اللاجئ محمد يحمل هاتفه المحمول.
اللاجئ محمد يحمل هاتفه المحمول.

في ذروة قدوم اللاجئين إلى ألمانيا عام 2015، أطلقت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عبارتها الشهيرة "سننجح في المهمة!"، مخاطبة الألمان واللاجئين وواعدة إياهم بإتمام هذا الأمر. بيد أن اللاجئ السوري محمد ما زال يتملكه الشك حول ذلك، فرحلة معاناته الطويلة لم تنته بعد رغم هذه السنوات.

بعد أعوام من قدوم اللاجئ محمد ر إلى ألمانيا ما زالت البيروقراطية مع مكتب الأجانب تؤرقه. أثناء لقاء DW  معه، لوح بهاتفه المحمول، مشيرا إلى رسالة وصلته مؤخرا من السلطات الألمانية تفيد برفض طلب لم الشمل لزوجته الأردنية، وقال بامتعاض "أنظر رفض الطلب دون إبداء الأسباب". محمد كان يأمل أن تكون معركة لم الشمل التي يخوضها مع السلطات من أجل جلب زوجته، معركته الأخيرة في سجل حياته الحافلة بالصراع.

تعود جذور أسرة محمد إلى العاصمة السورية دمشق، حيث تعرف العائلة عن نفسها بأنها متدينة بانفتاح، وذات نظرة ليبرالية للعالم. مع اندلاع أحداث الربيع العربي في سوريا، تفاءلت العائلة خيرا، بتغيير النظام هناك، بيد أن الأمور اازدادت سوءا. لقد تم سجن محمد واثنين من إخوته ووالدهم، كما تعرض منزلهم لإطلاق النار أكثر من مرة، ما دفع بالعائلة المكونة من أب وأم وخمسة أشقاء وأخت واحدة متزوجة ولديها طفلين بالهرب إلى لبنان عام 2012.

اتفاقيات دولية لجلب لاجئين

من أجل تخفيف الضغط عن لبنان، الذي استقطب أكثر من مليون لاجئ سوري، أبدت الحكومة الألمانية في عام 2013 استعدادها لجلب 5 آلاف لاجئ سوري، وفي شهر ديسمبر/ أيلول من العام نفسه رفعت الرقم إلى 10 آلاف. قامت عائلة محمد بفعل كل ما بوسعها من أجل موافقة السلطات على قدومهم من لبنان إلى ألمانيا، حيث شاركوا بدورات الاندماج واللغة الألمانية هناك، وترجموا جميع الوثائق الرسمية من أجل تقديمها إلى السلطات المختصة.

وفي تموز/ يوليو 2014، حصل معظم أفراد الأسرة على موافقة السلطات للقدوم إلى ألمانيا باستثناء إبنتهم المتزوجة وهو ما شكل صدمة للأسرة آنذاك.

في عام 2015 التقت DW بعائلة محمد للمرة الأولى، وذلك في نزل اللاجئين في برلين. والدة محمد كانت حزينة للغاية بسبب ابتعادها عن ابنتها، وبقائها في لبنان حيث كان الوضع يزداد سوءا بالنسبة للاجئين السوريين. كان اعتماد الأسرة منصب على عاتق محمد من أجل تصريف أمورها اليومية، وملء الاستمارات اللازمة، فمحمد، الذي كان 26 عاما وقتها، هو الوحيد من العائلة الذي يتكلم الإنجليزية بالإضافة إلى بعض الألمانية بشكل مقبول. أما عادل (الأخ الصغير لمحمد) والبالغ وقتها 8 سنوات   قد كان مثل معظم الأطفال في سنه، قادرا على تشرب اللغة الألمانية تدريجيا، في حين كانت العائلة تزور بانتظام دورات تعلم اللغة الألمانية.

بعد فشلها في أول اختبار لها باللغة الألمانية ـ كانت الأم تشكو من تحدثها المستمر باللغة العربية مع الأخرين، وهو ما أخر إتقانها للغة الألمانية. وتقول "نتحدث العربية في مركز اللاجئين، وأيضا في الخارج مع بائع الخضار، ونتكلم العربية أيضا داخل العائلة.

