شارك مهاجرون في مظاهرات في مركز "سيتي" في جيب مليلة، للاحتجاج على الاوضاع في المخيم عقب اكتشاف إصابات كورونا فيه وإغلاقه. المصدر: أرسل الصورة مهاجرون
شارك مهاجرون في مظاهرات في مركز "سيتي" في جيب مليلة، للاحتجاج على الاوضاع في المخيم عقب اكتشاف إصابات كورونا فيه وإغلاقه. المصدر: أرسل الصورة مهاجرون

وصل عدد الإصابات بفيروس كورونا بالمغرب إلى ما يناهز ثلاثين ألفا، كما تتحدث التقارير الرسمية عن خسائر اقتصادية ضخمة في القطاعات الحيوية بالبلاد. لكن نادرا ما تصدر أرقام خاصة بأوضاع المهاجرين في بلد تجاوز صفة منطقة عبور، ليأوي آلاف الحالمين بالفردوس الأوروبي.

تسببت فترة الحجر الصحي، في تفاقم صعوبة أوضاع اللاجئين والمهاجرين في المغرب، وزادت خلالها حدة الفقر والهشاشة التي تتسم بها معيشتهم. سواء كانت إقامتهم رسمية أو غير شرعية، فقد كانوا فئة متضررة أكثر من غيرها جراء الظروف التي تسببت فيها الجائحة.

وتفيد مُعطيات حديثة نشرتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالرباط، بأن المغرب يأوي حوالي 11960 لاجئاً وطالب لجوء، ينحدرون من أربعين بلداً عبر العالم. ويؤكد تقرير صدر خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020 عن المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب، أن 90% من اللاجئين بالمملكة فقدوا عملهم إبان فترة الحجر الصحي.

تحكي عائشة دانيوغو لمهاجر نيوز، وهي شابة ثلاثينية من ساحل العاج، قدمت إلى المغرب منذ ثماني سنوات، أنها كانت تتولى رعاية أسرة صغيرة مكوّنة من شقيقيها الأصغر سنا، اعتمادا على عملها في صالون تجميل بالعاصمة المغربية، وتتولى عبر مدخولها أمور الحياة المادية والمعنوية، لكن فترة الحجر الصحي قلبت حياتها رأسا على عقب.

وتضيف عائشة التي تمكنت خلال هذه السنوات من الحصول على بطاقة إقامة، أن الإغلاق الذي شهدته المملكة بسبب كورونا، تسبب في وضعية صعبة فقدت على إثرها عملها، وصارت مهددة بالجوع وبإفراغ محل سكنها رفقة شقيقيها، لولا أن أكبرهما صار يكافح يوميا لجلب قوت اليوم، بينما تستمر هي في البحث عن زبونات في كل مكان يمكن أن تقدم لهن خدمات تجميلية في شوارع الرباط أو منازلهن.

"لم أحصل على أي مساعدة، اكتفيت أنا وأخي البالغ من العمر خمسة وعشرين سنة بمحاولات الحصول على أي مبلغ مهما كان قليلا كل يوم لسد الفجوة المادية المهولة التي خلفها توقفي عن العمل بمركز التجميل، الذي كان مصدرنا الرئيسي للعيش وأيضا مصدرا يعيل أسرتنا في ساحل العاج"، تحكي عائشة لمهاجر نيوز.

ظروف تصفها عائشة بالصعبة، جعلتها تفكر رفقة شقيقيها في مغادرة المغرب نحو بلد جديد، مؤكدة أن التفكير في الأمر مؤلم، لأنهم ألفوا العيش هنا. "لكن الأجواء صعبة والمشاكل كثيرة، فحتى بعد ثماني سنوات من الإقامة والعمل أجد وضعيتي مثل المهاجرين الذين وصلوا منذ أيام فقط"، حسب تعبيرها.

وأضافت "أنا وشقيقاي نفعل كل شيء بمفردنا ونجابه الصعوبات القانونية ومشاكل الحياة اليومية لوحدنا"، مذكرة بالمشاكل التي يواجهون خلال محاولة تجديد الإقامة: "يطلبون منا وثائق لا يمكننا توفيرها مثل عقود العمل، كما أن الكثير من المواطنين لم يتقبلونا بعد وتعاملهم يكون قاسيا جدا. بالإضافة لمشاكلنا مع رجال السلطة الذين يستمرون في مطاردتنا حين اشتغالنا في أعمال بسيطة خاصة في فترة أزمة كورونا"، حسب تعبيرها.

شيك سيلا مهاجر إفريقي مستقر بالمغرب، فقد عمله خلال أزمة كورونا.
شيك سيلا مهاجر إفريقي مستقر بالمغرب، فقد عمله خلال أزمة كورونا.

شيك سيلا، مهاجر ينحدر بدوره من ساحل العاج، كان يعمل أستاذا مساعدا بالمعهد الفرنسي بالرباط، كما أنه استطاع رفقة أصدقائه الاستثمار في مجال التربية والتعليم بإنشاء معهد لغات خاص بالرباط.

"توقف كل شيء فجأة، فقدت عملي بالمعهد الفرنسي، واضطررنا لإقفال معهد اللغات الخاص فصرت دون مصدر رزق أنا وكل العاملين به"، يلخص سيلا وضعيته منذ بداية أزمة كورونا. مذكرا أنه "بعد إعادة فتح المجال أمامنا للعمل، لم نتمكن من إعادة افتتاح المركز لأننا عانينا من ضائقة مادية ولم نتمكن من دفع فواتير الإيجار وغيرها بعد التوقف خلال الحجر الصحي".

