تطبيق "خطوة خطوة "للدعم النفسي الإلكتروني للاجئين
تطبيق "خطوة خطوة "للدعم النفسي الإلكتروني للاجئين

الحرب، رحلة اللجوء والحياة في مجتمعات مختلفة، تجارب عايشها اللاجئون السوريين وأثرت بشدة على نفسية العديد منهم. غير أن ثقافة العيب قد تثنيهم عن اللجوء للعلاج النفسي، فهل يقدم العلاج عبر الإنترنيت الحل؟

وصل ألمانيا عام 2014 وظن أن معاناته ستنتهي بمجرد أن تطأ قدماه "أرض الأحلام"، كما وصفها لكن كابوس الماضي ظل يلاحقه. بدأت قصة الشاب السوري، ح. ي، البالغ من العمر 33 عاماً، مع بداية الثورة السورية، حينما انضم للمظاهرات في سوريا وتعرض للاعتقال عام 2011. خلال العامين اللذين قضاهما داخل المعتقل، تعرض الشاب السوري لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، كما روى تفاصيل تجربته مع الاعتقال في سوريا لمهاجر نيوز: "كنت أشاهد الناس تموت من التعذيب أمامي عيناي". بعدما خرج من المعتقل، علم أن أغلب أفراد عائلته قُتلوا بقصف طيران النظام السوري. لم يحتمل ح.ي العيش في سوريا، جمع بعضاً من المال وهرب باتجاه أوروبا. حاول الشاب السوري، الذي حصل على اللجوء في ألمانيا تكوين صداقات، لكنه لم يستطع. بدأ يشعر أن تصرفاته بدأت تميل للعدوانية مع الرجال وللخضوع التام مع النساء والشعور بالمتعة في ذلك. وقال:" هذا الشعور صار يتنامى معي خصوصا بعد علاقة أقمتها مع امرأة ألمانية أربعينية، كانت تحب الهيمنة على الرجال. انتهت هذه العلاقة من سنتين ولكنها عززت لدي هذا الشعور، رغم أني أنا من أنهيتها، لأني كنت أحاول الخروج من هذا الجو، لكن للأسف لم أستطع".

عرض ح.ي حالته على أطباء نفسيين عبر الإنترنت، لأنه لم يمتلك الجرأة لزيارة طبيب نفسي والخضوع لجلسات العلاج التقليدي، بسبب خوفه من التعرض للسخرية في محيطه الاجتماعي. تم تشخيص حالته على أنها اضطراب سلوكي، ناتج عن التجربة التي عاشها داخل المعتقل في سوريا.

ضحية للتعذيب في سوريا

يتجنب الشاب السوري الدخول في علاقة مع أي امرأة في الوقت الحالي، بسبب الاضطراب الذي يعاني منه. كما فضل العيش في عزلة تامة عن الناس، ما تسبب له في مشاكل أخرى، كما قال:" لا أستطيع تعلم اللغة بشكل جيد، رغم أني خريج جامعي. حاولت العمل للخروج من أزمتي، لكن لم أتحسن، ولا زال الخضوع للمرأة والإحساس الداخلي بالمتعة في ذلك، يضايقني حتى الآن".

يزداد عدد اللاجئين الذين يعانون من اضطرابات نفسية في ألمانيا، فبحسب الرابطة الاتحادية للمراكز النفسية والاجتماعية للاجئين وضحايا التعذيب فإن نسبتهم تصل إلى 40% من مجموع عدد اللاجئين في البلاد. حالة الشاب السوري،ح. ي هي واحدة من بين العديد من الحالات التي لا تلجأ للعلاج لدى الطبيب النفسي، خوفاً من النظرة السائدة عن الطبيب النفسي في المجتمعات العربية، رغم توفر العديد من الجمعيات والمراكز التي تقدم الدعم للاجئين الذين يعانون من الاضطرابات النفسية في ألمانيا.

