أكثر من ألفي مهاجر يعيشون في مخيم مؤقت في ميناء أرغوينيغين، في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي/مهاجر نيوز
أكثر من ألفي مهاجر يعيشون في مخيم مؤقت في ميناء أرغوينيغين، في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي/مهاجر نيوز

شهد أرخبيل الكناري الإسباني، الواقع في المحيط الأطلسي قبالة السواحل المغربية، ارتفاعا ملحوظا بأعداد المهاجرين الوافدين خلال 2020، وخاصة خلال النصف الأول من شهر تشرين الثاني\نوفمبر الحالي. فريق مهاجر نيوز توجه إلى جزيرة غران كناريا، الجزيرة الأكثر استقبالا للمهاجرين في الأرخبيل، لينقل مشاهداته حول حقيقة الوضع هناك، وما تقوم به السلطات المحلية والحكومية لمعالجة الأزمة.

جزر الكناري، وجهة سياحية بامتياز للكثير من الناس، خاصة للأوروبيين سكان المناطق الشمالية للقارة. موقع الأرخبيل الإسباني جعله مناسبا لاستقطاب الباحثين عن قضاء بعض الوقت، بعيدا من هموم الحياة اليومية والبرد المسيطر على معظم أيام السنة لديهم.

هذه هي الصورة العامة المصاحبة لمجموعة الجزر الواقعة في المحيط الأطلسي، قبالة السواحل المغربية. إلا أن هذه الصورة التي تقدمنا بها لا تعبر عن واقع الحال الآن هنا. فقد أدت جائحة كورونا، التي عصفت ببلدان الكرة الأرضية، إلى تراجع النشاط السياحي بشكل دراماتيكي في الأرخبيل، الأمر الذي دفع بالرواد المعتادين إلى عدم زيارته هذا العام. أمر آخر يسيطر على المشهد في الجزر، التي باتت معظم فنادقها خالية، وهو تدفق المهاجرين القادمين من دول الساحل الغربي للقارة الأفريقية ومن المغرب على شواطئها.

جزيرة غران كناريا، الأهم بين جزر الأرخبيل كونها تحوي معظم المراكز الإدارية والحكومية والخدماتية لسكان الجزر، شهدت تدفق العدد الأكبر من هؤلاء المهاجرين على مدى الأشهر الثلاثة الماضية.

ميناء أرغوينيغين، أحد الموانئ الرئيسية على الجزيرة، بات يستقبل مخيما مؤقتا للمهاجرين على أحد أرصفته. أكثر من ألفي مهاجر، من السنغال ومالي وموريتانيا والمغرب، يقيمون حاليا في مساحة لا تتعدى الـ 400 مترب مربع، خصصتها السلطات كمركز استقبال أولي قبل أن يتم توزيع المهاجرين على مراكز الاستقبال الدائمة في الجزيرة.

يشرف الصليب الأحمر الإسباني على إدارة شؤون المخيم اليومية، كتأمين الطعام والشراب ومياه الاغتسال وما إلى ذلك من الاحتياجات اليومية هناك. وتقوم الشرطة "بتأمين" محيط المخيم، بحيث يمنع على أي كان الدخول إلى المخيم أو الخروج منه إلى بأمر منها.

أكثر من ألفي مهاجر يعيشون في مخيم مؤقت في ميناء أرغوينيغين، في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي/مهاجر نيوز
أكثر من ألفي مهاجر يعيشون في مخيم مؤقت في ميناء أرغوينيغين، في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي/مهاجر نيوز


حتى الآن يبدو الوضع طبيعيا مقارنة بأي مركز استقبال وتسجيل أولي على أي جزيرة أوروبية أخرى. لكن الأحداث التي وقعت على الجزيرة مؤخرا ألقت الضوء على واقع مغاير للصورة النمطية التي قد يكونها المرء عن ذلك المخيم أو أوضاع المهاجرين هناك.

داخل المخيم ما من حمامات أو نقاط اغتسال كافية للجميع، الطعام متوفر ولكنه لا يتعدى الثلاثة سندويتشات يوميا للفرد. المهاجرون لا يغتسلون إلى بمعدل مرة واحدة أسبوعيا، ومعظمهم يبيتون بالعراء، بلا أغطية فوقهم أو فراش تحتهم.

للمزيد >>>> الحكومة الإسبانية: " جزر الكناري ليست ليسبوس جديدة"

"مخيم العار"

أوناليا بوينو، عمدة مدينة موغان التي يقع المرفأ ضمن نطاقها الجغرافي، قالت لمهاجر نيوز خلال حديث معها بالقرب من ميناء الصيادين على المرفأ "هناك مشكلة كبيرة هنا، مشكلة تقنية وتنسيقية. هذا المخيم حصل هنا على الجزيرة على لقب ‘مخيم العار‘. ما من شيء يحصل هنا يعبر عن الصورة الحقيقية لإسبانيا أو لأوروبا". كانت العمدة تتحدث ببعض الانفعال الناتج عن الاستياء من طريقة إدارة الحكومة الإسبانية لملف المهاجرين على الجزيرة.

