يخشى أغلب السوريين التعبير عن رأيهم والحديث مع وسائل الإعلام عن سياسات تركيا وتدخلاتها في العالم العربي
يخشى أغلب السوريين التعبير عن رأيهم والحديث مع وسائل الإعلام عن سياسات تركيا وتدخلاتها في العالم العربي

قد يعتقد البعض أن مواقف السوريين المقيمين حاليا في تركيا تجاه الدولة المستضيفة تتراوح ما بين أقصى درجات الامتنان على الضيافة والمعارضة الشديدة لبعض سياساتها. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فسياسات تركيا الخارجية والداخلية لها انعكاسات كبيرة عليهم ما يتسبب في "ضغوط نفسية" و"إحراج وإضعاف للقضية السورية"، حسب تعبيرهم. مهاجر نيوز حاور سوريين مقيمين في تركيا للتعرف على موقفهم من التدخلات التركية في العالم العربي.

"شيء جميل على الصعيد الإنساني أن يفتح لك أحدهم أبواب بيته" هكذا وصف السوري م.أ. المقيم في تركيا منذ عام 2012 لمهاجر نيوز مشاعره تجاه تركيا، ولكنه أكد على أن "النظام التركي شيء والشعب شيء ثان". فبالنسبة للسياسات التركية الخارجية تجاه العالم العربي، يعتبر الشاب السوري الدور التركي سواء في بلاده أو مؤخرا في ليبيا "تدخلا ذو طابع ديني ومذهبي".

وفي حالة تدخل مصر عسكريا في ليبيا، يتوقع م.أ. "تأييد غالبية" العرب لها في مواجهة تركيا حيث يقول: "مصر بغض النظر عمن يحكمها تبقى لها مكانة في المشاعر القومية، أو كما تربينا عليه في عهد حزب البعث في سوريا".

أما محمد، والذي فضل عدم ذكر اسمه الحقيقي، فيرى أنه من الخطأ "القياس العاطفي للسياسات التركية في العالم العربي" ويقول: "ليس من المعقول أن تقف دولة موقف المتفرج مما تعتبره تهديدا لأمنها القومي، وعليه فإنها واحدة من الدول الكثيرة التي تتدخل وفق ما تعتبره هي مصالحها المشروعة ويعتبره الآخرون أطماعا".

إلا أن محمد المقيم في تركيا منذ عام 2013 يتفق مع م.أ. في التفريق بين سياسات الدولة التركية وشعبها، إذ ليس من الضروري أن تعبر السياسة الخارجية لتركيا عن موقف الشعب التركي نفسه من المهاجرين السوريين.

ويصل عدد السوريين المقيمين حاليا في تركيا لحوالي أربعة ملايين شخص، وفقا للحكومة التركية ومنظمات متعددة من ضمنها مؤسسات تابعة لمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين.

 "احتلال للعقل وعقلية أمنية"

صحيح أن م.ا. ومحمد عبروا عن رأيهم تجاه سياسة تركيا الخارجية شرط عدم كشفنا عن هويتهم، لكن العديدين غيرهم اعتذروا عن ذلك. حيث يخافون من التعبير صراحة عن رأيهم والحديث لوسائل الإعلام عن سياسات تركيا تجاه العالم العربي.

وفي حوار أجراه مهاجر نيوز مع الصحفي والمتخصص بملف المهاجريين السوريين في تركيا، أحمد العقدة، يقول إن سبب عدم قدرة الكثير من السوريين على انتقاد السياسات التركية أو المطالبة بحقوقه، هو "احتلال للعقل وعقلية أمنية نمت بعد سنوات طويلة من العيش في بلاد مستبدة".

كما أرجع مشاعر الخوف أيضا لشعور السوري بكونه ضيفا في تركيا وإنها لن تكون بلده، على حد تعبيره، فضلا عن إشارته إلى "حملات تنمر وخطابات كراهية تظهر من حين لآخر ضد السوريين في تركيا".

ولكن الصحفي السوري المقيم في تركيا منذ سبع سنوات يؤكد على عدم تعرضه بشكل شخصي للإزعاج بسبب انتقاده علنا لعدد من السياسات والقرارات التركية المتعلقة باللاجئين والمهاجرين السوريين.

