More than 1,000 migrants reached the Canary Islands, Spain in the last week | Photo: Europa Press / picture-alliance / dpa
More than 1,000 migrants reached the Canary Islands, Spain in the last week | Photo: Europa Press / picture-alliance / dpa

في الوقت الذي انخفضت فيه عمليات عبور البحر الأبيض المتوسط ​​هذا العام، زاد عدد المهاجرين المتوافدين عبر المحيط الأطلسي إلى جزر الكناري الإسبانية سبعة أضعاف تقريبًا مقارنة بالسنة الماضية. وقد أودى الطريق الأطلسي الغادر بحياة أكثر من 400 مهاجر كان حلمه الوصول إلى جزر الكناري هذه السنة، حيث تكافح السلطات معضلة الوباء وتضغط المنظمات غير الحكومية للحصول على مزيد من المساعدة ، بينما بدأ السكان المحليون يفقدون صبرهم.


"عندما يكون البحر هادئًا، نكون متأكدين أنه خلال الـ 24 ساعة التالية، سيتم استقبال قارب آخر"، تحكي جينيس شوب، مسعفة ألمانية تبلغ من العمر 29 عامًا، تطوعت لمساعدة المهاجرين غير الشرعيين المتوافدين على جزر الكناري الإسبانية منذ أغسطس/ آب 2020. في مقابلتها مع صحيفة FAZ الألمانية اليومية، قالت إنها شاهدت منذ تطوعها وصول 15 قاربًا إلى جزيرة "لانزاروت" وحدها.

منذ عام 2006، لم يصل عدد هائل مشابه من المهاجرين الأفارقة إلى الجزر الأطلسية الإسبانية في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن، أي في الأسابيع الأربعة بين 28 سبتمبر/أيلول و 25 أكتوبر/تشرين الأول، فقد وصل ما يقدر بنحو 5200 مهاجرا إلى الجزر، أي ضعف العدد في شهر سبتمبر/أيلول وأكثر من ستة أضعاف ما كان عليه في أغسطس/آب، وفقًا للبيانات التي قدمتها المنظمة الدولية للهجرة (IOM).

بمعنى آخر، وصل أكثر من نصف الأشخاص الذين وصلوا إلى الجزر في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام في شهر أكتوبر/تشرين الأول لوحده. واستحوذت جزر الخالدات على أكثر من 40 في المئة من إجمالي 24 ألف مهاجر وصلوا في إسبانيا بأكملها بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2020، بحسب بيانات المفوضية.

تصل معظم القوارب وعمليات الإنقاذ إلى جزيرة "غراند كناريا"، ثاني أكثر جزر الكناري اكتظاظًا بالسكان بعد "تينيريفي". في منطقة ميناء Arguineguín، وهي قرية صيد صغيرة على الساحل الجنوبي لـ "غراند كناريا"، كان هناك حوالي 1000 من الوافدين الجدد ينتظرون طوال أيام الأسبوع الماضي (بين 19 و25 أكتوبر 2020) للحصول على مكان في مرافق الاستقبال المكتظة.

تقع جزر الكناري الإسبانية، التي تتكون من سبع جزر كبيرة وعدة جزر صغيرة، على بعد حوالي 100 كيلومتر (62 ميلا) غرب الساحل الأفريقي، وتعتبر المغرب ومنطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها من أقرب بلدان البر إليها.

ومعلوم أنها ليست المرة الأولى التي يشهد مسار الهجرة بين إفريقيا وجزر الكناري طفرة كبيرة مثل هذه. ففي عام 2006، وصل 32 ألف مهاجر إلى الجزر. ويقول مراسل "دويتشه فيله" يان فيليب شولتز "منذ ذلك الحين، لم يجرؤ سوى عدد قليل من القوارب على القيام بالرحلة، لكون الطريق يعتبر أخطر معبر في العالم". هذا العام، وصل عدد الوافدين من المهاجرين السرين الأفارقة حتى الآن حوالي 11 ألفا.

مئات الكيلومترات بين مدينة الداخلة عبر شمال الأطلسي إلى جزر الكناري
مئات الكيلومترات بين مدينة الداخلة عبر شمال الأطلسي إلى جزر الكناري

مخيم مؤقت

في الصباح الباكر من يوم الأربعاء (21 أكتوبر/ تشرين الأول 2020)، انضم 300 مهاجر تم إنقاذهم إلى المئات من أصدقائهم الذين كانوا ينتظرون في منطقة "أرغوينغوين". وذكرت وكالة "أسوشيتد برس" في تقرير خاص، أن نساءاً وثلاثة أطفال على الأقل كانوا من بين المتواجدين بالمخيم المؤقت. وكانوا ينامون في خيام الطوارئ التي أقامها الصليب الأحمر، وكثير منهم لم يجد مكانا غير الأرض يفترشها لعدة أيام وبطانية تقيه الطقس البارد ليلا.