كان مأواهم في مركز اللاجئين مزدحما بالملفات الضخمة، فهناك أوراق تخص مكتب العمل، وأخرى في ملف آخر لمكتب الهجرة واللاجئين وملف خاص بالمدارس، وغيرها الكثير. في غضون ذلك، رُفضت جميع طلبات انضمام ابنتها، التي كانت نعيش في قبو في بيروت وتتوقع طفلها الثالث، فيما كان زوجها، وهو كهربائي، لا يجد عملا في معظم الأحيان.

 The German Office for Migration and Refugees BAMF | Photo: picture-alliance/Geisler-Fotopress

معركة مع البيروقراطية الألمانية

في عام 2017، بدأت الأمور تتحسن، حيث انتقلت العائلة إلى شقتها الخاصة بها. وبعد عام ونصف من الانتظار أبلغ محمد بأن شهادته كمهندس طبي تمت مصادقتها والاعتراف بها في ألمانيا. بيد أن الخبر الأفضل على الإطلاق فكان تلقي العائلة رسالة تفيد بانضمام أخته لقائمة اللاجئين الذين وافقت إسبانيا على استقبالهم.

بالنسبة لمحمد فإن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين "بامف" واحد من المكاتب التي ما زال يشعر بالفزع والخوف أثتاء تعامله معها. في جلسة استماع بشأن طلبه اللجوء السياسي رفض محمد المترجم الذي وضعه المكتب، فالمترجم كان طالبا جامعيا وليس متمرسا ملما بالمصطلحات الكافية، كما أنه كان من الصعب على محمد أن يكشف حياته الخاصة ومشاكله أمامه، لذلك وبعد اعتراضه، وافق المكتب على أن تكون الجلسة باللغة الإنجليزية.

كان لدى شقيق محمد الأكبر شعور سيء بشأن سمعة المكتب أيضا وتعامله مع اللاجئين، فهو كان قد تعرض لإساءات مروعة في السجن ولم يكن متأكدا من أن المترجم استطاع فهم جميع ما تكلمه. في النهاية رفض طلب لجوئه في حين تم قبول طلب محمد.

المخابرات السورية

مع انتهاء صلاحية جوازات سفر العائلة، كان لزاما عليهم الذهاب إلى السفارة السورية. هناك سيتمكن جهاز الأمن السوري على الفور من الوصول إلى جميع بياناتهم الشخصية، مما قد يعرض العائلة والأصدقاء للخطر. اندهش محمد من أن السلطات الألمانية تصرفت كما لو لم تكن هناك مخابرات سورية، أو تظاهرت بعدم فهم أن أي محاولة من قبل والده للحصول على وثائق من الجامعة في دمشق ستعرض حياة الآخرين للخطر. ويتذكر محمد لقاءه بلاجئ سوري آخر في مركز اللاجئين، ليعرف بعدها من الآخرين أن هذا اللاجئ كان مقربا من المخابرات السورية.

هذا كله أثار تساؤلات لدى محمد، فهو لا يبدي أي تفهم لفتح ألمانيا حدودها عام 2015 للجميع. ويوضح "لقد أجرينا جميع دورات الاندماج والاختبارات اللازمة وكشفنا عن كل بياناتناـ ليتم السماح بعدها للجميع بالدخول إلى ألمانيا، بالرغم من وجود لاجئين بينهم جواسيس لنظام الأسد، وساهموا في تعذيب السوريين الآخرين".

حاليا، وجد محمد وظيفة جيدة في مجال دراسته وانتقل إلى شقته الخاصة. كان شقيقه الأكبر قد أكمل تدريبه المهني تقريبا وحصل على وظيفة أيضا. وتم تعيين والده للحصول على وظيفة بدوام جزئي في نفس الشركة التي يعمل بها محمد.

بعد كل هذه المعاناة للعائلة فإن لم شمل زوجة محمد، التي تزوجها العام الماضي، كانت الحلقة الأخيرة له في رحلة كفاح طويلة، فهو كان يود أن ينتهي منها لبدء حياته العائلية وتكوين أسرة، إلا أن ظروف جائحة كورونا، وما لحق ذلك من تغييرات في مكتب الهجرة والقنصليات، ساهم في رفض الطلب حاليا. لكن محمد لن يستسلم ويقول إنه سيخوض من جديد هذه المعركة كما يسميها لجلب زوجته، على أمل أن تكون الأخيرة.

* تم تغيير جميع الأسماء بناء على طلب عائلة R. الأسماء الصحيحة معروفة لـ DW.

بينيتا شتيه كيمبر/ علاء جمعة

 

 


 

للمزيد