Migranten
Migranten

العيش بدون أوراق رسمية وإقامة في ألمانيا يعني العيش في خوف دائم ومعاناة لا تنتهي مع تأمين لقمة العيش. معاناة تفاقمت في ظل أزمة وباء كورونا. فكيف يعيش المهاجرون السرِّيون اليوم في ألمانيا؟

بعد اجتيازه رحلة محفوفة بالمخاطر من تركيا إلى اليونان، وثق أدق تفاصيلها في مذكراته اليومية، بدأ رحلة أخرى مليئة بالمعاناة والخوف في ألمانياهذا ما مر به المهاجر المغربي خالد (اسم مستعار)، الذي وبعد أن ظن أنه وصل بر الأمان، ازدادت معاناته في ظل أزمة جائحة كورونا وبسبب وضعه القانوني.

فكرة الهجرة لم تخطر على بال الشاب المغربي، إلا بعد أن طرق جميع الأبواب في بلده ووجدها موصدة في وجهه، حسبما روى تجربته لمهاجر نيوز وقال "بعدما أنهيت تعليمي، كنت أتوقع الحصول على فرصة عمل جيدة، ولكن الواقع في بلدي كان عكس التوقعات والأحلام. سعيت للبحث عن فرصة عمل في مجالات مختلفة لكن من دون جدوى. وبعدما رأيت أن سنوات عمري تمر وأنا لازلت في مكاني، قررت الهجرة“. بعد ثلاث محاولات فاشلة للوصول إلى الضفة الأخرى للبحر المتوس؛ عبر قوارب الهجرة السرية، انطلق خالد رفقة شبان مغاربة آخرين في رحلة من تركيا نحو اليونان باتجاه أوروبا. بعد قضاء مدة في أحد السجون في رومانيا، تم ترحيله إلى أحد مراكز إيواء اللاجئين في ألمانيا الشرقية، وبعد مدة وجيزة هناك قرر مغادرته خوفاً من الترحيل.

كورونا حرمهم لقمة العيش

يضطر الأشخاص المقيمون في ألمانيا بدون أوراق رسمية وإقامة نظامية إلى قبول أي عمل يعرض عليهم. وهو ما حدث مع الشاب المغربي الذي قبل العمل في ظروف "غير إنسانية" بسبب وضعه القانوني، إذ "لم يكن لي خيار آخر سوى القبول بالعمل لساعات طويلة دون توقف وفي ظروف جد قاسية". بعد أزمة كورونا، فقد عمله وعاش ظروفاً مادية صعبة، إلى أن عطفت عليه سيدة بعد معرفتها بوضعه من خلال عمله في منزلها مقابل الحصول على المال والطعام. يفكر خالد حاليا في مغادرة ألمانيا بحثاً عن لقمة عيش كريمة في بلد آخر، ويختم حديثه لمهاجر ينوز بأنه لم يأت إلى ألمانيا "من أجل بيع المخدرات أو السرقة. لا أريد الحصول على المساعدات الاجتماعية، أريد كسب قوت يومي من عرق جبيني ومساعدة عائلتي في المغرب".

أما الشاب الجزائري نور الدين وبعد رفض طلب لجوئه، غادر مركز إيواء اللاجئين خوفاً من ترحيله، وهنا أصبح وضعه أكثر تعقيداً، كما يقول وبات يفكر "في تأمين المأكل والمكسن ولا يوجد طريق سوى العمل بشكل غير قانوني أي العمل بالأسود. وهو أمر صعب على فئة الشباب الذين لا يلجأون إلى السرقة ولا يخلو من كافة أنواع الاستغلال“. ومع بداية أزمة كورونا أصبح الوضع أكثر تعقيدا بالنسبة للشاب الجزائري، الذي يقول إن "الأزمة طالت ألمان ومهاجرين يحملون أوراق إقامة، فما بالك بنا نحن؟!" وهو ما يقلقه كثيرا.

picture-alliance/ROPI/Sea Watch/N. Jaussi | رغم المخاطر الكبيرة يستمر المهاجرون في المغامرة بحياتهم للوصول إلى البلد الأوربي الذي يحلمون به
إضافة إلى الوضع المادي، فاقمت إجراءات الوقاية وقواعد التباعد الاجتماعي من خوف المهاجرين السريين، كما يقول المهاجر الجزائري، فقد "أصبح الخوف ملازما لنا خلال هذه الأزمة، إذ يمكن أن يعرضك إهمال ارتداء الكمامة أو خرق قواعد التباعد الاجتماعي في الشارع إلى كشف أمرك و الترحيل في نهاية المطاف". خلال هذه الأزمة يلجأ نور الدين إلى بعض الجمعيات الألمانية التي تقدم المساعدات الغذائية، لكن الكثير من المهاجرين السريين لا يستطيعون طلب أي شكل من أشكال المساعدة بسبب الخوف.

