بدر موسى نهار، مهاجر من السعودية متواجد حاليا في مخيم سومبور في صربيا. الحقوق محفوظة
بدر موسى نهار، مهاجر من السعودية متواجد حاليا في مخيم سومبور في صربيا. الحقوق محفوظة

مهاجر سعودي في صربيا، قادم من السعودية ولكنه لا يحمل أي أوراق ثبوتية منها. بندر نهار، من "البدون" في السعودية، وهي فئة من المجتمع لم تتحصل على أوراق ثبوتية لأسباب كثيرة، تواصل مع مهاجر نيوز ليدلي بقصته مع الهجرة والأسباب التي دفعته إليها.

بندر موسى نهار، طبيب من المملكة العربية السعودية. قد لا تكونون قد سمعتم عن الكثير من المهاجرين السعوديين مؤخرا، هذا صحيح، فأنا لست سعوديا. أنا من فئة "البدون**" في المملكة، وهذا هو السبب الأساسي الكامن وراء هجرتي.

قد تتساءلون، من هم البدون في السعودية؟ فقليل من الناس سمعوا بنا وأدركوا معاناتنا.

يسموننا في السعودية بالقبائل النازحة، بتنا بلا أوراق لأننا لم نحصل على هويات رسمية عند الإعلان عن تأسيس المملكة وتحديد حدودها.

أنا من قبيلة الزبيدي القحطاني، إحدى القبائل المتجذرة في المنطقة، تحديدا في حفر الباطن. أنا من الجيل الثالث الذي ولد في السعودية دون أي حقوق مدنية كفيلة بحفظ حقوقه كمواطن. كل ما لدي هو بطاقة تعريف من السلطات تفيد بأنني من القبائل النازحة، دون أي تعريف من قبل السلطات لما هية هذه القبائل أو من أين أتت.

الحقوق المدنية والزواج والانتحار

كبرت وأنا أخشى فكرة الزواج، لماذا أتزوج وأنجب طفلا يحمل بطاقة العار هذه التي أحملها.

لطالما حلمت بفكرة الوطن العادل، المكان الذي يمنحني كامل الحقوق المطلوبة، والحرية بالاختيار. لطالما حلمت بوطن يعطيني الحق بالعيش بسلام.

في السعودية، كنت أعمل في إحدى المستشفيات الخاصة، طبعا، فأنا ممنوع من العمل في المستشفيات العمومية. حتى بهذا الموضوع الأساسي هناك تفرقة وظلم، ففي كثير من الأوقات كانت تستهدف رواتبي وحقوقي الوظيفية، لا لشيء سوى لأنني من فئة لا تملك حقوقا، وبالتالي لن يسأل أحد عني إذا ما تعرضت لظلم ما.

نتعرض في السعودية لاضطهاد عرقي وتمييز عنصري. أنا والمواطن السعودي لا نختلف عن بعض بشيء، لدينا نفس لون البشرة ونفس القامة ونفس اللهجة ونفس التاريخ، لماذا هذا التمييز؟ هو له كل الحقوق وأنا ليس لدي أي حق.

طبعا هذا الواقع أدى بكثير من البدون في السعودية للإقدام على الانتحار، فما من آفاق واضحة أو مستقبل مضمون. أنا نفسي فكرت بالانتحار ثلاث مرات، أقدمت مرة على فعلها، لكني نجوت. كيف يمكن لأي كان أن يتحمل هذه المعيشة.

بسبب كل ما سبق قررت الهجرة.

السفر والطائرة والحرية

قررت الهجرة لانعدام آفاق الحياة الطبيعية لي. لا أريد الزواج وإنجاب أطفال "بدون"، مثلي، لا يملكون أدنى الحقوق الطبيعية كأي مواطن آخر. لا يمكنني تملّك منزل، لا يمكنني إنشاء عمل خاص بي، لا يمكنني التعلم في الجامعات الحكومية، علي التوجه إلى الجامعات الأهلية وأدفع مبالغ طائلة لتحصيل التعليم، لا يمكنني الحصول على جواز سفر يخولني السفر لإكمال تعليمي العالي في الخارج، لا يمكن لأولادنا التعلم في المدارس الحكومية... وهذا غيض من فيض حالنا في البلد الذي ولدنا فيه.

بدأت مشوار الهجرة مطلع 2020، بحثا عن الحياة الكريمة والمكان الذي يمكنني الإحساس به بذاتي الإنسانية وأحظى به بحرية التنقل. تمكنت من تدبير جواز سفر من إحدى الدول العربية، جواز رسمي، دفعت ثمنه كثيرا، لأتمكن من مغادرة المملكة إلى تركيا. لا يمكنني وصف شعور التحرر الذي تملكني حينها، السفر والطائرة والحرية. لكني كنت أجهل ما كان مخبأ من باقي الرحلة.

لن أطيل وأسرد تفاصيل جاء على ذكرها الكثير من المهاجرين قبلي، ولكني أريد أن أقول إنني  حاولت عشرات المرات أن أكمل رحلتي باتجاه إحدى دول الاتحاد الأوروبي، وفي كل مرة كان يتم ضبطي وأُسأل عن جنسيتي وأقول إنني من "البدون"، فيعاد ترحيلي إلى صربيا.

أوضاع مأساوية في مخيم سومبور

مضى على تواجدي في مخيم سومبور في صربيا نحو تسعة أشهر، راقبت خلالها تطور المخيم وحركة المهاجرين القادمين إليه والخارجين منه. ما يمكنني قوله هو إن الأوضاع في تدهور مستمر.

أكثر ما يثير الخوف بالنسبة لي هو عدم احترام خصوصية وحقوق الأطفال نهائيا، حيث يتم وضعهم في خيم ومهاجع الكبار، دون أدنى وسائل الحماية والمحافظة على الخصوصية.

كما بدأ مؤخرا انتشار مرض الجرب، نتيجة شبه انعدام وسائل الصحة الشخصية وعدم وجود بنية تحتية ملائمة لخدمة أعداد المهاجرين الضخم هنا. هذا دون الخوض بتفاصيل عنف الشرطة وقصص المهاجرين الذين تعرضوا للابتزاز على أيديهم.

الإنسان في هذا الزمن هو عبارة عن أحد نوعين من الأوراق، إما نقدية أو ثبوتية، ولكن ماذا لو لم يكن يملك أي من النوعين، كحال البدون في السعودية؟ ما هو مستقبله؟ وكيف هو حاضره؟

**البدون هم أحفاد القبائل البدوية الذين فشلوا في التسجيل للحصول على الجنسية السعودية، ويعتبروا مقيمين غير شرعيين من قبل الحكومة السعودية. وهم غير مؤهلين للحصول على الجنسية السعودية.


 

للمزيد