Stefanie Loos/AFP | مشهد من مظاهرة برلين (سبتمبر/ أيلول 2020) المتضامنة مع اللاجئين ضحايا حريق مخيم موريا باليونان
Stefanie Loos/AFP | مشهد من مظاهرة برلين (سبتمبر/ أيلول 2020) المتضامنة مع اللاجئين ضحايا حريق مخيم موريا باليونان

أثارت مظاهرة برلين المتضامنة مع ضحايا مخيم موريا أسئلة جوهرية بشأن استعداد المجتمع الألماني لاستقبال مزيد من اللاجئين، كما شكلت اختبارا سياسيا حساسا ليس فقط للائتلاف الحاكم في برلين ولكن أيضا لسياسة اللجوء الأوروبية ككل.

ألمانيا ـ حريق مخيم موريا يعيد جدل اللجوء للواجهة

"معضلة اللاجئين مشكلة ألمانية وليست أوروبية"

بين العقل والقلب ـ تأرجح موقف الألمان من اللجوء

استمرار انقسامات الألمان بشأن الهجرة واللجوء

إلغاء "دبلن" ـ بلورة ميثاق أوروبي جديد للهجرة

ألمانيا ـ حريق مخيم موريا يعيد جدل اللجوء للواجهة

أصبح آلاف اللاجئين بلا مأوى بعد أن دمر حريق هائل مخيم موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية في التاسع من سبتمبر/ أيلول 2020، مخيم كان معروفا أصلا باكتظاظه وظروفه المزرية. ورغم أن نحو تسعة آلاف شخص تم نقلهم إلى مخيم مؤقت جديد في الجزيرة اليونانية، فإن الجدل عاد للواجهة السياسية ألمانيا وأوروبيا، معززا من جهة دعوات سكان محليين ومنظمات إنسانية لإبعاد المهاجرين من الجزيرة اليونانية، ومن جهة ثانية، خلق موجة تضامن وتعاطف في ألمانيا كان أوجها تظاهر الآلاف يوم (الأحد 20 سبتمبر/ أيلول 2020) في برلين ومدن ألمانية أخرى، داعين الاتحاد الأوروبي لاستقبال مهاجرين باتوا بدون مأوى. المتظاهرون رفعوا لافتات كُتب عليها "لا تتركوا أحدًا"، وانضمت إليهم في العاصمة الألمانية عمّة آلان كردي، الفتى السوري الذي قضى على شاطئ تركي وباتت صورته رمزًا لأزمة اللاجئين في عام 2015. الشرطة الألمانية ذكرت أنّ نحو 5000 شخص شاركوا في مسيرة برلين، كما نُظمت تجمعات مماثلة في كولونيا وميونيخ ولايبزيغ. المظاهرة استقطبت الكثير من المتعاطفين رغم الجدل المتجدد بشأن استعداد ألمانيا لاستقبال مزيد من اللاجئين، وهي قضية لا تزال تحدث انقسامات سياسية عميقة داخل المجتمع الألماني.

صحيفة "ذي غارديان" البريطانية (16 سبتمبر/ أيلول 2020) علقت على الموضوع وكتبت "وعدت أنغيلا ميركل بأن تستقبل ألمانيا 1500 لاجئ من ليسبوس. ولكن على المدى البعيد، يتعين على ميركل والمفوضية الأوروبية الاضطلاع بدور مباشر في إنشاء وإدارة مركز استقبال لائق للاجئين في الجزيرة. وفوق كل شيء، من الأهمية بمكان أن تقتنع الدول الأعضاء الأخرى بأخذ المادة 80 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على محمل الجد، والتي تدعو إلى "تقسيم عادل للمسؤوليات" في قضايا الهجرة". الصحيفة البريطانية وضعت الأصبع على الجرح، حيث ما فتئت عواصم أوروبية تؤكد في العلن كما في الخفاء أن قضية اللجوء "قضية ألمانية ليس إلا".

"معضلة اللاجئين مشكلة ألمانية وليست أوروبية"

أوضح وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر في تصريح لصحيفة "بيلد أم زونتاغ" الشعبية الواسعة الانتشار في عددها ليوم (20 سبتمبر/ أيلول 2020) أن الجدل المتجدد في ألمانيا بشأن استقبال اللاجئين يمثل عبئا سياسيا على الحكومة الاتحادية بشأن مساعيها لإقناع شركائها في أفق إصلاح سياسة اللجوء الأوروبية. وقال زيهوفر "انخفضت مجددا فرص التوصل لاتفاق من خلال الجدالات الدائرة في الأيام الأخيرة في ألمانيا (..). كثير من جيراننا يقولون لي: لمّ يتعين علينا المشاركة، إذا كان الألمان يظهرون دائما بصورة متكررة بصفتهم بطل العالم في الأخلاق ويضعوننا بذلك تحت ضغط"، لافتا إلى أنه يصعب الرد عليهم في ذلك. واستطرد موضحا "يجب ألا نظهر بصفتنا وصيّا على أوروبا، ولكن بصفتنا شريكا". ويذكر أن المفوضية الأوروبية عرضت مقترحات إصلاح جديدة لنظام اللجوء سيتعين على دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي التفاوض بشأنها.