"لدينا هنا 2170 مهاجرا، نحو 70 منهم مصابون بفيروس كورونا. الظروف بالداخل سيئة للغاية، المخيم يفتقد لأدنى شروط النظافة، والمهاجرون يعانون من معاملة غير إنسانية مطلقا"، أضافت العمدة. وأوردت "الظروف المعيشية اليومية غير لائقة بتاتا. يتم التعامل مع المهاجرين كأنهم بضائع وليسوا بشراً باحتياجات وأولويات. كما بتم تعلمون حاليا، ما من مساحات كافية للجميع (خاصة في ظل جائحة كورونا). نحاول كسلطات محلية القيام بواجباتنا تجاه المهاجرين، ولكن إمكانياتنا محدودة جدا".

أوناليا بوينو، عمدة مدينة موغان التي يقع مرفأ أرغوينيغين ضمن نطاقها الجغرافي. المصدر: شريف بيبي\مهاجر نيوز
أوناليا بوينو، عمدة مدينة موغان التي يقع مرفأ أرغوينيغين ضمن نطاقها الجغرافي. المصدر: شريف بيبي\مهاجر نيوز


وشددت العمدة على أن الأعداد كبيرة جدا، والوضع بحاجة لتدخل مباشر من الحكومة في مدريد. "بصراحة، شعرنا ببعض التفاؤل حين أعلن الجيش عزمه بناء مخيم هنا في غران كناريا لإيواء المهاجرين، لكن حتى الآن بناء المخيم لم ينته، لم يتم نقل أحد إلى هناك... الحكومة قدمت الكثير من الوعود مؤخرا، إلا أنها حتى الآن لم تقدم على تنفيذ وعد أو طرح واحد. بإمكان الوزارات المتعددة التنسيق فيما بينها لفتح المراكز والمقرات الحكومية التابعة لها هنا ومنح هؤلاء المهاجرين فرصة ليتمتعوا ببعض الكرامة، فضلا عن منح السكان المحليين أملا بأنهم قادرون على اتخاذ قرارات هم بحاجة إليها. إلا أنهم (الوزراء) لم يتمكنوا حتى الآن من الاتفاق على آلية موحدة لمواجهة الأزمة".

"على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها"

وذكرت بوينو أنه حتى الآن "زار المخيم ثلاثة وزراء مختلفين، وكل منهم كان يقول أن الوضع غير مقبول وأنه يحتاج لعلاج جدي. لم يقوموا بشيء حتى اللحظة. في 2006، شهدنا وفود نحو 36 ألف مهاجر، حينها عملت الحكومة بتنسيق كامل بين وزاراتها واحتوت الأزمة، اليوم لم نر شيئا من هذا. لم أكن لأتوقع من حكومة تدعي التقدمية وحرصها على حقوق الإنسان أن تتصرف بهذه الطريقة".

العمدة مدركة تماما لأبعاد الأزمة والمخاطر التي قد تترتب عنها، وأولها العبء الاقتصادي الذي لن يتمكن الأرخبيل من تحمله. "هناك أصوات في صفوف السكان المحليين بدأت بالتململ من الوضع الحالي. أحاول أن أتوجه إليهم دوما بالقول بأن الأزمة ليست دائمة وأنها أزمة إنسانية. ما من مشاعر معادية للمهاجرين هنا في أوساط السكان، لكنهم بدأوا يشعرون بالحمل الثقيل وأثر الأزمة على نشاطهم الاقتصادي".

وختمت العمدة قائلة إنها تتوقع من الحكومة أن تعمل على إنهاء هذا الوضع، "أتوقع منهم أن يعطوا إشارة للجيش للانتهاء من بناء المخيم ليتسنى نقل المهاجرين إليه. أعلم أنه ليس حلا مثاليا، ولكنهم هناك سيكونون في ظروف أفضل من الميناء، هذا مؤكد. على الحكومة أن تستفيد من التجربة التي خضناها في 2006 ونقل المهاجرين فورا إلى المنشآت التي يجب على الجيش توفيرها".

"نشاطنا نحن الصيادين هنا فقد تأثر كثيرا بوجود هذا المخيم هنا"

أثناء تواجدنا على رصيف الميناء، التقينا بريكاردو أورتيغا سانتانا، وهو رئيس تجمع محلي لصيادي الأسماك. بسحنة سمراء وبشرة متجعدة ويدين تظهر عليهما آثار حبال شباك الصيد، يتحدث الرجل ويشير باتجاه موقع مخيم المهاجرين، "نحن لسنا ضدهم أبدا، نعلم أن ما مروا به لا يمكن تحمله وأنهم يبحثون عن حياة أفضل. لكننا هنا أيضا نحاول تحصيل حياة أفضل. الوضع على الجزر ليس كما قد يتخيله الكثيرون، اقتصادنا يعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات والسياحة، وهذا تأثر بشكل كبير بفعل كورونا. أما نشاطنا كصيادين، فقد تأثر كثيرا بوجود هذا المخيم هنا. لم يعد بإمكان قواربنا أن تبحر بحرية".