لاجئون سوريون في تركيا

التدخل في ليبيا "يحرج السوريين"!

أما مديرة جمعية مدد المتخصصة بشؤون المهاجرين والمرأة والطفل في تركيا، غصون الحاج حسن، فترى أن سياسات الدولة التركية "لا ترتبط بشكل رئيسي بملف السوريين الموجودين على أرضيها" لكنها لا تنفي استخدامه كأداة في بعض الأحيان.

وتقول غصون لمهاجر نيوز إن "الربط بين السياسات الخارجية التركية والسوريين إذا حدث يكون بسبب الصراع بين الأحزاب التركية، إذ يتم استخدام ملف السوريين للهجوم على حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا".

وبينما ترى مديرة الجمعية المتخصصة بشؤون المهاجرين في تركيا، أن مشاركة سوريين بالقتال في ليبيا يتم "بدافع الحاجة للمال أولا والرغبة في الوقوف لجانب تركيا ثانيا". يصف الصحفي المتخصص في ملف اللاجئين السوريين بتركيا أحمد العقدة السياسات الخارجية التركية المتعلقة بليبيا بأنها "تحرج السوريين وتؤثر بالسلب على عدالة القضية السورية".

ويقول العقدة: "تركيا تتدخل بفصائل سورية وحولت السوريين لمرتزقة، كما تصفهم وسائل الإعلام، وإن كان لدى السوريين مشكلة مع التدخل الخارجي في شؤونهم، فكيف للسوري الآن القيام بنفس الشيء في ليبيا؟".

"ضغوط نفسية على الضيوف في تركيا"

ومع وصول عدد السوريين المسجلين حاليا في تركيا لأربعة ملايين، تؤكد مديرة جمعية مدد المتخصصة بشؤون المهاجرين والمرأة والطفل في تركيا، غصون الحاج حسن، بأنه لا يمكن الحديث عن كل هؤلاء باعتبارهم "متأثرين فقط بالسياسات التركية في ليبيا حيث أن معاناة الشريحة الأكبر من السوريين في تركيا أسبابها اجتماعية وليست سياسية بالدرجة الأولى"، على حد قولها".

ومع بدء نزوح السوريين إلى تركيا عام 2011، كان يُطلق إعلاميا على كل من أقام منهم في تركيا لقب "الضيف" حيث لا تمنح تركيا حق اللجوء، إلى أن أقرت الحكومة التركية لاحقا "قانون الحماية المؤقتة".

وبالإضافة للحق في البقاء في تركيا والحماية من العودة القسرية إلى سوريا، يضمن نظام الحماية المؤقتة للسوريين الحصول على "الخدمات الصحية والتعليمية والمساعدة الاجتماعية والدعم النفسي والوصول إلى سوق العمل"، وفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ويرى العقدة أنه يجب الإشارة إلى ما يتسبب فيه عدم تمتع السوريين بحقوق اللاجئين في تركيا من "ضغوط نفسية" على الكثيرين منهم، وخاصة بعد تفشي فيروس كورونا. ويقول العقدة: "يحتاج السوريون للعمل ليلا ونهارا وليس لدى أي منهم رفاهية التوقف، فهم إن لم يعملوا ربما يموتون حقيقة جوعا في ظل غياب الدعم المالي من جانب الدولة التركية، مع وجود العديد من الالتزامات المالية على عاتق السوريين من دفع إيجار السكن وتسديد الفواتير وتلبية الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب".

وبالعودة إلى م.ا.، السوري المقيم في تركيا منذ عام 2012، فهو يشعر بترحيب بالسوريين من جانب بعض الأتراك ورفض من جانب آخرين، ولكنه يذكر دائما المشاعر الإيجابية التي تعامل بها عدد من الأتراك معه وما خلفه ذلك من آثر طيب بنفسه، على حد وصفه. 

أما محمد، والذي فضل عدم ذكر اسمه الحقيقي، فكان أقل عاطفية وأكثر عقلانية حيث يؤمن بضرورة "العمل على تنظيم اللاجئين في جاليات ومنظمات مجتمع مدني للحؤول دون استخدامهم كورقة ضغط في لعبة الأمم".

 

للمزيد