قارب أنقذته دورية "اليونيفيل" في المياه الدولية قبالة لبنان. الصورة من حساب "اليونيفيل" على تويتر
قارب أنقذته دورية "اليونيفيل" في المياه الدولية قبالة لبنان. الصورة من حساب "اليونيفيل" على تويتر

مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، شهدت السواحل اللبنانية مؤخرا ارتفاعا بظاهرة قوارب المهاجرين المغادرة باتجاه السواحل القبرصية. ولو أن تلك الظاهرة ليست بجديدة على البلد الذي يعاني من تبعات جائحة كورونا والانفجار الكارثي الذي هز عاصمته في الرابع من آب/أغسطس الماضي، إلا أنها باتت تشكل هاجسا ومصدر قلق للجارة قبرص، التي أعربت عن مخاوفها من تحول بنان إلى بلد مصدّر للمهاجرين، مسترجعة تجربة دول جنوب أوروبا مع قوارب الموت المنطلقة من ليبيا وتونس.

أعلن الجيش اللبناني يوم الأحد الماضي أن دورية بحرية تابعة له اعترضت قاربا يحمل 37 شخصا قبالة شواطئ البلاد، كانوا في طريقهم إلى قبرص.

وجاء في بيان صادر عن الجيش اللبناني الأحد "أوقفت وحدات من القوات البحرية في الجيش اللبناني مركبا يستخدم في تهريب أشخاص قبالة جزر الرانكين (شمال البلاد)، وأحبطت عملية تهريب 37 شخصا (34 سوريا بينهم 7 أطفال و3 نساء إضافة إلى لبنانيين اثنين وفلسطيني واحد)".

جزيرة الرامكين قبالة السواحل الشمالية للبنان. المصدر: خرائط غوغل
جزيرة الرامكين قبالة السواحل الشمالية للبنان. المصدر: خرائط غوغل


كما أوقف جهاز الاستخبارات مواطنا لبنانيا للاشتباه بقيامه "بتنظيم وتحضير عملية التهريب"، وفقا للبيان.

هذا ليس الخبر الأول من نوعه في لبنان خلال فترة أسبوع كاملة، وحتى خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث بات من الملاحظ ارتفاع أعداد تلك القوارب المحملة باللبنانيين والفلسطينيين والسوريين الهاربين من أزمة اقتصادية خانقة باتجاه أوروبا. وغالبا ما تكون وجهة تلك القوارب جزيرة قبرص التي تبعد نحو 100 كلم عن السواحل اللبنانية، رغم أنها رحلة خطرة ومكلفة.

مأساة إنسانية

في الـ14 من أيلول/سبتمبر الماضي، أنقذت دورية بحرية تابعة لقوات "يونيفيل" الأممية 37 شخصا، كانوا على متن قارب تائهين في المتوسط قبالة السواحل اللبنانية. ووفقا لبيانات السلطات اللبنانية، فإن ستة من ركاب القارب قضوا غرقا، من بينهم طفلين.

وسجل خلال الفترة الممتدة بين تموز/يوليو ومنتصف أيلول/سبتمبر الماضيين خروج 21 قاربا على الأقل من السواحل اللبنانية باتجاه قبرص، حسب إحصائيات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، مقارنة بـ19 فقط خلال 2019.

وتأتي أرقام المهاجرين عبر البحر من لبنان ضئيلة نسبيا إذا ما قورنت بأرقام المهاجرين المغادرين عبر ليبيا أو تونس، إلا أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة في لبنان، يضاف إليها الارتفاع بأعداد القوارب المغادرة الذي سجل مؤخرا، ينذر بسيناريوهات مشابهة لتلك التي سجلت قبالة سواحل شمال أفريقيا.

"الجميع يريد الهجرة"

ولطالما شكل السوريون النسبة الأكبر من المهاجرين المغادرين عبر البحر، فهم فضلا عن ظروف اللجوء السيئة التي يمرون بها في المخيمات في لبنان، يعتبرون من الفئات الأكثر تضررا من الأزمات العاصفة بلبنان مؤخرا، وفقا للعديد من المنظمات الإغاثية، وبالتالي قد تشكل الهجرة فرصتهم شبه الوحيدة للهرب من هذا الواقع.

للمزيد>>> ارتفاع ملحوظ بأعداد قوارب الهجرة من لبنان إلى قبرص.. طريق جديد؟

أبو علاء، لاجئ سوري في لبنان من حمص. جاء وعائلته قبل ست سنوات وهو ينوي الآن تجربة حظه عبر السفر على متن إحدى تلك القوارب. يقول لمهاجر نيوز "على جميع من يمكنه الهجرة المغادرة فورا. نحن لا حياة لنا هنا، ما نعانيه يوميا يفوق كل تصور، ومع الأزمة الأخيرة بت لا أستطيع تأمين الخبز لعائلتي. أحاول الحصول على أي فرصة عمل لجمع المبلغ المطلوب للمهرب لأخرج بعائلتي من هنا".

