صورة أرشيفية، محاولة رصد لمهاجرين يعبرون المانش. الحقوق محفوظة
صورة أرشيفية، محاولة رصد لمهاجرين يعبرون المانش. الحقوق محفوظة

انهالت الانتقادات الموجهة إلى الحكومة البريطانية إثر حادث الغرق المأساوي الذي أودى بحياة عائلة مؤلفة من 4 أشخاص، بعدما لقوا مصرعهم غرقا أثناء محاولتهم عبور بحر المانش من شمال فرنسا إلى المملكة المتحدة. سياسيون وعاملون في جهات حقوقية طالبوا الحكومة بتغيير سياستها وتأمين طريق آمن لطالبي اللجوء.

أوقف رجال الإنقاذ الفرنسيون أمس الأربعاء 28 تشرين الأول\أكتوبر عمليات البحث عن ناجين محتملين من حادث انقلاب قارب كان يقل مهاجرين يحاولون عبور المانش من شمال فرنسا إلى بريطانيا، أسفر عن مقتل عائلة كردية إيرانية مؤلفة من أربعة أشخاص بينهم طفلان.

الحادث المأساوي دفع سياسيين ومنظمات إلى رفع الصوت للمطالبة بتغيير مسار الحكومة البريطانية في ملف الهجرة، التي وعدت سابقا بإيجاد حلول تحد من قيام الأشخاص بالرحلة الخطيرة في قوارب صغيرة.

وقالت النائبة عن حزب العمال المعارض إيفيت كوبر، "لقد كنا نخشى منذ فترة طويلة أن نرى مأساة كهذه... الرحلة محفوفة بالمخاطر وقد شهدنا زيادة في عدد عمليات عبور القوارب الصغيرة، هذه القوارب الرديئة حقا".


ولطالما كانت مدينة كاليه شمال فرنسا نقطة تجمع وانطلاق للمهاجرين الراغبين بالوصول إلى بريطانيا، حيث كانوا يختبئون في شاحنات أو عبارات لعبور النفق الأوروبي "يوروتونيل" الواصل بين البلدين. ولكن مع قلة حركة المرور بين فرنسا وبريطانيا خلال جائحة كورونا، يبدو أن العديد من الأشخاص اختاروا عبور القناة الإنكليزية على متن قوارب صغيرة في رحلات غير شرعية ينظمها مهربون.

وعلّقت المملكة المتحدة برامج إعادة التوطين، التي تهدف بشكل رئيسي إلى إعطاء الأولوية لجلب اللاجئين والأطفال الأكثر ضعفا من مناطق تشهد صراعات، منذ مارس/آذار الماضي بسبب جائحة فيروس كورونا. ويعتبر ناشطون أن ترك طالبي اللجوء خارج المملكة المتحدة دون خيارات بديلة آمنة لعبور المانش، دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم.

ومنذ بداية العام، عبر أكثر من 7400 مهاجر القناة البحرية الأكثر ازدحاما في العالم، مقارنة بحوالي 1800 في عام 2019 بأكمله، وفقا للأرقام الرسمية. وخلال العام الماضي، توفي ما مجموعه 4 مهاجرين غرقا أثناء محاولتهم عبور بحر المانش.

ظاهرة عبور المانش أدت إلى توتر العلاقات بين فرنسا وبريطانيا، لا سيما في الفترة الأخيرة. إذ تحاول المملكة المتحدة الضغط على فرنسا لتشديد إجراءات المراقبة على حدودها الشمالية.

"لديك صلاحيات هائلة ويمكنك منع المزيد من الوفيات"

إثر المأساة الأخيرة، كانت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل حذرة في استخدامها للغة، حريصة على تشديد أن الحادث وقع خارج منطقة السيطرة البريطانية. وقالت "أشعر بالحزن الشديد عندما علمت بالخسارة المأساوية في الأرواح في المياه الفرنسية هذا الصباح، أفكاري وصلواتي مع عائلاتهم وأحبائهم في هذا الوقت".

إلا أن الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وجهت على الفور انتقادات لسياسة الحكومة البريطانية.

