يعمل العمال المهاجرون في ظروف صعبة يصفها البعض بـ "اللإنسانية" في حقول جنوب إسبانيا
يعمل العمال المهاجرون في ظروف صعبة يصفها البعض بـ "اللإنسانية" في حقول جنوب إسبانيا

يعمل آلاف المهاجرين في جنوب إسبانيا بالزراعة وقطف الثمار، بدون أوراق أو عقود رسمية، ويكدحون لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة. كما أنهم يعملون خلال جائحة كورونا دون تدابير حماية أو تجهيزات نظافة مناسبة للوقاية من الإصابة بالعدوى.

"أعمل وأكافح في هذا المكان منذ 19 عاماً". يقول سبتو ميندي، متحدثا عن عمله في حقول جنوب إسبانيا. وأوضح ميندي الذي كان يعمل مدرساً في بلده السنغال، كيف تبدو حياته كعامل مهاجر في جنوب إسبانيا لمجلة "إثيكال كونسومر " في تموز/ يوليو 2020. حيث تقوم مجلة" إثيكال كونسومر" بالاشتراك مع صحيفتي "الأوبزرفر" و"الغارديان" في المملكة المتحدة، بالتحقيق في ظروف ما يقدر بـ7 آلاف إلى 10آلاف عامل مهاجر في جنوب إسبانيا منذ سنوات، وكشف انتهاكات حقوق العاملين في المزارع ومحاولة الضغط على محلات السوبر ماركت البريطانية للالتزام بمراقبة الموردين وإجراء تغيير في ظروف العمال. وقد نُشر آخر تحقيق في صحيفة "الغارديان" في 20 أيلول/ سبتمبر الفائت.

وخلال الحرب العالمية ضد وباء COVID-19، ظلت الظروف على حالها أو حتى أصبحت أسوأ بالنسبة للكثير من هؤلاء العمال، الذين يعيشون ويعملون بالقرب من بعضهم البعض، وغالباً دون معدات حماية كافية وعدم وجود إمكانية الوصول إلى مرافق النظافة.

 "ظروف العمل رهيبة"

وقال سيبتو ميندي إن الشركات التي توظف العمال المهاجرين "تحاول باستمرار خفض الأجور". وفي الآونة الأخيرة، تم اللجوء إلى السلطات الإسبانية بهذا الشأن، ولكن أصحاب العمل بحسب ميندي يحاولون استرداد أرباحهم بطرق أخرى. على سبيل المثال، من خلال رفض دفع تكاليف السفر إلى الحقول، والتي من المفترض أن يقوم أصحاب العمل بتغطيتها.

وقال عامل من المغرب يدعى حسن، لصحيفة "الغارديان" إنه يقضي 12 ساعة في اليوم في العمل في دفيئات (بيوت بلاستيكية) ألميريا، "إن ظروف العمل سيئة" وأوضح أنه "في بعض الأحيان نعمل من شروق الشمس إلى غروبها في درجات حرارة عالية، مع استراحة لمدة 30 دقيقة فقط طوال اليوم".

يقدر عدد العاملين في حقول جنوب بنحو 7 آلاف إلى 10 آلاف كثيرون منهم يعملون بدون أوراق أو عقود رسمية
يقدر عدد العاملين في حقول جنوب بنحو 7 آلاف إلى 10 آلاف كثيرون منهم يعملون بدون أوراق أو عقود رسمية

 ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا

ولا يقتصر الأمر على ظروف العمل فحسب، بل إن فيروس كورونا لم يساعد على تحسين الأمور في إسبانيا أيضاً. فقد سجلت البلاد خلال الصيف ارتفاعاً جديداً في أعداد الإصابات بفيروس كورونا. وبالتالي أصبحت في بداية شهر أيلول/ سبتمبر أول دولة في أوروبا الغربية تسجل أكثر من نصف مليون حالة COVID-19، وفقاً لصحيفة "الغارديان".

وتظهر أحدث الأرقام الصادرة عن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض (ECDC) في 29 أيلول/ سبتمبر، أن إسبانيا أبلغت عن حوالي 750 ألف حالة وما زالت تتصدر أعداد الحالات المبلغ عنها في أوروبا.

وقال أوليفييه دي شاتر لصحيفة الأوبزرفر إن "الوباء قد أدى إلى تفاقم الظروف غير المقبولة التي يواجهها العمال المهاجرون ويجب على الحكومة الإسبانية التحرك بشكل عاجل". وأضاف دي شاتر أنه نظراً إلى حقيقة أن "ثلثي الفواكه والخضروات المستهلكة في جميع أنحاء أوروبا والمملكة المتحدة تأتي من هذه البيوت الزجاجية (في جنوب إسبانيا)"، فإن جميع الشركات وتجار التجزئة في سلاسل التوريد هذه تتحمل مسؤولية تجاه هؤلاء العمال أيضاً".

