متطوعون يقومون بإزالة حطام واجهات أحد المباني التي تحطمت بفعل انفجار مرفأ بيروت، 7 آب/أغسطس 2020. رويترز
متطوعون يقومون بإزالة حطام واجهات أحد المباني التي تحطمت بفعل انفجار مرفأ بيروت، 7 آب/أغسطس 2020. رويترز

بعد مرور نحو شهر على الانفجار الكارثي الذي ضرب العاصمة اللبنانية بيروت، كيف انعكست مفاعيل الكارثة على مجتمعات اللاجئين والمهاجرين هناك؟

عانى لبنان مؤخرا من سلسلة من الأحداث العصيبة، أدت به إلى أزمة اجتماعية وسياسية غير مسبوقة تجلت بانهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم وازدياد نسب الفقر بشكل كبير. يضاف إلى ذلك، استقبال البلد الصغير لأعداد ضخمة من اللاجئين السوريين، وقبلهم الفلسطينيين، فضلا عن الآلاف من العمال المهاجرين، جميعهم شكلوا ضغوطا إضافية على البنى التحتية المنهكة أصلا للبلد الرازح تحت أشد أزمة اقتصادية شهدها في تاريخه.

إلا أن كل ما سبق يمكن وضعه في كفّة، والانفجار الكارثي الذي عصف بالعاصمة اللبنانية مطلع شهر آب/أغسطس الماضي في كفّة أخرى.

مشهد بانورامي لمرفأ بيروت بعد الانفجار، 6 آب/أغسطس 2020. رويترز

يوم الرابع من آب/أغسطس الماضي، انفجر أحد المستودعات في مرفأ بيروت. المستودع كان محشوا بآلاف الأطنان من مادة نيترات الأمونيوم. عصف الانفجار أتى على نحو ثلث المدينة. مئات القتلى وآلاف الجرحى وعشرات المفقودين، حصيلة مازالت المدينة حتى اليوم تحاول التعايش معها.

ضمن لائحة الضحايا، كان هناك العشرات من غير اللبنانيين، سوريين وفلسطينيين وفيليبينيين وإثيوبيين... لاجئون أو عمال مهاجرون ممن يعملون في المنطقة أو تصادف وجودهم هناك لحظة الانفجار.



المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان ليزا أبو خالد، قالت لمهاجر نيوز إن "استجابة المفوضية تشمل جميع الضحايا من كافة الجنسيات، لا السوريّين فقط. ركزنا في المرحلة الأولى من خطة الاستجابة على مسألة الإيواء والحماية والدعم النفسي والاجتماعي لجميع العائلات المتضرّرة".

وأضافت "حاليا نقوم بتوزيع معدات إيواء طارئة تشمل ألواح بلاستيكية وأخشاب، ليتسنى لمن تضررت أبواب وشبابيك منازلهم تغطيتها. وسنقوم لاحقا بإطلاق خطة لترميم المباني القابلة للسكن، وتوزيع مساعدات نقدية".

وشددت الناطقة باسم المنظمة الأممية على أن أعداد القتلى تتغير يوميا، مؤكدة على وجود نسبة كبيرة من غير اللبنانيين ضمنها.

حرمان غير اللبنانيين من المساعدات

عقب الانفجار مباشرة، تداعت جمعيات ومنظمات ومبادرات تطوعية إلى المناطق الأشد تضررا، حيث بدأت مباشرة بإسعاف الجرحى وجمع الأنقاض والوقوف على احتياجات الناجين من الكارثة. من ضمن المتطوعين، كان هناك العديد من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، من سكان المنطقة أو من المناطق المجاورة، ممن هبوا لتقديم المساعدة للمتضررين نتيجة شعورهم بالتضامن معهم.

مشهد التضامن هذا لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما انطلقت حملات ودعوات لمساعدة اللبنانيين من الضحايا حصرا دون غيرهم. علما أنه من ضمن المتضررين، عدد لا بأس به من غير اللبنانيين.



تقول مسؤولة التواصل والمناصرة في حركة مناهضة العنصرية، فرح البابا، لمهاجر نيوز "ليس لدينا أرقام تفصيلية حول أعداد العمال الأجانب الذين تضرروا جراء الانفجار، لكنها كبيرة بالتأكيد، لأنّ المناطق الأكثر تضرراً مثل برج حمود والكرنتينا والجميزة ومار مخايل، يتواجد فيها الكثير من المهاجرين واللاجئين إما للسكن أو العمل".

وأشارت الناشطة في مجال دعم اللاجئين ومناهضة العنصرية إلى أن عدة مبادرات وجمعيات تعمدت حرمان العمال المهاجرين واللاجئين السوريين والفلسطينيين من المساعدات المقدمة عقب انفجار مرفأ بيروت. "الكثير من المتطوعين الفلسطينيين والسوريين الذين تواجدوا في المكان لتقديم خدماتهم تعرضوا للاعتداء، من قبل متطوعين آخرين ينتمون لمبادرات محسوبة على تيارات سياسية معينة في المنطقة".

وأضافت البابا أنه خلال تواجدها في أمكنة تضررت بفعل الانفجار، سمعت الكثير من التعليقات التمييزية والعنصرية من قبل أشخاص ينتمون إلى مثل تلك المبادرات أو الجمعيات. تعليقات منها ما تضمن "ليس من شأننا إن كان هناك سوريون هنا، فليرحلوا أو فليتوجهوا للمنظمات التي كانت تساعدهم"، "اللبناني للبناني"... فضلا عن اتهام غير اللبنانيين بسرقة مواد الإغاثة.