بيلا سانكي مديرة مجموعة حملة "إجراءات الاحتجاز" (Detention Action) التي تقدم الدعم لطالبي اللجوء، ردت على تغريدة وزيرة الداخلية قائلة، "أتركي الأفكار والصلوات لنا. لديك صلاحيات هائلة ويمكنك منع المزيد من الوفيات، بين عشية وضحاها، من خلال إنشاء طريق لجوء آمن وقانوني إلى المملكة المتحدة من شمال فرنسا. هؤلاء الأطفال ماتوا على عتبة داركم".


كما شددت منظمة "إنقاذ الطفولة" على أهمية التعاون والعمل المشترك بين الحكومتين البريطانية والفرنسية "لتوسيع الطرق الآمنة والقانونية للعائلات اليائسة الفارة من الصراع والاضطهاد والفقر".

وأضافت "لا ينبغي إجبار الآباء على المخاطرة بحياة أطفالهم بحثا عن الأمان، ولا ينبغي لأي طفل أن يقوم برحلة خطرة، وربما قاتلة، بحثًا عن حياة أفضل".

ويعيش المهاجرون في شمال فرنسا تحت ظروف معيشية متردية، لا سيما على أطراف مدينة كاليه ضمن مخيمات عشوائية، تفككها الشرطة الفرنسية بشكل يومي، دون تقديم حلول مستدامة للمهاجرين. وأضحت عمليات تفكيك وإنشاء المخيمات جزءا من الواقع اليومي في هذه المنطقة.

ضغوطات داخلية على المحامين في بريطانيا

أما على المستوى البريطاني، انتقدت جهات حقوقية تعامل الدولة مع المحامين الذين يدافعون عن حقوق طالبي اللجوء.

وفي عريضة وقع عليها أكثر من 800 محامي مختص بالهجرة وقضاة سابقين في المملكة المتحدة، طالب هؤلاء رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ووزيرة الداخلية بريتي باتيل، بالاعتذار، بعد التصريحات التي أدلى بها المسؤولان والتي تراها الجهات الحقوقية أنها "قوّضت سيادة القانون وعرضت محامي الهجرة للخطر".

وفي 4 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وجهت بريتي باتيل خلال كلمة لها في مؤتمر حزب المحافظين انتقادات للمحامين الذين يدافعون عن طالبي اللجوء، وربطتهم مباشرة بمهربي البشر واتهمتهم بأنهم يساعدون المهاجرين على عبور الحدود.

وقالت باتيل "لا شك أن أولئك الذين تم تدريبهم جيدا على كيفية المراوغة والاستفادة من النظام الهش، سوف يحاضروننا عن نظرياتهم العظيمة حول حقوق الإنسان. أولئك الذين يدافعون عن النظام المحطم -التجار وفاعلو الخير والمحامون اليساريون وحزب العمال- إنهم يدافعون عما لا يمكن الدفاع عنه".

المحامون من جهتهم أوضحوا أن الحكومة تسعى إلى الضغط عليهم، معتبرين أن تصريحات المسؤولين "المسيئة" سيكون لها عواقب وخيمة، "ليس فقط على المحامين، وإنما أيضا بالنسبة لحقوق الإنسان".

هيئة "مجتمع القانون" المستقلة (The Law Society)، انتقدت خطاب الحكومة وطالبت تغيير تلك اللهجة، وقال مدير الهيئة سيمون ديفس "توجيه الشتائم إلى المحامين قد يؤدي ليس فقط إلى الإساءة اللفظية، ولكن إلى تعرض المحامين للاعتداء الجسدي بسبب قيامهم بعملهم... كما أن ذلك يقوّض النظام القانوني الذي تطور على مدى قرون عديدة، والذي يساعد على ضمان عدم سوء استخدام السلطة".


وردا على المحامين، قال متحدث باسم الحكومة البريطانية، "نرفض التلميح الأساسي في هذه الرسالة ومن الواضح أن أي شكل من أشكال العنف غير مقبول. يلعب المحامون دورا مهما في دعم القانون وضمان وصول الناس إلى العدالة. ومع ذلك فهم ليسوا في مأمن من النقد".

 

للمزيد