جمعية "سانت إيغيديو" تقيم أنشطة مختلفة في جزيرة ليسبوس لمساعدة اللاجئين والترفيه عنهم، بمشاركة 150 متطوعاً أوروبياً. حقوق الصورة: "سانت إيغيدو"
جمعية "سانت إيغيديو" تقيم أنشطة مختلفة في جزيرة ليسبوس لمساعدة اللاجئين والترفيه عنهم، بمشاركة 150 متطوعاً أوروبياً. حقوق الصورة: "سانت إيغيدو"

عشرات الأوروبيين قضوا عطلة صيفية مختلفة في جزيرة ليسبوس اليونانية المكتظة باللاجئين. فقد تطوعوا في جمعية خيرية من أجل مساعدة اللاجئين وتوفير الترفيه لأطفالهم. وتقوم تلك الجمعية بالمساعدة في تحديد العائلات المؤهلة لإعادة توطينها في دول أوروبية أخرى.

بالقرب من البحر، وفي معصرة زيتون قديمة من الطوب في جزيرة ليسبوس اليونانية، تبث الجمعية الخيرية الكاثوليكية "سانت إيغيديو" (Sant'Egidio) حياة جديدة في مبنى مُغبرّ، من خلال تقديم مجموعة متنوعة من الأنشطة لمساعدة اللاجئين الذين يعيشون في مخيم موريا منذ عدة سنوات.

تقول دانييلا بومبي، المسؤولة عن التأكد من أن كل شيء يسير بسلاسة للمهاجرين والمتطوعين في ليسبوس: "عملنا يتعلق بالتضامن"، وتضيف: "كانت الأمور صعبة للغاية أثناء الإغلاق (بسبب كورونا)، لذا فإن بدء الأنشطة مرة أخرى بعد كل هذه القيود مهم جداً للمهاجرين وطالبي اللجوء".

ممرات إنسانية
بالإضافة إلى إدارة أنشطة مختلفة، يعمل فريق بومبي مع حكومات مختلفة، بما في ذلك إيطاليا وفرنسا وألمانيا وجمهورية سان مارينو، من أجل تحديد المهاجرين المعرضين للخطر بشكل خاص والذين قد يكونون مرشحين لبرنامج "الممرات الإنسانية" الذي ساعدت المؤسسة الخيرية في إنشائه لإعادة توطين لاجئين يقيمون في اليونان في دول أوروبية أخرى.

عندما تحدثت بومبي إلى مهاجر نيوز في 11 آب/أغسطس، كانت قد عادت لتوها من جزيرة ليسبوس في اليوم السابق. كانت في اليونان منذ بداية شهر تموز/يوليو، حيث رحبت بأول نوبة عمل لمتطوعين أوروبيين لبدأ "عطلتهم (الصيفية) المميزة"، كما تقول بومبي، وتضيف ضاحكة: "نسميها عطلة بديلة، لكن المرء يعمل بجد. كل المتطوعين يدفعون تكاليف رحلاتهم الجوية وفنادقهم. ويبدأ العمل في حوالي الساعة السابعة صباحاً ويستمر حتى حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً".
خلال الأنشطة، يستمع المتطوعون إلى قصص المهاجرين ويسجلونها. يبحثون عن من قد يكون من المستفيدين من الممرات الإنسانية. حقوق الصورة: "سانت إيغيدو"
طوال الحديث، كان صوت بومبي دافئاً ومفعماً بالنشاط، وأوضحت أنه مع دخول اللاجئين إلى المطعم الذي أنشأته الجمعية أو إلى أماكن اللعب، يتم تسجيل أسمائهم وتبدأ قصصهم في الظهور. وتوضح: "يتمثل أحد أهدافنا الرئيسية في العثور على الأشخاص الذين يمكنهم الاستفادة حقاً من نقلهم عبر ممر إنساني إلى إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا".