وقالت "حتى على المستوى الرسمي التمييز ممارس. في منطقة الجعيتاوي مثلا، بدأ الجيش بتوزيع المواد الإغاثية على العائلات المتضررة، وإن صودف مرورهم بمنزل فيه عائلة غير لبنانية لا يتم إعطاؤها المساعدة".

طرد المتطوعين غير اللبنانيين

وائل، أحد المتطوعين الفلسطينيين الذين توجهوا إلى منطقة الانفجار يوم حدوثه لتقديم المساعدة للضحايا، قال لمهاجر نيوز "توجهت وأصدقائي من مخيم برج البراجنة إلى منطقة الجميزة التي أحبها كثيرا، فهناك نقضي معظم ليالينا لدى أصدقاء لنا يملكون مطاعم ومقاهي. للوهلة الأولى اعتقدنا أن ما قمنا به هو التصرف الصحيح. بعد يومين، تعرضنا لهجوم من قبل مجموعة من الشبان قالوا إنهم متطوعين ضمن جمعيات معروفة الانتماء. سباب وشتائم لنا ولمتطوعين سوريين آخرين، طردونا من المنطقة. لم نعرف لماذا تصرفوا بهذه الطريقة السيئة. مبادرتنا كانت نابعة من باب التضامن الإنساني، والانفجار لم يميز بين جنسيات الضحايا أو دياناتهم، لم هذه العنصرية تجاهنا؟".

أما سليم، وهو من اللاجئين السوريين القاطنين في منطقة مارمخايل، وتعرض منزله للدمار، فقال لمهاجر نيوز "منعنا من استلام المساعدات. قالوا لنا اذهبوا إلى منظماتكم أو ارحلوا من المنطقة. كنت أشاهد بعيني كيف كان يتم إتلاف الحصص الغذائية الفائضة عن حاجة الحي الذي أقطن فيه كي لا يتم توزيعها على السوريين أو غيرهم من الأجانب. حتى الآن لم أفهم هذا التصرف".



وفق عدد من منظمات ووكالات الإغاثة العاملة حاليا في لبنان، يعتبر اللاجئون عرضة لمخاطر كثيرة خاصة في الوقت الحالي، كون العديد منهم كانوا يعيشون بالفعل تحت خط الفقر قبل الانفجار، فضلا عن عدم تمكنهم من الحصول على فرص عمل أو رعاية صحية، عدا مشاكل الأوراق القانونية والإقامات.

مشكلة العاملات المنزليات.. عود على بدء

يطالب العمال الأجانب، خصوصا الإثيوبيون (معظمهم نساء) والسودانيون، سفارات بلادهم بالعمل على ترحيلهم من لبنان. وكان قد تم طرد معظم هؤلاء من وظائفهم، فباتوا مشردين بعد حرمانهم من رواتبهم التي يفترض أن تدفع لهم بموجب عقود عملهم بالدولار. وتزايدت هذه الممارسات من قبل أصحاب العمل اللبنانيين عقب انفجار مرفأ بيروت.

بيما، عاملة منزلية من التابعية السريلانكية، قالت خلال حديثها مع مهاجر نيوز "وكأنه لم يكفنا طردنا من أعمالنا وتحولنا إلى مشردين، لتأتيَ الممارسات العنصرية تجاهنا وتمنع عنا المساعدات. الجيران هنا في الحي الذي أسكنه، يحرصون على إخبار الجمعيات والمنظمات بأننا أجانب، كي لا نستفيد من المساعدات".

بالنسبة إلى فرح البابا، تتلخص أبرز المشاكل التي تواجه العمال الأجانب بالعنف الجسدي والاقتصادي والتهميش، إضافة إلى حرمانهم من بعض الخدمات الصحية والضمان الاجتماعي وطردهم من أماكن سكنهم في حال تعذر دفع المبلغ الذي يطلبه المؤجّر بسبب جنسياتهم. وكلّ ذلك يتفاقم بسبب وضعهم القانوني الهش. وتحدثت عن تخلي عدد من أصحاب العمل عن العاملات الإثيوبيات خصوصاً، منذ مارس/آذار الماضي، من دون إعطائهن حتى جوازات السفر أو رواتبهن المستحقة بالدولار.

"المشكلة هي أن العديد من العمال الأجانب لا يتمتعون بوضع قانوني في لبنان وليس لديهم أسر تبحث عنهم. وقبيل الانفجار وسط الانهيار المالي، سجلت حركة مناهضة العنصرية أن ما لا يقل عن 300 عاملة منزلية قد وضعها أصحاب العمل في الشارع، ولم يتمكنوا من دفع رواتبهن أو دفع ثمن تذاكر العودة إلى الديار".



وتحدثت البابا عن عمل بعض المجموعات الإغاثية، ومنها حركة مناهضة العنصرية، على توفير مساعدات لهذه الفئة المهمشة، كتوزيع الطعام وتقييم الأضرار في المنازل. لكنها ترى أن المساعدة المثلى تكون بالضغط على الحكومة اللبنانية والسفارات لضمان تأمين سفر الراغبين منهم. وتقول إنّ جهد منظمات المجتمع المدني غيرُ كافي، "نحن كمنظمات مدنية لا نريد ولا نستطيع أخذ دور الدولة والسفارات المعنية في معالجة هذه القضية".


 

للمزيد