مهربون ينقلون مهاجرين بواسطة شاحنة إلى سجن في جنوب غرب اليمن
مهربون ينقلون مهاجرين بواسطة شاحنة إلى سجن في جنوب غرب اليمن

آلاف المهاجرين الأفارقة عالقون في اليمن ويتعرضون لمخاطر عديدة في البلد الذي يعاني من أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وإلى جانب تعرضهم للعنف والاستغلال والابتزاز من قبل المهربين، تزيد أزمة كورونا من معاناتهم، لدرجة أن كثيرين منهم يريدون العودة إلى بلدانهم.

"في اليوم الأول قدموا لي الطعام، ثم لا شيء بعد ذلك. كانوا يضربونني بالكبل حتى أرسلت عائلتي 900 دولار، فتركوني في حال سبيلي"، هكذا يقول سامي، وهو واحد من آلاف الشباب الذين غادروا بلادهم في القرن الأفريقي على أمل الوصول إلى السعودية للعمل. لكن سامي (21 عاماً) لايزال عالقاً في اليمن مع آلاف المهاجرين الآخرين.

وعلى الرغم من الصراع والأزمة الإنسانية في اليمن، لايزال المهاجرون يتخذونه طريق عبور للوصول إلى دول الخليج، ففي العام الماضي وصل إليه أكثر من 138 ألف مهاجر قادمين من دول شرق أفريقيا على متن قوارب، وهذا العدد يتجاوز عدد المهاجرين الذين عبروا البحر المتوسط في نفس الفترة. أغلبية أولئك المهاجرين يفرون من حياة البؤس والاضطهاد في إثيوبيا والصومال.

سامي غادر بلده إثيوبيا بعدما أنهى الصف الثامن في المدرسة. حدّثه أحد المهربين ذات يوم عن السعودية ووعده بالحصول على عمل فيها بأجر جيد، كما يقول سامي لموقع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويضيف: "اتفقنا على أن يأخذني إلى هناك مقابل 300 دولار، دون أن أدفع له أي شيء مسبقا". لكن سامي يوضح كيف تحولت القصة إلى كابوس، ويتابع: "مشينا لمدة 15 يوماً من إثيوبيا إلى البحر في جيبوتي، ولم يكن معنا سوى القليل من الطعام". في بعض الأحيان كان المهرب يعطيهم الخبز فقط، لكن أحد أفراد المجموعة التي كان سامي ضمنها مات من الجوع والعطش، كما يقول.
في جيبوتي، طالب المهرب سامي بدفع المبلغ المتفق عليه (300 دولار) قبل السماح له بدخول القارب المتوجه إلى اليمن، كما يروي سامي، ويتابع: "بعد أن دفعنا المبلغ، أخبرنا أن نركب القارب، وعندما وصلنا إلى اليمن أخذنا أحد المهربين إلى مكان مهجور وبدأ يضربنا"، ويضيف: "ارتعبت عندما رأيت كيف يهددون الناس بالأسلحة ويضربونهم. كنت أرجو ألا أعاني مثلهم".
لكن سامي تعرض للتعذيب على أيدي المهربين حتى دفعت عائلته فدية الإفراج عنه. بعد ذلك قضى شهراً ليصل إلى مدينة عدن، متسولًا لدى المطاعم للحصول على الطعام والماء. وحتى يتمكن من إيجاد طريقة للعودة إلى بلده، يقول إنه سيغسل السيارات أو يقوم بأي عمل يجده.
مهاجر في مبنى مهجور في مدينة عدن
الكفاح من أجل البقاء
يعيش ديريج (اسم مستعار) أيضًا في عدن. عندما يريد النوم ليلاً، يصنع سريراً على قارعة الطريق من الورق المقوى. يقول ديريج إنه ليس من السهل الاستلقاء على الرصيف فوق التراب وتحت المطر، ويضيف: "في بعض الأحيان يأتي الناس ويركلوننا أو يضربوننا بالعصي بينما نحاول النوم". عندما وصل إلى اليمن، احتجز المهربون ديريج لما يقرب من الشهرين وقاموا بتعذيبه وطالبوا عائلته في إثيوبيا بدفع فدية لإطلاق سراحه. وفي وقت لاحق تم نقله قسراً من العاصمة صنعاء إلى عدن على الساحل الجنوبي.