في انتظار رحلة إلى ألمانيا
ويرتفع صوت بومبي أكثر عندما تقول بصوت يعبر عن سعادتها: "مجموعة صغيرة من حوالي 12 لاجئاً موجودة بالفعل في أثينا، في انتظار السفر إلى ميونيخ وبرلين الأسبوع المقبل"، وتؤكد أن بينهم "طفلان غير مصحوبين بذويهم في وعائلتان"، وتتابع: "طلبت منا الحكومة الألمانية العثور على الأفراد المعرضين للخطر بشكل خاص". 
وبالعودة إلى الجزيرة، فما عدا المطعم الذي أنشأته الجمعية، افتتحت مدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية أيضاً في 10 آب/أغسطس.

وقت المدرسة
وفقًا لـ"سانت إيغيديو"، فإن 32 لاجئاً كانوا يتلقون دروس اللغة الإنجليزية في المدرسة حتى قبل افتتاحها. وتقول الجمعية على موقعها على الإنترنت إن هدفها أن "يتم إيصال الكلمة بسرعة". وأعد المعلمون أماكن لـ 50 شخصاً في البداية، لكن في اليوم الأول حضر حوالي 82 شخصاً. تقول بومبي وهي تتذكر ذلك اليوم: "لقد كان جميلاً"، وتضيف: "كان أصغر تلميذ يبلغ من العمر ثمانية أشهر فقط ، وقد وصل مع والدته وإخوته وأخواته للاستماع إلى الدرس، وكان أكبرهم يبلغ 42 عاماً". أحد الطلاب لاجئ من الكونغو، والآخر من توغو والباقي من الأفغان، أما المعلمون فهم من بولندا وإيطاليا وكاتالونيا. بدأ الدرس بتعلم الأبجدية الإنجليزية. كتب الطلاب بشق الأنفس كلماتهم الإنجليزية الأولى: "هذه هي مدرسة الصداقة الإنجليزية"، كما كتبت المعلمة على السبورة. بالنسبة للبعض، كما تقول الجمعية، هذه هي المرة الأولى التي يذهبون فيها إلى المدرسة. وتوضح أن "هناك حاجة ماسة لمدرسة في المخيم".

"بحر من الأطفال"
تتنقل بومبي بين روما و ليسبوس من أجل الأعمال الخيرية منذ عام 2016، عندما زار البابا فرانسيس الجزيرة وأعلن أنه يأمل في نقل بعض الأطفال غير المصحوبين بذويهم إلى الفاتيكان عبر الممر الإنساني. وتمت الاستعانة بجمعية "سانت إيغيديو" وبومبي، وهي أستاذة العلوم الاجتماعية في جامعة "روم تري" والمسؤولة عن خدمات الهجرة في "سانت إيغيديو"، للمساعدة.

تقول بومبي: "ما يصدمك حقاً عند وصولك إلى موريا هو هذا البحر الضخم من الأطفال". وتعترف أن العودة إلى موريا في عام 2019 كانت لا تزال بمثابة صدمة، وتوضح: "لقد تدهورت الظروف بالفعل. كانت المخيمات فظيعة. لم تكن هناك أي حمامات، فضلاً عن ندرة في المياه، وحتى لو كانت المياه متوفرة في الجزيرة، كانت شروط النظافة سيئة. كان هناك شعور حقيقي بانعدام الأمل".

وتتحدث بومبي عن "اكتئاب جماعي" أصاب معظم سكان المخيم. وتقول عن ذلك: "إنه أمر محزن". لكن رؤية الأطفال الذين يعيشون هناك زاد من قوتها. تقول بومبي: "ذلك يجعل المرء يريد أن يفعل شيئًا للمساعدة". وتبتسم بومبي عندما تتذكر "الاستجابة الرائعة" التي تلقاها فريقها من معظم المهاجرين واللاجئين، وتوضح: "الناس ممتنون للغاية وهذا أمر رائع".

