمل.

كما لم تأت أيّ إشارة تفيد بتراجع الحكومة الألمانية عن قانون الكفاءات المهنية الذي ترغب من خلاله بجذب العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو قانون دخل حيز التنفيذ في فبراير/ شباط الماضي، لكن إغلاق المجال الجوي أدى إلى تجميد المشروع مؤقتًا.

ويؤكد إبراهيم محمد أن حاجة ألمانيا للعمالة المتخصصة كبيرة، وبمجرد ما ستعود الحركة الجوية الدولية سيتم استئناف البرنامج مع كل المزايا التي وعدت بها الحكومة الألمانية. وهناك قطاعات تحظى بأهمية واسعة كتلك المرتبطة بالإنترنت والتكنولوجيات الحديثة، وستحظى بأهمية خاصة في عصر ما بعد كورونا (الذي شجع على العمل عن بعد)، ما يمثل فرصا كبيرة للعاملين في هذه القطاعات، وفق قوله.


 

للمزيد