لكن مع تراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وجائحة كورونا التي جاءت لتشكل عامل ضغط إضافي على اقتصادها المنهك، ويضاف إلى كل ذلك الانفجار الكارثي الذي وقع في ميناء العاصمة بيروت وأتى على نحو ثلث المدينة، أدى بالكثير من اللبنانيين بالتفكير بالهجرة والإقدام على مغامرة "قوارب الموت" بحثا عن الحياة الأفضل.

مصطفى الحلق، أحد شبان مدينة طرابلس، خريج جامعي منذ أربع سنوات ويعمل حاليا بائعا على إحدى بسطات الخضار في المدينة، قال لمهاجر نيوز "هاجس الهجرة مسيطر على الجميع هنا. الفقر في طرابلس والشمال عامة لا يمكن تصوره. لم نعد نثق بمستقبلنا هنا. الجميع يريد الهجرة، طبعا فقط من يستطيع تأمين المبلغ المطلوب سيكون محظوظا كفاية ليغادر".

وأضاف "أخشى أن الهجرة باتت مفروضة علينا، فبدل الموت جوعا نموت غرقا، لا فرق، لكن على الأقل في الخيار الثاني سنموت ونحن نحاول التخلص من اللعنة التي نعيشها".

"أموت اليوم مئة مرة وأنا أشعر بالعجز"

ويعاني الاقتصاد اللبناني منذ نحو عام من تدهور حاد على عدد من المستويات. فمع ارتفاع نسب التضخم وفقدان الليرة اللبنانية نحو 80% من قدرتها الشرائية، ارتفعت بشكل صاروخي أعداد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر، حيث قدر البنك الدولي أن نحو 50% من المقيمين في لبنان باتوا معدومين.

ويضاف إلى الأزمة الاقتصادية الحادة، أزمة سياسية أثرت بشكل مباشر على النمو الاقتصادي في البلاد. فبعد مرور نحو عام على انطلاق المظاهرات المطالبة بالإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية، تراوح البلاد اليوم وسط أزمة سياسية ممثلة بعدم القدرة على تشكيل حكومة وصراع نفوذ بين أطراف الطبقة السياسية.

للمزيد>>> شهر على انفجار بيروت الكارثي.. اللاجئون يعانون من التمييز أكثر من أي وقت مضى

راغب، أحد شبان منطقة باب التبانة في مدينة طرابلس، المعروفة بحرمانها الشديد وانتشار الفقر بشكل هائل في صفوف قاطنيها. خلال حديثه مع مهاجر نيوز، أورد أنه في صدد التحضير للهجرة حاليا، "لا أريد أن أكمل حياتي هنا. لا أريد لأولادي أن يعيشوا الظروف التي عشتها. الجميع يتاجر بفقراء هذا البلد. الأزمة الاقتصادية خربت بيوتنا وأحلامنا".

يسعى راغب بكل ما أوتي لتأمين مبلغ 1,200 دولار أمريكي (حوالي ألف يورو) ليدفعها للمهرب ليحجز له مكانا على متن الرحلة القادمة، "المهرب يريد المبلغ نقدا قبل السفر وبالدولار. طبعا هذا الأمر صعب جدا حاليا خاصة في ظل شح العملة الخضراء من السوق. لكني سأقوم بكل ما بحيلتي لتأمينه. الفكرة هي أن أذهب وحدي أولا ثم أرسل بطلب عائلتي. هكذا لن يضطروا لخوض الخطر معي، وأنا إن تمكنت من الوصول إلى أوروبا فسيكون ذلك جيدا، وإن غرقت سيكون جيدا أيضا، فأنا الآن أموت يوميا مئة مرة وأنا أشعر بالعجز عن تأمين طلبات أطفالي".

ارتفاع ملحوظ بأعداد القوارب المغادرة

وبالعودة إلى الارتفاع بأعداد القوارب المغادرة للساحل اللبناني خلال الشهرين الماضيين، تظهر إحصاءات مفوضية اللاجئين أنه خلال 2019، ثمانية قوارب فقط تمكنت من الوصول إلى قبرص، في حين اعترض الجيش اللبناني سبعة آخرين، وسُجل فقدان قاربين.

أما خلال 2020، غادرت ثلاثة قوارب خلال شهر تموز/يوليو وحده، ليتبعها 16 آخرين في الفترة بين نهاية آب/أغسطس والأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر. ثمانية من تلك القوارب وصلت إلى الساحل القبرصي، في حين اعترض الجيش خمسة قوارب، وأعادت السلطات القبرصية أربعة إلى لبنان، وتم تسجيل وصول قاربين في وقت سابق دون أن يتم التأكد من موقع وصولهما أو مصير ركابهما.

وأثارت خطوة السلطات القبرصية بإعادة أربعة قوارب إلى لبنان قلق المنظمات الإنسانية الدولية والأممية، التي اتهمتها بخرق مبدأ عدم الإعادة القسرية.

السلطات القبرصية أصدرت بيانا أعلنت فيه عن خشيتها من الارتفاع الملحوظ بأعداد القوارب الوافدة، واكتفت بالتلميح إلى تنسيقها مع السلطات اللبنانية لمعالجة تلك القضية.


وكانت قبرص قد وقعت في 2002 اتفاقية مع لبنان لمحاربة الجريمة المنظمة، بما فيها الأنشطة المتعلقة بالإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية.

 

للمزيد