التعامل مع المواقف الصعبة
بالإضافة إلى توزيع وسائل التدفئة على المهاجرين واللاجئين، تشارك بومبي في الدبلوماسية على أعلى المستويات، فتتفاوض هي وفريقها مع الحكومات لإعادة توطين اللاجئين، وتحاول أيضاً تحسين العلاقات بين السكان المحليين في ليسبوس ومجتمع المهاجرين. تقول بومبي: "يمكنك أن تتخيل أن هناك حوالي 3000 مقيم دائم في ميتيليني وأكثر من 15000 في المخيمات. يشعر السكان المحليون أحياناً بالرعب ويشعرون أن الجميع قد نسيهم، وأوروبا أيضاً".

تجعل "سانت إيغيديو" توزيع الطعام والمساعدة والراحة للتخفيف من حدة الفقر المحلي أيضاً من أولوياتها. وتعترف بومبي بأن بعض سكان الجزيرة يعتقدون أن مجموعات مثل مجموعتها تؤدي إلى جذب المزيد من المهاجرين، "لكن هذا ليس صحيحاً" ، كما تقول بومبي ضاحكة، وتضيف: "نحن نحاول طردهم!". لكن بومبي أصبحت أكثر جدية وهي تعترف بأن هناك "رياح من الكراهية تهب على الجزيرة" وأنه سيكون من السخف "تجاهل المشاكل".
حتى الحلوى الصغيرة على المائدة تساعد في نشر الأمل. حقوق الصورة: "سانت إيغيدو"
"نشر الأمل"
تعتقد بومبي أن عملهم يساعد في نشر الأمل، وتتابع: "ليس هناك أمل في المخيم. انعدام الأمل هذا يخلق مشاكل ونقاط ضعف للبعض". وعلى الرغم من اعتراف بومبي بأن الوضع "معقد"، إلا أنها تعتقد أنه حتى الخطوات الصغيرة يمكن "أن تحرك الجبال"، وتضيف: "بالطبع، يشعر المرء أحياناً باليأس وأن الموقف معقد للغاية ولا يمكن حله، لكن من المهم أن يفعل المرء شيئاً حتى لو كان صغيراً".

إحدى الخطوات الصغيرة قد تكون مثلاً التأكد من حصول الأطفال على وجبة طعام أو حلوى لذيذة، فتناول وجبة طعام صغيرة يمكن أن "يغير وضعهم حقًا" كما تقول بومبي، وتضيف: "في بحر من الصعوبات والغبار، هناك القليل من الضوء فجأة. ثم عليك أن تستمر في تأجيج نيران الأمل الصغيرة هذه (...) حتى تتغير الأمور ببطء ولكن بثبات".

"مطعم التضامن"
تعتقد بومبي أن المطعم يوفر أيضاً "لحظة من الهدوء للناس"، وتوضح: "في المخيم عليهم الجلوس على الأرض طوال الوقت، لذلك من المهم حقاً أن يجلسوا مع عائلاتهم حول طاولة". يقوم فريق المتطوعين بتوزيع الدعوات في الصباح. وتقول بومبي عن ذلك: "في اليوم الأول من افتتاح المطعم، حاولنا دعوة العائلات المسلمة للاحتفال بعيد الأضحى. لذلك أعددنا لحم الضأن، وهو ما يأكلونه تقليدياً في هذا العيد، بالإضافة إلى الخضروات والحلويات للجميع".

يوزع المتطوعون ما بين 250 و 300 دعوة "لكن دائماً ما يحضر عدد أكبر"، تقول بومبي وهي تضحك. وفي أيام السبت، يأخذ المتطوعون المهاجرين في جولات في الجزيرة، لتقدير قيمة ما هو حولهم ومنحهم منظوراً بديلاً من المخيم. وفي أيام الأحد، يقيمون قداساً لمن يريد القدوم ثم دعوة إلى مطعم محلي.

استعادة الطفولة
تقول بومبي: "يتعلم الناس بسرعة أسماء المتطوعين، وهو أمر جميل أن تكون هناك مجموعات كبيرة من الأطفال تناديك باسمك". وغالباً ما يكون الأطفال هم من يطلب طاولة مطعم لجميع أفراد أسرتهم.