بعد الوصول إلى جزر الكناري، يخضع المهاجرون لإجراءات تحديد الهوية ويبقون تحت حراسة الشرطة لمدة ثلاثة أيام كاملة، وفقًا لوكالة "أسوشيتد برس". بعد ذلك "عادة ما يتم نقل الوافدين الجدد إلى مراكز المهاجرين إذا كانوا مؤهلين للترحيل، أو إلى منشآت تديرها مؤسسات غير حكومية، خاصة إذا تقدموا بطلبات لجوء".

وقد منعت الحكومة الإسبانية جميع عمليات النقل تقريبًا إلى البر الرئيسي الإسباني، وبما أن معظم الحدود الدولية مغلقة، فلا يمكن أن تتم عمليات الترحيل، كما لا يمكن للمهاجرين الاستمرار في الوصول إلى دول أوروبية أخرى. ومنذ أكتوبر 2019، سمحت السلطات الإسبانية لألف مهاجر فقط بالسفر لمسافة 1000 كيلومتر تقريبًا إلى البر الرئيسي، معظمهم من النساء والأطفال.

حتى أوائل عام 2020، أعادت إسبانيا العديد من المهاجرين جوا إلى بلدانهم الأصلية، التي أبرمت إسبانيا معها اتفاقيات مماثلة. لكن منذ تفشي الوباء، تم تعليق الرحلات الجوية.

وللتخفيف من حدة الاكتظاظ الحاصل في رصيف ميناء"أرغوينغوين"، تم إرسال بعض المهاجرين إلى فنادق وثكنات عسكرية ومنشآت رياضية خالية. وبحسب وكالة "أسوشييتد برس"، "وصول أكثر من 300 شخص يوميًا، جعل تعامل السلطات مع هذا التدفق صعبا للغاية". وذكرت جريدة Eldiario الإسبانية أن "الحكومة لم تحدث بعد شبكة استقبال قارة، ولم تستهل عمليات النقل السريعة نحو البر الرئيسي لإسبانيا".

خلال عملها في "لانزاروت"، سمعت "جينيس شوب"، المسعفة الألمانية، قصصًا مماثلة حكت بعضها لجريدة FAZ الألمانية، إذ تقول "أفاد المهاجرون الذين استقبلناهم أنهم أبحروا في قوارب تحتوي على 50 إلى 70 شخصًا، لكن عند وصولهم إلى الجزيرة، يتبقى منهم 20 إلى 30 شخصًا فقط داخلها". وتدعم المنظمة الدولية للهجرة هذه الأرقام، إذ تحدد بياناتها الأخيرة أن متوسط ​​عدد الركاب لكل سفينة تصل مؤخرا يبلغ حوالي 20 شخصا.

في أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، وصول ما يقرب من 200 قاربا إلى الأرخبيل. هذه القوارب الخشبية المهترئة، المسماة "باتيراس" باللغة الإسبانية، تحمل عادة ما يصل إلى عشرة أشخاص فقط. وحسب المسعفة شوب "لا نرى سوى القوارب التي تصل إلى هنا، لا أحد يعرف عدد الأشخاص الذين غرقوا من بين الركاب، ولاعدد القوارب التي لم تصل قط".

في أحد زوايا ميناء بارباتي، تتراكم القوارب التي يستخدمها المهاجرون للوصول إلى السواحل الإسبانية.
في أحد زوايا ميناء بارباتي، تتراكم القوارب التي يستخدمها المهاجرون للوصول إلى السواحل الإسبانية.

طريق الموت

أحد الأسباب الرئيسية للعدد التقديري للحالات التي لم يتم الإبلاغ عنها، هو أن مساعدة المهاجرين العالقين بعيدا عن جزر الكناري هو مسعى معقد. عندما يبحر المهاجرون من غينيا، الواقعة على بعد حوالي 2400 كيلومتر إلى الجنوب، ويتمكنون من الإبحار لمسافة طويلة، فعادة ما تفتقر القوارب المكتظة بالوقود والماء والطعام، وفقًا لتقرير جريدة FAZ الألمانية.

كما أفادت الجريدة، أن عددًا متزايدًا من الوافدين ينحدرون من السنغال، التي تشترك في الحدود مع غينيا، ومن بينهم العديد من الصيادين الذين يشتكون من المنافسة الشرسة لأساطيل الصيد الأوروبية في مياههم. كما يأتي المزيد من المهاجرين من المغرب، ويرجع ذلك في الغالب إلى تشديد الدولة مراقبتها الأمنية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ويقول محللون وجماعات حقوقية إن هذا دفع المهربين والمهاجرين إلى المخاطرة بالعبور المحفوف بالمخاطر إلى جزر الخالدات.