"كلنا نريد العودة إلى الوطن"
واليوم يعيش ديريج على مساعدات من السكان والسلطات المحلية والمنظمة الدولية للهجرة. يقول الشاب الإثيوبي: "هاتفي وأموالي وملابسي وأحذيتي سُرقت ليلاً، لكن اليمنيين يمنحوننا المال لشراء الطعام والماء"، مضيفاً: "جميعنا نريد العودة إلى منازلنا".
وقد أدلى عدد كبير من المهاجرين مثل سامي وديريج بشهاداتهم للمنظمة الدولية للهجرة ومنظمات حقوق الإنسان، موضحين كيف تم اختطافهم وضربهم وإساءة معاملتهم من قبل المهربين الذين يقومون بابتزاز عوائل المهاجرين أيضاً. ومع عدم إمكانية مواصلة الرحلة إلى السعودية، فإن ما لا يقل عن 14500 مهاجر عالقون في اليمن، ويكافحون من أجل البقاء في المدن الكبرى. كما أن بعضهم عالقون بالقرب من الحدود السعودية، ويختبئون في الجبال خوفاً من اعتقالهم من قبل قوات الأمن.

أزمة كورونا تعمق معاناة المهاجرين
الظروف المعيشية في اليمن بائسة حتى بالنسبة لليمنيين أنفسهم، إذ يفتقر 60% من الناس إلى إمكانية الوصول إلى مياه الشرب، كما أن نصف المرافق العامة فقط تعمل كما يجب. وهذه الظروف البائسة تزيد من خطر أزمة كورونا في اليمن. ومن المتوقع، بحسب تقديرات منظمات دولية، أن يصاب أكثر من نصف سكان اليمن بالفيروس، كما تتوقع المنظمة الدولية للهجرة أن يموت 42 ألف شخص في اليمن جراء كورونا.
أزمة كورونا أثرت على المهاجرين في اليمن من عدة جوانب، إذ أدت إلى إغلاق الدول حدودها، ما حال دون وصول المهاجرين إلى دول الخليج أو عودتهم إلى بلدانهم. 
والمهاجرون الذين ما زالوا عالقين في اليمن والذين ينامون في العراء، مثل ديريج، أكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس، كما أنهم أكثر عرضة للاستغلال من قبل المهربين، وفقاً لكريستا روتنشتاينر، رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن.
وتضيف روتنشتاينر: "إنهم يتعرضون الآن لمزيد من العنف في الشوارع، والمزيد من المضايقات، وهذا يعني أنهم أكثر اعتماداً على المهربين لمساعدتهم". وبحسب روتنشتاينر، فإن المهاجرين يعانون من استبعادهم من الخدمات الصحية أيضاً بحجة كورونا، وتوضح: "عندما يدخل مهاجر إلى عيادة طبية، يصرخ عليه الناس ويقولون: كورونا! كورونا! اذهب بعيداً".

مهاجرون إثيوبيون في سوق القات في محافظة الضالع اليمنية
رسالة أمل
وفي حين يعاني المهاجرون في اليمن، يجني مهربو البشر فيها مبالغ ضخمة. وبحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن الممر البحري بين القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية يؤمن ما يصل إلى 22 مليون دولار سنوياً لشبكات تهريب البشر.

أما بالنسبة للمهاجرين، فإن الرحلة باهظة الثمن. ورغم أن الدفعة الأولى للانتقال من إثيوبيا إلى اليمن تتراوح بين 200 إلى 500 دولار، إلا أن المبالغ التي يطلبها المهربون بعد احتجاز المهاجرين تجعل مبلغ الوصول يصل في بعض الحالات إلى نحو 10 آلاف دولار لكل شخص، بحسب روتنشتاينر.

ووفقًا لشهادات المهاجرين، فإن الكثيرين غير مدركين لتكاليف الرحلة الباهظة والمخاطر التي تنتظرهم في اليمن. وتحاول المنظمة الدولية للهجرة إيصال المعلومات إلى المجتمعات في القرن الأفريقي، لكنها لا تستطيع تغيير العوامل التي تدفع الناس للهجرة مثل الفقر والبطالة وانعدام الآفاق. تقول روتنشتاينر: "لدينا مهاجرون يخبروننا: نعم، كنت أعلم أن الأمر سيكون صعبًا، لكن لم يعد هناك أي أمل في بلدي". وتعتقد روتنشتاينر أنه وبالرغم من الصعوبات، فإن أمل الوصول لدى المهاجرين أقوى من مخاوفهم.

ورغم أن المنظمة الدولية للهجرة ومنظمات أخرى تقدم المساعدة للمهاجرين في اليمن، إلا أنها تشكو من نقص الأموال. وبما أن إيقاف تهريب البشر ليس من سلطاتها، فهي تحاول تشجيع الدول على فتح المجال أمام الهجرة القانونية. لكن روتنشتاينر تقول: "علينا أن نقبل أن الهجرة غير النظامية ستظل حقيقة في الحياة، وسنراها مجدداً في أجزاء كثيرة في العالم".

ماريون ماكغريغور/م.ع.ح

 

للمزيد