Symbolbild Deutschland Flüchtlinge werden in Friedland erwartet (picture-alliance/dpa/S. Rampfel)
Symbolbild Deutschland Flüchtlinge werden in Friedland erwartet (picture-alliance/dpa/S. Rampfel)


في سبيل البحث عن طرق علاجية لمن لا يفضل زيارة طبيبي نفسي، ظهرت في الآونة الأخيرة مواقع إلكترونية، تقدم علاجات نفسية للاجئين عبر الإنترنت. مثال على ذلك التطبيق الإلكتروني "Step-by-Step خطوة خطوة"، الذي أطلق مؤخراً على يد فريق علمي من جامعة برلين الحرة مكون من طلاب سوريون بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ومنظمات دولية أخرى. تطبيق "خطوة خطوة" للدعم النفسي الذاتي هو جزء من المشروع الدولي STRENGTHS وهو مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع منظمة الصحة العالمية ومنظمات حكومية وعلمية عديدة في بلدان تحتضن أعداداً مهمة من السوريين سواء بالشرق الأوسط أو في أوروبا. هدف المشروع هوتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية النفسية. ويقدم المشروع الدعم النفسي التقليدي عبر جلسات علاج وجها لوجه مع المريض في مخيمات اللاجئين وفي بلدان أخرى مثل ألمانيا والسويد ومصر عبر الدعم النفسي الإلكتروني على الهاتف الذكي أو الإنترنيت.

"خطوة خطوة" نحو تحسين الصحة النفسية للسوريين

في بداية حديثه لمهاجر نيوز عن فكرة برنامج الدعم النفسي الذاتي "خطوة خطوة"، ذكر محمد سالم الغنيمي من الفريق العلمي في جامعة برلين الحرة، أن فكرة الدعم النفسي الإلكتروني ليست بالحديثة بل متداولة في أوروبا وأمريكا منذ عشرة أو خمسة عشرة عاماً. " لقد أثبت الدراسات العلمية فعالية هذه الطريقة و بناءاً على هذا أخذنا الفكرة وحاولنا تطبيقها على اللاجئين السوريين الذين يعانون من اضطرابات نفسية بعد الأحداث التي عايشوها بدءاً من الحرب في سوريا إلى اللجوء لبلدان أخرى" يقول الغنيمي.

أما عن كيفية عمل تطبيق "خطوة خطوة" للدعم النفسي الذاتي، قال الغنيمي أن التطبيق يحتوي على معلومات تساعد الشخص على التعامل مع الضغوطات النفسية و مشاعر القلق والتوتر والحزن، كما تساعده من خلال تقنيات معينة أثبتت فعاليتها على التغلب عليها وعلاجها، وأضاف:" التطبيق يمكن تصوره في شكل غرفة بداخلها شخصيات كل شخصية لديها قصة معينة، وبهذا يجد المستخدم شخصية قريبة منه، يستمع إليها، فضلاً عن شخصية الطبيب الذي يعلم المستخدم كيفية التعامل مع الظغوطات التي تواجهه".

يري الغنيمي أن ما يجعله والفريق العلمي مقتنعين من أن فكرة الدعم النفسي الذاتي، ستؤتي أكلها وفعاليتها مثل العلاج التقليدي راجع إلى عدة أسباب: في دراسة أجريت بمخيم الزعتري بالأردن أظهرت أن نسبة كبيرة من السوريين لديهم إمكانية للدخول للإنترنيت عن طريق الهواتف الذكية وبذلك يسهل الوصول إليهم. السبب الآخر هوأن ثقافة زيارة طبيب نفسي أو معالج نفسي، ثقافة غائبة في كثير من البلدان العربية، بسبب الوصم المجتمعي، ولهذا يضمن هذا البرنامج السرية للمريض. ثالث سبب يعود إلى النقص الكبير في الكادر الطبي المختص والناطق باللغة العربية لمواكبة ودعم الأعداد الكبيرة من السوريين.

