عامر الطائي
عامر الطائي

فضل الكثير من العراقيين الاغتراب بعيدا عن بلادهم بسبب الأوضاع التي يعيشها منذ سنوات. وعامر الطائي أحد هؤلاء الشباب الذي قرر في 2010 مغادرة بلاده إلى إيطاليا حتى إشعار آخر، جراء النعرات الطائفية التي استفحلت في المجتمع في الأعوام الأخيرة. تخرج مهندسا في مجال النفط في 2014 من إحدى الجامعات بتورينو، وهو يحضر اليوم دكتوراه في نفس التخصص.


الحياة في بغداد لا تسير بشكل طبيعي، وعادة ما تتخللها أعمال عنف مختلفة إضافة إلى تغلل النعرة الطائفية في المجتمع، والذي تكون ضحيته الأقليات، عاش عامر الطائي، المسلم السني، تفاصيلها سواء كطالب أو كموظف في الجامعة.


بين عامي 2005 و2007 تأزم الوضع كثيرا في العراق عموما وبغداد على الخصوص، وكان الطائي يعبر بغداد من شرقها إلى غربها للالتحاق بالجامعة، مشوار محفوف بالكثير من المخاطر وسط التفجيرات المتوالية التي ظلت تهز بغداد، وتسببت في سقوط المئات من الضحايا.


ويحكي الطائي أنه في إحدى المرات وقع تفجير، قتل فيه 20 طالبا، ومرت إحدى شظاياها بالقرب منه، فهو يؤكد أنه لم يتعرض للمساءلة ولم يصب يوما، إلا أنه كان يشعر باستمرار أن حياته كانت مهددة.


"التمييز الطائفي"


وإن كان الوضع الأمني في بغداد بدأ يتحسن بعد تخرجه في 2007، إلا أن التعصب الطائفي ظل حاضرا بقوة بين جدران المؤسسات العمومية بما فيها الجامعات. ففي 2008 بدأ العمل في نفس الجامعة التي درس بها كموظف، لكن الجو لم يكن مناسبا بالنسبة له للعمل بالمرة، بسبب ما أسماه "التمييز الطائفي".


تحدث الطائي كثيرا عن أشكال هذا التمييز خلف جدران الجامعة، والأثر السيء الذي تركه بداخله، كممارسة تفضل الانتماء الطائفي على حساب الكفاءة، بدل أن يستغل هذا "التنوع في بناء المجتمع"، فهو يوظف كمعاول لـ"تخريبه وهدمه"، حسب الباحث في المجال النفطي.


الرحيل إلى إيطاليا


كل هذه الأوضاع دفعته إلى التفكير في الرحيل بعيدا عن بلاده، والوجهة هي أوروبا. رفض ركوب البحر والالتجاء إلى المهربين للهجرة. واختار أن يتقدم بطلب متابعة دراسته لإحدى الجامعات الإيطالية في تورينو، فتم قبوله لينتقل إلى هناك في صيف 2010.


تحرج من نفس الجامعة كمهندس نفط في 2014، وفي نفس العام تمكن من تسوية وضعيته ليحصل على الإقامة كلاجئ، ثم عمل لفترة تجريبية لمدة ستة أشهر، لكن الأزمة الاقتصادية دفعت بالشركة المشغلة له بتسريح العديد من العاملين، كان اسمه ضمنهم.


ورغم ذلك، يرفض ما يردده من يصفهم بـ"الضعفاء" الذين يبررون فشلهم بأنه بسبب التمييز في أوروبا، فهو يرى أن "الأبواب تبقى مفتوحة في وجه المجدين وأصحاب الكفاءة، وإن كان الانتظار يبدو طويلا، إلا أنه بالنهاية يمكن للشخص أن ينال مراده بالصبر الجميل"، على حد تعبيره.


وهذا لا يعني أنه توصل إلى ما يصبو إليه، فالطريق يبدو أمامه شاقا، وهو في كامل الوعي بذلك، لأنه "في أوروبا أصبح من الصعب الحصول على عمل قار"، لكن الكل يحظى بنعمة "الأمان"، وهو ما افتقده في العراق رغم أنه كان يتوفر على جميع "مستلزمات الحياة السعيدة من عمل ثابت وسيارة ومنزل".


فضل الطائي في الوقت الحالي التركيز على الدراسة لنيل شهادة الدكتوراه حول علوم التكنولوجيا والفيزياء والكيمياء وعلم المواد، وبموازاة ذلك يمارس التحكيم في رياضة كرة القدم كعاشق للعبة.


ولا يخفي ما للرياضة من دور في عملية الاندماج، فهي تسمح بنسج علاقات مع "جميع فئات المجتمع". ويؤكد أنه يعيش "التعدد الثقافي يوميا من خلال الرياضة في الشارع، في الجامعة"، فيما يظل محافظا على "أمل" العودة إلى بلاده، وإن "كان واقع الحال يقول لا رجوع وشيك لأرض الوطن" بالنسبة له.


بوعلام غبشي

 

للمزيد