وإلى جانب العمل، أمضى سيلا سنوات في العمل التطوعي لفائدة المهاجرين الجدد وأطفالهم، رغبة منه في تقديم يد العون، وقال في هذا الصدد "أقفلت دور الشباب ومقرات الجمعيات حيث كنت متطوعا، كنا عبرها نحرص على توجيههم ومساعدتهم على الاندماج والحصول على الرعاية الأساسية، لكن أزمة كورونا أوقفت كل شيء فصارت مساعدتهم شيئا مستحيلا، وانقطع التواصل مع غالبيتهم، ممن يعيشون ظروفا أصعب منا"، حسب تعبيره.

تحركات نقابية وحقوقية 

من جهته تحدث فرانك إيانغا، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للعمال المهاجرين بالمغرب، عن "جمعيات ومؤسسات قليلة تحركت لإنقاذ المهاجرين واللاجئين المتضررين من الأزمة بالمغرب، بينما لم تستفد هذه الفئة من مساعدات صندوق الدعم الخاص بالفئات الهشة الذي أحدثه المغرب خلال أزمة كورونا بتعليمات من ملك البلاد"، حسب تصريحاته لمهاجر نيوز.

بينما يفسر علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للعمل بالمغرب، أن "توقف أنشطة المهاجرين البسيطة في الاقتصاد غير المهيكل، وظروف سكنهم المعروف بالسكن غير اللائق والاكتظاظ في بيت واحد يعرضهم للإصابة بالفيروس. فضلا عن ضعف المناعة بسبب سوء التغذية أو مطالبتهم بإخلاء المنزل بسبب عدم القدرة على أداء سومة الكراء".

من جانبه، يعتبر إيانغا أن تطلعات سياسة الهجرة الجديدة بالمغرب "لم تسر كما تم التخطيط لها، لذلك يواصل الكثير من المهاجرين محاولات الهجرة من المغرب نحو أوروبا. بينما يفضل البعض الآخر العودة إلى بلدانهم الأصلية بعدما تحول حلمهم إلى كابوس" حسب تعبيره.

فرانك إيانغا ضمن وقفة احتجاجية رفقة أعضاء المنظمة الديموقراطية للعمال المهاجرين بالرباط - المغرب
فرانك إيانغا ضمن وقفة احتجاجية رفقة أعضاء المنظمة الديموقراطية للعمال المهاجرين بالرباط - المغرب

"بصفتنا نقابة عمالية ومدافعة عن حقوق المهاجرين واللاجئين، فقد راسلنا السلطات المعنية لكننا لم نتلق أي رد حول الموضوع. صحيح أن المغرب يتولى قيادة ملف الهجرة في إفريقيا، لكن حلم المهاجرين هنا أصابه اليأس خاصة في هذه الفترة الصعبة" يلخص إيانغا الوضعية.

تجدر الإشارة إلى أن مهاجر نيوز، حاول ربط الاتصال بمهاجرين آخرين من جنسيات أخرى، خاصة منهم السوريون، الذين اعتذروا خوفا من التعاطي مع الموضوع إعلاميا في هذه الفترة.

بدوره يتحدث علي لطفي عن أن "إجراءات السلطات في فرض حالة الطوارئ الصحية، تزيد من تفاقم أوضاعهم فعدم تسليمهم وثائق التنقل يجعلهم يواجهون خطر التوقيف. وعدم تفعيل الاتفاقية المبرمة بين وزارة الصحة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول استفادتهم من بطاقة المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود (الراميد)، يحرمهم من العلاج المجاني وتأمين الحد الأدنى من شروط العيش الكريم".

أعضاء المنظمة الديمقراطية للشغل ضمن وقفة احتجاجية بالعاصمة الرباط حول أوضاع العمال المهاجرين بالمغرب
أعضاء المنظمة الديمقراطية للشغل ضمن وقفة احتجاجية بالعاصمة الرباط حول أوضاع العمال المهاجرين بالمغرب

سياسة المملكة المتقدمة تحدها تعثرات

ويرى علي لطفي أنه "لا يمكن الجزم أن المغرب فشل في سياسة الهجرة بصفة قطعية، لكن يمكن الحديث عن تعتر في مسلسل بناء سياسة إدارية للهجرة واللجوء بشكل عام بالمغرب"، مضيفا أن المنظمة "لاحظت تراجعا في السياسة الحكومية بخصوص ملف الهجرة، بعد إلغاء شؤون الهجرة من الوزارة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، وتراجع المجلس الوطني لحقوق الانسان عن القيام بدوره الرئيسي في تدبير ملف الهجرة".

غير أن منير بنصالح، الكاتب العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) بالمغرب، يقول لمهاجر نيوز، إن "المغرب سن سياسة فريدة في المنطقة مكنت من تسوية الأوضاع الإدارية لفائدة أكثر من 50 ألف مهاجر".

وأشار المتحدث إلى أن "الجميع تأثر بتداعيات خطر تفشي الوباء وإجراءات الحجر، ومن الطبيعي أن يكون المهاجرون كذلك من بين الفئات التي عانت من تداعيات الجائحة"، مذكرا بأن "المجلس قام بمجموعة من الإجراءات لفائدة هذه الفئات، منها "المساهمة بشكل مباشر أو بتعاون مع جمعيات المجتمع المدني في تقديم الدعم لمن هم في وضعية هشة".

وسجل المجلس حسب أمينه العام أن السلطات العمومية كانت خلال فترة الحجر الصحي تعمل على إيواء العديد من المهاجرين وتوفير الحاجيات الأساسية لهم، متحدثا عن أن بعض الأسر المهاجرة استفادت من الدعم الخاص الذي خصصته الدولة. لكن بنصالح يعود ليستدرك أنه رغم هذه الجهود، فالمهاجرون من بين الفئات الأكثر تضررا نتيجة استمرار أزمة كوفيد-19 وتداعياته.

ماجدة بوعزة

 

للمزيد