هل العلاج النفسي عبر الإنترنيت يجدي نفعاً؟

من خلال دراسة تجريبية أجريت على 104 سوري مقيمين في كل من ألمانيا، السويد ومصر، الهدف منها كان التعرف على صدى تطبيق "خطوة خطوة" لدى السوريين ونتائج استخدامهم له في التعامل مع الاضطرابات النفسية التي يعانون منها، وعن ذلك يقول الغنيمي:" الصدى كان ايجابي للغاية ولاقت فكرة الحصول على الدعم النفسي من قلب البيت إعجاب المشاركين في الدراسة.كل شيء قمنا به لحد الآن هو دراسات علمية ولا نستطيع الجزم بأن هذا التطبيق فعال مائة بالمائة، لأنه لازال قيد الدراسة".

مهاجر نيوز اطلع على الدراسة واستطلاع الرأي الذي أجراه الفريق العلمي القائم على اللاجئين السوريين في ألمانيا، السويد ومصر، الذين استخدموا تطبيق "خطوة خطوة" للدعم النفسي. في تعليقه قال أحد المشاركين من ألمانيا:" من الصعب على السوريين تقبل فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي. لا يقر معظم الناس أن المرض النفسي هو مثله مثل المرض الجسدي بالضبط. لا أعرف ما إذا كان الجميع سيستخدمون هذا التطبيق للعلاج النفسي".من جهته قال أحد المستخدمين الذين تمت مقابلتهم من ألمانيا: "خصوصية؟ هل بيانات الشخص محمية حقًا؟ عدم التأكد من ذلك قد يمنع السوريين من استخدام مثل هذا التطبيق ".

تعليق آخر من أحد المستخدمين من مصر على التطبيق، قال: "اللغة جيدة. إنها قريبة جداً من اللهجة السورية، وكأن أحداً يتحدث إليك. يمكن للمرء أن يفهمها بشكل أفضل لأنها لغة بسيطة وليست أكاديمية و أفضل من العربية الفصحى ".مستخدم من السويد رأى أن الفكرة جيدة، لكنها قد تنتشر بين فئة عمرية معينة دون غيرها وذكر السبب في ذلك من خلال تعليقه التالي:"فكرة جيدة جداً ولكن لن يستخدمها الجميع، خاصة كبار السن والأشخاص الذين لا يستطيعون القراءة. لذلك من المرجح أن تنتشر الفكرة بين الشباب أكثر".

من الأطباء النفسيين الذين جمعوا بين تجارب في تقديم العلاج النفسي للاجئين وجها لوجه داخل المخيمات في بلدان مختلفة وبين العلاج عبر الإنترنيت، الدكتور باسل علوظي الأخصائي في علم النفس والمقيم في برلين. بعد زيارته للعديد من مخيمات اللاجئين في كل من تركيا، الأردن، لبنان ومصر، وبسبب صعوبة السفر وكثرة الطلب، لجأ الطبيب السوري إلى التواصل مع مرضاه عبر الإنترنيت. عن فعالية هذا الأسلوب في العلاج قال الأخصائي النفسي في حواره مع مهاجر نيوز:"العلاج النفسي عبر الإنترنت من الممكن أن يعوض جلسات العلاج التقليدية لدى الطبيب النفسي وقد يحقق في بعض الحالات حوالي 90 في المائة من نتيجة العلاج التقليدي، شرط أن يحدث التواصل عبر الصوت والصورة، لأن نبرة الصوة و تعابير الوجه تلعبان دوراً مهماً في التشخيص، لكن إذا توفرت زيارة الإخصائي النفسي، فإن التواصل المباشر يبقى الأنجع". كما أكد علوظي على أهمية الخلفية الثقافية في العلاج النفسي وهو ما يخلق صعوبة أمام العديد من اللاجئين السوريين المقيمين في بلدان تختلف عن ثقافتهم وهذا ما يفسر الإقبال على العلاج عبر الإنترنيت.

 

للمزيد