وبهذا الصدد رأت صحيفة "تاغس آنتسايغر" الصادرة في زوريخ (19 سبتمبر/ أيلول 2020) أن "الدول التي لا ترغب في استقبال أي لاجئ، تجد أن موقفها يتعزز: ففي أوقات الحاجة، تتدخل ألمانيا وتساعد. فالمهاجرون (وفقا لهذا المنطق) مشكلة ألمانيا وليست أوروبية".

"نويرتسوريخر تسايتونغ" (17 سبتمبر/ أيلول 2020) أكدت أنه في أروقة مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسيل يتردد أن الهجرة مشكلة المانية، و"كل من يريد سياسة لجوء أوروبية مشتركة يدرك أن الاعتبارات الأخلاقية للفرد لا يمكن أن تكون أساسا لحلول على مستوى الاتحاد الأوروبي".

ويتراجع استعداد الدول الأوروبية لاستقبال مهاجرين، وتُفضل دول أخرى إرسال خيام وأكياس نوم وأغطية بدلا من استقبال لاجئين بها. وهذا ما ذهبت إليه صحيفة "دي ستاندارد" البلجيكية التي كتبت (19 سبتمبر/ أيلول 2020) أن "ما حدث ويحدث في موريا ليس دراما محلية، ولا يمكن اعتباره تدبيرا يونانيا محضا من حيث سوء الإدارة. إنه فشل أوروبي جماعي وفشل في الالتزام بجوهر قيم الاتحاد؛ أي احترام حقوق الإنسان".

بين العقل والقلب ـ تأرجح موقف الألمان من اللجوء

في وقت ساد فيه الانطباع بتمكن الخطاب الشعبوي وانتشاره بشأن الهجرة واللجوء، جاءت مظاهرة برلين لتجدد تعاطف جزء من المجتمع الألماني مع مأساة اللاجئين، خصوصا بعد أزمة 2015. فقد أظهرت دراسة حديثة أن استقبال طالبي لجوء، على الأقل، في قرى ومدن صغيرة شرقي ألمانيا لم يؤثر سلبا أو إيجابا بشكل عام على المواقف المعادية للأجانب التي يتبناها مواطنون هناك. وخلصت الدراسة التي قام بإجرائها فريق باحثين من مانهايم وبرلين ونيويورك إلى أن هذه المواقف المعادية للأجانب لم تزداد أو تقل في مثل هذه القرى والمدن. الدراسة شملت مقارنة قرى تم توفير أماكن إقامة لطالبي لجوء بها، مع أخرى لم يصل إليها أي أجانب.

"تاغس آنتسايغر" تساءلت ما إذا كانت ميركل وزيهوفر قد قاما حقًا "بمكافأة منفذي الحريق العمد وبالتالي تشجيع آخرين على تقليدهم". وخلصت إلى القول بأن التدقيق في من منحتهم ألمانيا حق اللجوء، سيجد أن الأمر يتعلق بـ 410 عائلات لديها أطفال (..) هؤلاء اللاجئون ليسوا من ليسبوس فقط ولكن أيضًا من جزر يونانية أخرى. وبالتالي فإن مشعلي النار في موريا لن يكونوا من المستفيدين. غير أن صحيفة "ميركيشه أودرتسايتونغ" الألمانية كتبت (14 سبتمبر/ أيلول 2020) منتقدة قرار الحكومة وكتبت أنه "يجدد أمل آلاف اللاجئين لقبول طلباتهم في ألمانيا وهو ما قد لا تتمكن الأخيرة من الوفاء به على الإطلاق". وذهبت صحيفة "فرانكفورته ألغماينتسايتونغ" في نفس الاتجاه وكتبت (13 سبتمبر/ أيلول 2020) "إذا كان يُنظر للسلم لاجتماعي كمنفعة عظيمة، فلا يمكن التعامل مع لاجئيي موريا إلا بسياسية متأنية. ولا شك أن المساعدة مطلوبة. استقدامهم جميعا أو معظمهم إلى ألمانيا، بحكم عددهم القليل، لن يكون مشكلة. غير أن الرسالة ستكون خاطئة (..)، ستشعر دول أوروبية لا تريد المشاركة في سياسة لجوء مشتركة، بأنها على حق في توجهها". من جهتها، علقت صحيفة "نويرتسوريخر تسايتونغ" الصادرة في زوريخ على الموضوع (17 سبتمبر/ أيلول 2020) وخلصت إلى أنه "في ألمانيا وبعد مرور خمس سنوات على موجة تدفق اللاجئين الكبيرة، لا يزال من غير الممكن التوفيق بين القلب الخافق والعقل الهادئ".

