صورة لطارق أثناء إحدى محاولات العبور إلى المجر
صورة لطارق أثناء إحدى محاولات العبور إلى المجر

طارق، مهاجر عراقي ترك بلاده في 2006 وذهب إلى سوريا، هربا من التهديدات بالقتل والصراع الطائفي باحثا عن الأمن والحياة الكريمة. حاول رجل الشرطة السابق التأقلم مع الحياة في سوريا بداية، إلا أن شبح الحرب والفوضى لاحقه إلى هناك، بعد أن بدأت مجموعات مسلحة تضيق عليه لإجباره على الانضمام إليها. أمام هذا الواقع، لم يكن أمام الشاب المتزوج حديثا إلا أن ينشد طرق الهجرة.

لم أتمكن من الإجابة على مكالمتك، كنت في محاولة لعبور الحدود إلى المجر. أعتقد أنها المحاولة العشرين، لم نوفق. مسكونا بالغابة بواسطة الكلاب البوليسية، ظلت تحاصرنا إلى أن وصلت دورية الشرطة"، بهذه الجملة بدأ طارق، المهاجر العراقي في مخيم سومبور حديثه مع مهاجر نيوز.

يبلغ المهاجر 38 عاما. وهو على طريق الهجرة منذ عام 2006، وفقا لتعبيره.

على طريق المحمية المؤدية للحدود بين صربيا والمجر

في زمن صدام (الرئيس العراقي السابق) كنت رجل شرطة. بعد الحرب سرحنا من مهامنا إلى أن تمت إعادة تشكيل وزارة الداخلية في 2004، واستدعونا حينها لنشكل نواة قوات الشرطة الجديدة.

في تلك الفترة، كانت القاعدة ناشطة بشدة في البلاد، تلقيت الكثير من التهديدات بحجة أنني أعمل في الشرطة، وأنني أخرج بدوريات مشتركة مع الاحتلال الأمريكي. حللوا دماء كافة عناصر الشرطة في حينه.

"هجموا علينا بأعداد كبيرة، إطلاق نار كثيف وانفجارات، قتل العديد من أصدقائي..."

بداية 2005، كنت وزملائي مرابطين في منطقة الغزالية في بغداد، أمام مطعم الزاوية الشهير هناك. لم يكن يفصلنا عن منطقة العامرية التي كانت خاضعة تقريبا لسلطة القاعدة سوى جسر واحد. في أحد الأيام، هجموا علينا بأعداد كبيرة، إطلاق نار كثيف وانفجارات، قتل العديد من أصدقائي، أما أنا فتمكنت من النجاة بصعوبة.

الحادثة أحدثت شرخا في نفسيتي، بات الرعب والحذر يسيطران علي في كل تفاصيل حياتي في بلادي.

استمر الوضع على حاله إلى 2006، مع انفجار الصراع الطائفي في البلاد واحتدام الصراع بين جيش المهدي والقاعدة.

حينها بدأت مجموعة جيش المهدي بتهديدنا، نحن الشرطة، لم يكن بإمكاننا القيام بشيء. شخصيا، تعرضت لتهديد مباشر من جيش المهدي في الغزالية، هذا وضعني أمام إرهاب نفسي لا يحتمل. فقررت أن الوقت قد حان لأغادر.

دمشق.. الانطلاقة الجديدة

في 24 حزيران/يونيو توجهت إلى سوريا، تحديدا إلى منطقة السيدة زينب في العاصمة دمشق. في البداية كانت الحياة جيدة، إذ كنت أعمل كخباز وكانت الأوضاع نسبيا جيدة.

قبيل اندلاع الأحداث في سوريا، نصحني أحد أصدقائي بتسجيل بياناتي لدى مفوضية اللاجئين، للحصول على مساعدات وربما فرصة لإعادة التوطين في بلد آخر. قبل أن أكمل قصتي، أريد أن أقول أنني لم أحصل على شيء بتاتا من المفوضية، من تاريخ تسجيلي لديهم وحتى 2019 عندما تركت سوريا. سئمت من مراجعتهم والحصول على نفس الجواب "ملفك قيد الدراسة".

في 2016 تزوجت. شاءت الأقدار حينها أن يُقبل ملف إعادة التوطين الخاص بزوجتي (تقدمت بالطلب قبل زواجنا) إلى سويسرا، بعد سبعة أشهر من زواجنا. اتفقنا على أن تسافر مع أهلها وأن نقوم لاحقا بإجراءات لم الشمل لألتحق بها.

انتظرت، تقدمنا بطلب لم الشمل، رُفض الطلب، استأنفنا لكنه رفض للمرة الثانية. كانت تلك الإشارة التي دفعتني لأن أسلك طريق الهجرة بحثا عن وسيلة للالتحاق بزوجتي.

بطاقة التسجيل الخاصة بمفوضية اللاجئين في سوريا

"إما القتال معنا وإما الخروج من مناطقنا"

خلال تلك الفترة، اشتدت المعارك في المنطقة التي أسكنها، عرضت علي مجموعة من الفصائل الانتساب لها والقتال في صفوفها.

تهربت كثيرا، لا أريد أن أشارك في تلك الحرب، إلى أن وصلتني الرسالة، "إما القتال معنا أو الخروج من مناطقنا".

في 2019، عدت للعراق، جددت جواز سفري وتوجهت إلى تركيا.

في تركيا الوضع العام لم يكن مساعدا، لم يكن أمامي من خيار سوى الخروج من هناك. تعرفت على مجموعة من الأشخاص كانوا ينوون التوجه إلى اليونان ومنها إلى أوروبا، انضممت إليهم. توجهت إلى اليونان، جزيرة كوس بداية، ومنها إلى البر الرئيسي حيث رفض طلب لجوئي. أعطوني ورقة تمهلني مدة شهر قبل مغادرتي الأراضي اليونانية.

أثناء عبور نهر الدانوب إلى كرواتيا

قررت إكمال رحلتي، ذهبت إلى ألبانيا ثم كوسوفو ثم صربيا.

"أريد الالتحاق بزوجتي"

في صربيا حالنا صعب جدا، الجميع يعرف معاناة المهاجرين في مخيم سومبور. حاولت التوجه عدة مرات إلى رومانيا والمجر لكنني لم أفلح بتخطي الحدود، كانت الشرطة تعيدنا في كل مرة. آخر محاولة في المجر قبضت علي الشرطة وسلمتني ورقة طرد ومنع من دخول البلاد وأعادتني إلى صربيا.

 حاولت التواصل معهم وإقناعهم بأنني لا أريد البقاء في بلادهم، أريد الذهاب إلى سويسرا، أريد الوصول إلى زوجتي، لكن دون فائدة. من الواضح أن أصوات المهاجرين واللاجئين والمضطهدين غير مسموعة، أخشى أن يكون مصيرنا التشرد الأبدي على حدود البلدان بانتظار فرصة لالتقاط النفس.

 

للمزيد