ومن مالي، وصلت منذ شهر آب/أغسطس من هذا العام أعدادًا كبيرة من المهاجرين الفارين من الدولة التي مزقتها الحرب، إلى الجزر الإسبانية. وتقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأشخاص القادمين من مالي يشكلون واحداً من كل ثلاثة وافدين. كما ارتفع عدد الأشخاص من منطقة الساحل ومن دول مثل ساحل العاج، وبينهم عدد كبير من النساء والأطفال.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد سفن إنقاذ بحرية خاصة تقوم حاليًا بدوريات قبالة جزر الكناري، على عكس السواحل الليبية. وقالت المسعفة الألمانية شوب في حوارها مع جريدة FAZ "ما يحدث في البحر الأبيض المتوسط ​​هو مأساة كبيرة، لكن يبدو أن الجميع يريد أن يغض الطرف عما يحدث هنا".

ليس من المستغرب أن تكون محاولة الوصول إلى جزر الخالدات أخطر بكثير من محاولة الوصول إلى أوروبا. وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، فإن احتمالات الوفاة عبر هذا الطريق تتضاعف بست مرات، وبينما يموت واحد من كل 100 مهاجر في غرب البحر الأبيض المتوسط​​، يموت واحد من كل 16 ممن حاول عبور المحيط الأطلسي باتجاه جزر الكناري.

كورونا تتعب خدمات الطوارئ

حتى قبل تفشي جائحة الفيروس الفتاك "كورونا"، كانت الزيادة الحادة في وصول القوارب تسبب ضغطا على خدمات الطوارئ في جزر الكناري، إذ كان الفيروس يشكل تحديا إضافيا. وفقًا لجريدة FAZ الألمانية، هناك دائمًا ركاب على متن القوارب مصابين، ويجب وضعهم في الحجر الصحي لمدة 14 يومًا مع رفاقهم.

لكن حتى الفيروس لم يتمكن من وقف تدفق المهاجرين إلى جزر الخالدات. وفقًا لوزارة الداخلية الإسبانية، وصل ما يقرب من 21 ألف شخص إلى الشواطئ الإسبانية حتى الآن هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وقال المتحدث باسم الصليب الأحمر خوسيه رودريغيز فيرونا لموقع Eldiario الإسباني، إنه يتم إخضاع جميع المهاجرين المتوافدين للاختبار الخاص بكوفيد 19، وإذا تم العثور على مصابين، فإن فرض الحجر الصحي يطيل فترة عملية ما قبل اللجوء.

انتقدت منظمات حقوق الإنسان عمل الحكومة بسبب عدم إحراز تقدم في التعامل مع الوباء. كما دعت منظمة كاميناندو فرونتيراس غير الحكومية، إسبانيا إلى تقديم المزيد من الدعم لجزر الكناري، محذرة من أن عدم القيام بذلك قد يؤدي إلى ظروف مشابهة لجزيرة ليسبوس اليونانية.

وقد أججت الأوضاع الحالية استياء السكان المحليين. ففي حين أن الوضع في الأرخبيل ظل سلميًا إلى حد كبير حتى الآن، تعطي اليونان درسا تحذيريا حول ما يحدث عندما يشعر السكان المحليون بأن الحكومة الرئيسية تخلت عليهم، وهو ما تسبب في اشتعال المشاعر المعادية للمهاجرين واشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين المناهضين للاجئين في بداية العام على جزر ليسبوس وخيوس اليونانيتين.

ولم يكن وباء كورونا سببا في الوضع المتوتر في جزر الكناري فقط، بل أدى أيضًا إلى زيادة عدد الوافدين، فوفقًا لمركز الهجرة المختلط(MMC) ، وهو معهد أبحاث مستقل مقره في جنيف، فإن التأثير الاجتماعي والاقتصادي للوباء يزيد من رغبة الأفارقة وحاجتهم إلى الهجرة بالإضافة إلى تقييد مواردهم.

مهاجرين من المغرب، يتم فحص درجة حرارتهم بسبب فيروس كورونا، بعد وصولهم إلى ساحل جزر الكناري.
مهاجرين من المغرب، يتم فحص درجة حرارتهم بسبب فيروس كورونا، بعد وصولهم إلى ساحل جزر الكناري.

ترحيب حكومي

يوم الأربعاء الماضي (21 أكتوبر / تشرين الأول 2020)، قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز أمام البرلمان "علينا أن نفعل أكثر مما قمنا به حتى الآن في جزر الكناري"، حسب ما نقلته وكالة "أسوشييتد بريس". تصريحاته أدلى بها خلال مناقشة لحجب الثقة عن حزب Vox، وهو حزب يميني متطرف "يدعو إلى إعادة كل أولئك الذين يصلون بدون تأشيرات ويرفض جميع المهاجرين المسلمين".

وكان الحزب المذكور، قد قدم مقترحا لطرد سانشيز. وقال زعيم الحزب سانتياغو أباسكال، إن "سياسات الهجرة يجب أن تخضع لمصالح إسبانيا الاقتصادية وقدرة المهاجرين وإرادتهم على الاندماج".

ودافع سانشيز عن كيفية تعامل ائتلافه اليساري مع الهجرة، واقتبس كلام البابا فرانسيس، الذي سبق أن دعا إلى "الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم وتعزيز دمجهم".

بينجامين باثك/ ترجمة: ماجدة بوعزة

 

للمزيد

Webpack App