أشباح في المجتمع

هناك جمعيات ألمانية تهتم بحالة المهاجرين الجدد المقيمين بصفة غير شرعية. هذه الجمعيات الألمانية تساعدهم في الحصول على مأوى وتقوم بتقديم خدمات صحية وإرشادات قانونية لهم. ويرى الخبير والناشط الاجتماعي، سامي شرشيرة، أن المهاجرين الجدد من الشباب المغربي المقيمين بصفة غير شرعية، قليلا ما يستفيدون من هذه الخدمات. وقال في حوار له مع مهاجر نيوز "هؤلاء الشباب يعيشون في أغلب الأحيان مثل أشباح في المجتمع. لا يعرفون هذه الخدمات و ليس لهم دراية موسعة بالنسيج الجمعوي للمساعدات الإجتماعية في ألمانيا ولا يمتلكون ما يكفي من اللغة للتواصل والحصول على المعلومات الكافية“.

الشاب الجزائري يوسف (اسم مستعار) هو واحد من المهاجرين السريين في ألمانيا الذين لا يمتلكون المعلومات الكافية حول الجهات التي يمكن أن تقدم لهم المساعدة أو أنهم لا يلجأون إليها بسبب خوفهم من الترحيل، خاصة وأنه مر بتجربة سابقة. فبعد ترحيله من ألمانيا إلى الجزائر، عاد الشاب الجزائري إلى ألمانيا قبل شهر فقط وذلك بعد رحلة معاناة دامت 45 يوماً مشياً ليل نهار، كما حكى تفاصليها لمهاجر نيوز. الآن يتقاسم يوسف مثل باقي المهاجرين السريين في ألمانيا المعاناة نفسها، لكن المرض هو من بين أكثر الأمور التي تقلقه "لو أصابني مرض أو شيء من هذا القبيل لا استطيع الحصول على العلاج دائما. الخوف أصبح ملازما لي في كل مكان عند المرور من أمام الشرطة، عند ركوب القطارات والحافلات. أصبحت أعيش تحت ضغوطات نفسية وقلة النوم وتفكير دائم بما قد يخبئه الغد لي".

صورة البلدان الأصلية

لا يزال الكثير من الشبان المغاربيين ينوون محاولة الوصول إلى أوروبا، على أمل الحصول على فرص أفضل. في عام 2019 تم احباط حوالي 74 ألف محاولة هجرة غير شرعية كانت متوجهة إلى إسبانيا، بحسب السلطات المغربية .ولا يختلف الوضع كثيراً في تونس. فقد تضاعفت أعداد رحلات الهجرة المنطلقة من سواحلها أربع مرات في الأشهر الخمس الأولى من العام الجاري، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات المفوضية السامية للاجئينوفي نهاية أيارمايو الماضي، أعلنت إسبانيا عن استقبال 1700مهاجر جزائري على أراضيها منذ بداية العام، مقابل مائة مهاجر فقط في الفترة ذاتها من العام الماضي.

دورجمعيات الجاليات مهم بالنسبة للمهاجرين الذين يتواجدون بصفة غير شرعية في ألمانيا، حسب الخبير الاحتماعي، سامي شرشيرة. لكنه يرى أنه ورغم التواجد الكبير لها، إلا أنها لا تقدم ما يكفي من خدمات لهذه الفئة من المهاجرين، وذلك لعدة أسباب منها "ضعف التنسيق بين الجمعيات المغاربية لأسباب متعددة. مثلا لأن النسيج الجمعوي للجالية الجزائرية أو الليبية في ألمانيا غير متكافئ مع نظيره للجاليات المغربية والتونسية من حيث العدد والتواجد في الميدان والموارد المتوفرة الخ.. ثانياً لأن هناك خلل في ثقافة التواصل والتنسيق بين الجمعيات المغاربية على أساس أنهم يعانون تقريباً من نفس المشاكل ويواجهون نفس التحديات".

لكن ورغم أن النسيج الجمعوي المغربي في ألمانيا كبير من ناحية العدد، فإنه وفي نفس الوقت ضئيل من ناحية الفعالية والتأثير ورصيد الخدمات التي يقدمها لهذه الفئة، حسب شرشيرة الذي يرى الناشط أن دور هذه الجمعيات يساهم بشكل مباشر في رسم صورة المغرب عامة والجالية المغربية في ألمانيا خاصة، وأن غياب هذا الدور يضر بصورة البلد الأصلي بالدرجة الأولى، ويضيف بأنه "إذا لم تحصل هذه الفئة (المهاجرين السريين) على المساعدات الضرورية، فلا مفر لها من أن تنساق إلى الجريمة لتضمن عيشها. وهنا تكون قد انساقت إلى دوامة عواقب قانونية واجتماعية وخيمة لهؤلاء المهاجرين الجدد وعواقب إعلامية مستدامة للمغرب والمغاربة في ألمانيا“.

 

للمزيد