استمرار انقسامات الألمان بشأن الهجرة واللجوء

قالت يوهانا غريكه من مركز مانهايم للأبحاث الاجتماعية الأوروبية إنه يبدو أن التحفظات ضد الهجرة التي كانت منتشرة على نطاق واسع في بلديات ريفية شرقي ألمانيا وصارت أقوى منذ عام 2015، "قلما ترتبط بالوضع محليا، ولكنها ترجع للمجتمع ككل"، لافتة إلى أن تدفق لاجئين على 236 بلدة خضعت للفحص لم يؤثر بشكل قوي على السلوك الانتخابي أيضا. وتحقق الباحثون من تزايد الدعم لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المعارض في خمس بلديات فقط أقام بها عدد كبير نسبيا من اللاجئين مقارنة بعدد السكان الأصليين بها، مقارنة ببلديات أخرى استقبلت عددا أقل من اللاجئين أو لم تستقبل لاجئين على الإطلاق. يذكر أن حزب البديل يتبنى مواقف معادية للاجئين في ألمانيا.

وفي سياق متصل، كشف استطلاع حديث أن نحو ثلثي الألمان يتوقعون تزايد قدوم اللاجئين إلى أوروبا، إذا استقبلت ألمانيا جزءا كبيرا من المهاجرين الذين ليس لديهم مأوى حاليا بعد احتراق مخيم "موريا" باليونان. وجاء في الاستطلاع الحديث للقناة الثانية بالتليفزيون الألماني "زد.دي.إف" الذي تم نشره نتائجه يوم (الخميس 17 سبتمبر/ أيلول 2020) أن 62 بالمائة من الألمان يتوقعون حدوث هذا السيناريو، فيما ذكر نحو ثلث المشاركين في الاستطلاع أنهم لا يعتقدون حدوث ذلك. وأعرب 43 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع عن تأييدهم بوضوح لاستقبال جزء أكبر من اللاجئين من موريا، وقال 46 بالمئة ممن شاركوا بالاستطلاع إنه يتعين على ألمانيا ألا تفعل ذلك إلا إذا اشتركت دول أخرى بالاتحاد الأوروبي أيضا في ذلك.

إلغاء "دبلن" ـ بلورة ميثاق أوروبي جديد للهجرة

تزامن حادث جزيرة موريا مع استعداد الاتحاد الأوروبي لعرض ميثاقه الخاص بالهجرة الذي يهدف إلى تقاسم الدول الأعضاء الـ 27 الأعضاء عبء البت في طلبات اللجوء للذين يصلون إلى حدود دول التكتل. القواعد الجديدة لن تكون طواعية وإنما إلزامية، وهو ما سيمثل تنازلا كبيرا لعدد من الدول الأوروبية التي تنتهج سياسات هجرة متشددة. وبهذا الصدد أكدت إيلفا يوهانسون مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد "واضح للجميع أن التضامن عند الضرورة أو التضامن الطوعي غير كاف. لقد ثبت ذلك منذ سنوات عدة". وأضافت "يجب أن يكون (النظام) إلزاميا، على كل الدول الأعضاء أن تساعد عندما تتعرض دولة عضو للضغوط وعندما يكون أشخاص كثر بحاجة للحماية". ويسعى الميثاق الجديد لضبط طريقة توزيع طالبي اللجوء بعيدا عن سواحل إيطاليا واليونان، وسيتم فرض قواعد أكثر صرامة تتعلق بإعادة الأشخاص الذين تُرفض طلباتهم.

يذكر أن تدفق مئات الآلاف من طالبي اللجوء إلى أوروبا عرف أوجه عام 2015، غير أن عدد "غير النظاميين منهم" تراجع إلى 140 ألف سنويا حاليا. وحينها عرض الاتحاد الأوروبي خطة لإعادة توزيع المهاجرين، أيدتها ألمانيا وعارضتها بشدة كل من المجر وبولندا اللتين لم تستقبلا أي طالب لجوء على الإطلاق ما يعكس حدة الانقسامات داخل الاتحاد إلى يومنا هذا. وهكذا أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عزمها إلغاء "نظام دبلن" الذي يفرض على أول بلد يدخله المهاجر، النظر في طلب اللجوء، ليعوض "بنظام إدارة أوروبي جديد للهجرة".

وبهذا الصدد كتبت صحيفة "فرانكفوته روندشاو" (13 سبتمبر/ أيلول 2020) معلقة "لا تزال ألمانيا والاتحاد الأوروبي يعتقدان خطأ بأن مآسي النزوح من الحروب والفقر يمكن إبقاؤها بعيدة عن أنظار أوروبا بوضع الحواجز كجهاز فرونتكس. اللاجئون سيأتون لا محالة إذا ظلت الظروف العالمية كما هي اليوم. ولهذا السبب من الواجب الأخلاقي استقبال المزيد من الأشخاص بطريقة منظمة وفقًا للقوة الاقتصادية (لكل بلد). وسيكون ذلك أيضا في مصلحة كل من يفضل الاستقرار على الفوضى والعناد الوطني".

حسن زنيند

 

للمزيد