وقد أبلغت مقاطعة ألميريا عن "100 حالة جديدة" من الإصابة بفيروس كورونا يومياً في أيلول/ سبتمبر وفقاً لصحيفة "الغارديان". وذكرت صحيفة "دياريو دي ألميريا" الإسبانية في 21 أيلول/ سبتمبر أنه في ذلك اليوم تم تسجيل "90 حالة جديدة" في الإقليم. وذكرت صحيفة "دياريو" أن 111 شخصاً ماتوا بسبب فيروس SARS-CoV-2 في ألميريا وحدها في المجمل، وسجل شهر أيلول/ سبتمبر "رقماً قياسياً للوفيات" حيث توفي 37 شخصاً خلال 21 يوماً فقط.

 "لا يعطونك شيئاً"

بالعودة إلى الجنوب، وحسن العامل المهاجر من المغرب عندما سأله صحفيو "الغارديان" عما إذا كان قد حصل على قفازات وأقنعة واقية للوجه للعمل في البيوت البلاستكية. أجاب: "إنهم لا يعطونك أي شيء".

كما أخبر عامل آخر، يدعى محمد، الصحفيين أنه قد فقد وظيفته بعد أن ثبتت إصابته بفيروس كورونا. وعندما حاول العودة إلى العمل بعد تعافيه، قال له مدير المزرعة "لا يوجد لك عمل". وقال محمد "قضيت عامين في العمل بهذه الشركة دون أوراق وسنتين بعقد مؤقت، لكن عندما عدت قالوا لا يوجد شيء لي هنا".

من جهة أخرى، تقوم نقابة " Soc-Sat " في ألميريا منذ سنوات بحملات ضد العديد من الشركات في هذا القطاع، من أجل تأمين حقوق العمال والدفاع عنها.

على الأغلب ليس هناك معدات حماية ورعاية صحية لوقاية العاملين من الإصابة بفيروس كورونا
على الأغلب ليس هناك معدات حماية ورعاية صحية لوقاية العاملين من الإصابة بفيروس كورونا

معدات حماية قليلة أو معدومة

تنطوي حملات النقابة الداعمة لحقوق العمال على اتهام الشركات بأنها لا تحترم حقوق العمال. وقال رئيس النقابة خوسيه غارسيا كويفاس لصحيفة "الغارديان" إن "حوالي 80 في المائة من شركات الفاكهة في ألميريا تخالف القانون، "من حيث توفير معدات الوقاية الشخصية للقوى العاملة المهاجرة". وأضاف أنه في كثير من الأحيان يقوم أصحاب العمل بالاحتيال على موظفيهم بطرق أخرى، على سبيل المثال من خلال مطالبتهم بالعمل لمدة 25 يوماً، في المقابل لا يدفعون لهم أجورهم كاملة. أو عن طريق الكتابة في كشوف الرواتب الخاصة بهم أنهم يحصلون على الحد الأدنى للأجور في اليوم وهو 58 يورو ولكنهم لا يدفعون لهم مستحقاتهم كاملة.

وتقول نقابة" Soc-Sat" إنها ساعدت في حوالي ألف شكوى من العمال المهاجرين عام 2019 تتعلق بالاستغلال وسوء ظروف العمل. استمرت الشكاوى هذا العام أيضاً، غير أن العديد من العمال يتكتمون خوفاً من فقدان وظائفهم التي هم بأمس الحاجة إليها.

"لقد نسوا أننا بشر أيضاً"

ويروي العامل علي، الذي يعمل في إسبانيا منذ 15 عاماً لصحيفة "الغارديان" أنه "لا يتوقع أن يتحسن وضعه. وقال إنه إذا اشتكى، سيقولون: إذا كنت لا تريد العمل هنا، فاذهب إلى وطنك". ويضيف "يبدو الأمر كما لو أنهم نسوا أننا بشر أيضاً".

في بداية شهر آب/ أغسطس، أفادت صحيفة "ألباييس" الإسبانية اليومية بوفاة عامل مهاجر (إليزار بنجامين بلاندون) من نيكاراغوا، والذي توفي إثر عمله في الحر الشديد في قطف الفاكهة بمقاطعة مورسيا في جنوب شرق إسبانيا.

وبحسب الصحيفة، ترك العامل وراءه زوجة وخمسة أطفال في نيكاراغوا. وبحسب أصدقاء بلاندون، "تجاوزت درجة الحرارة في يوم وفاته 44 درجة مئوية". وكان قد بدأ العمل في ذلك اليوم في الساعة الخامسة صباحاً ولم يحصل على الماء، على حد قولهم.

"يعاملونهم كالكلاب"

وقالت صاحبة منزل بلاندون لصحيفة ألباييس: "إنهم يعاملونهم كالكلاب". وبحسب الصحيفة، لم يكن لدى بلاندون أوراق. وأفاد أحد زملائه في العمل، لم يرغب في الكشف عن هويته، إن بلاندون عانى من إصابة في الكتف ولم يستطع العمل بالسرعة التي يعمل بها الآخرون، ولهذا السبب كان يعمل بانتظام من الساعة 7 صباحاً حتى السادسة مساء، ولذلك كان يكسب 30 يورو فقط في اليوم. بالإضافة إلى أنه يتعين على العمال دفع 6 يورو لأصحاب العمل مقابل النقل بالشاحنة إلى الحقول.

 

للمزيد