في الوقت الحالي، بدأت الدفعة الثانية للمتطوعين بالعمل، وهم من بولندا والسويد وإسبانيا وإيطاليا. وفي الدفعة الأولى كان هناك ألمان و هولنديون. توضح بومبي: "في الدفعة الأخيرة، كان لدينا لاجئ سوري (متطوع) يدعى محمد، يعيش في ألمانيا منذ عدة سنوات". إنها تحب عودة اللاجئين للمساعدة، وتوضح: "كان لدينا متطوع كردي سوري أيضاً وفتى أفغاني يعيش الآن في إيطاليا". هؤلاء المتطوعون مفيدون بشكل خاص للتواصل بين المهاجرين ومتطوعي "سانت إيغيديو" الآخرين.
أرادت دانييلا بومبي مشاركة متطوعين من جميع أنحاء أوروبا لأنها تحتاج إلى "أوروبا بأكملها لتقديم الحلول"، كما تقول. حقوق الصورة: "سانت إيغيدو"
كانت أنغيليكا فاغنر في أول نوبة عمل على الجزيرة هذا العام وتحدثت لوكالة الأنباء الكاثوليكية (KNA) عن تجربتها. فاغنر معلمة دين تعمل في فورتسبورغ  الألمانية معظم العام. في العام الماضي أيضاً عملت في الجزيرة، وتقول إن القيود بسبب جائحة كورونا جعلت الأمور أكثر صعوبة هذا العام - خاصة فيما يتعلق بالتواصل، حيث تخفي الكمامة بعض تعابير الوجه التي يستخدمها المتطوعون بدلاً من اللغة في بعض الأحيان.

فاغنر أيضاً متأثرة بأحوال الأطفال بشكل خاص، وتقول: "لا يوجد شيء في المخيمات للأطفال الصغار. حتى أن بعضهم نسي كيف يبتسم"، وتضيف أن مسرحية قدمها المتطوعون، جعلت الأطفال يشعرون بأنهم "قادرون على أن يكونوا أطفالاً مرة أخرى. مدى سعادتهم عندما يلعبون أمر لا يصدّق!".

وتوضح بومبي أن الناس من جميع الأجيال يأتون ويساعدون. في بعض الأحيان تصل عائلات بأكملها. وتتابع بفخر أن فتى، يبلغ من العمر 15 عاماً جاء مع عائلته، أخبرها أن هذه كانت "أفضل عطلة صيفية قضاها على الإطلاق". وتعتقد بومبي أن الشباب هم المفتاح لبناء أوروبا جديدة ومختلفة.

تحقيق الأحلام
وتروي قصة مجموعة من الشباب من نابولي أمضوا عيد الميلاد الماضي وهم يساعدون اللاجئين في جزيرة ليسبوس. لقد كوّنوا صداقات مع عائلة أفغانية وفي نهاية الرحلة، أرادوا أخذ هذه العائلة معهم إلى نابولي. أخبرتهم بومبي أنهم بحاجة إلى إيجاد شقة لاستئجارها وجمع أموال كافية لإعالة الأسرة ومساعدتها على الاندماج. وقالت لهم إذا كان بإمكانهم فعل ذلك، فإنها ستقوم بمفاوضات من أجلهم. تقول بومبي: "وهل تعلمين؟! في شهر يوليو/تموز من هذا العام، سافرت تلك العائلة إلى نابولي!".

وتوضح: "وجدت تلك العائلة وسيلة لمساعدتها وها هي الآن تبدأ حياة جديدة في نابولي"، وتتابع: "إذا كنت تميل إلى الاعتقاد بأن الأمور مستحيلة، فلن تفعل شيئاً أبداً"، وتضيف: "من الضروري أن تحلم، ومن ثم عليك أن تجعل هذا الحلم حقيقة".

تعتقد بومبي أن الأمر كله يتعلق بسلسلة من الخطوات الصغيرة. وتضيف: "عليك أن تعمل مع القوانين وتدرس كيف يمكنك إكمال العملية بشكل صحيح. قد نكون حالمين، لكننا لسنا ساذجين. نحن نحلم، ثم نتأكد من أن هذه الأحلام تتحقق بالفعل."

إيما واليس/ م.ع.ح

 

للمزيد