وشدد سانتانا على أنه ما من مشاعر معادية للمهاجرين على الجزيرة، "ولكننا سئمنا تحمل هذا الوضع. نحن أيضا فقراء ونحتاج لرعاية. على الحكومة الحالية أن تقوم بشيء جذري قريبا. بالنسبة لي، في الانتخابات القادمة، سأصوت لليمين ولن أعطي صوتي للحكومة الحالية، على الرغم من تباين أفكاري مع اليمين، لكنهم لم يتركوا لي وللكثيرين غيري من خيار آخر".

وكان سانتانا قد خرج بمظاهرة قبل نحو أسبوع تطالب بإيجاد حل للمهاجرين على الجزيرة، "لا نريد أن نكون فقراء بمواجهة فقراء، هذا لا يصح. على من هم بمراكز القرار أن يجدوا حلا".

للمزيد >>>> جزر الكناري: وصول 2000 مهاجر في 48 ساعة

مظاهرة داعمة

في المقابل، خرج متظاهرون السبت الماضي في جزيرة غران كناريا مطالبين بتحسين الظروف المعيشية للمهاجرين القابعين في المخيم في ميناء أرغينيغين.

مهاجرون مغاربة شهدوا على المظاهرة التي وصفوها بأنها أعادت الطمأنينة إلى قلوبهم بعد أن سمعوا بارتفاع نسبة المعارضة لوجودهم على الجزيرة في صفوف السكان المحليين.

أحمد وماجد، مهاجران مغربيان صحراويان يبلغ كل منهما 20 عاما، قالا لمهاجر نيوز إنهما حتى الآن لم يواجها أي متاعب، "الناس هنا لطفاء، كثيرون يساعدونا بشكل تلقائي. لم نلحظ أي نوع من العداء تجاهنا، حتى من الشرطة، على عكس المعاملة التي لقيها الكثيرون في المخيم على الميناء عند وصولهم هنا".

بالنسبة لماجد، الذي مضى على وصوله إلى الغران كناريا سبعة أشهر، الأوضاع هنا "أفضل من المغرب. هنا نعيش بسلام، لا نشعر بالحاجة لتبرير أنفسنا أمام الناس وأمام الشرطة بشكل دائم. أشعر بأنني سأتمكن من تحقيق مستقبل جيد في إسبانيا، فالفرص هنا كثيرة للجادين الذين يريدون تطوير أنفسهم".

تمكن ماجد من إتقان الإسبانية إلى حد ما خلال الأشهر السبعة التي قضاها على الجزيرة، حتى أنه يساعد مهاجرين آخرين في ترجمة الأوراق التي تصلهم من الدوائر الرسمية.

"لا نريد العودة إلى المغرب"

غير بعيد عن الشابين، قبالة أحد الشواطئ العمومية على الجزيرة، يجلس أحمد ومعز وخطيب وعلي وغيرهم من المهاجرين المغاربة على الجزيرة.

جميع هؤلاء الشبان يقيمون ضمن الفنادق التي استأجرتها الحكومة لإيواء الأعداد المتزايدة من المهاجرين. لم يشهد أي من الشبان الأربعة على أي معاملة سلبية منذ وصولهم إلى الجزيرة، فكافة تجاربهم كانت إيجابية سواء مع السكان أو مع الشرطة. لكن الهاجس الوحيد الذي يسيطر عليهم هو إعادتهم إلى المغرب. ويقول معز "لا نريد العودة إلى المغرب، ما من شيء نقوم به هناك. الاقتصاد منهار ونحن منهارون، هنا سنتمكن من أن نكون مفيدين. جميعنا مستعد للقيام بأقصى ما لديه ليثبت أننا أهل للإقامة في هذه البلاد. فقط نتمنى أن ينظروا إلى قضايانا بشكل جدي ويتيحوا لنا البقاء هنا".

"هل تريدون رميهم في البحر؟"

كالفين لوكوك، مدير مجموعة من الفنادق على الجزيرة، استأجرت الحكومة أحدها منه لإيواء عدد من المهاجرين الأفارقة فيه. يقول كالفين إن تلك التجربة أثرت فيه بشكل خاص. "لا أعرف أيا من المهاجرين هنا من قبل، ولكن الآن تجمعنا علاقة جيدة جدا بمعظمهم".

صورة أحد الفنادق التي استأجرتها الحكومة لإيواء المهاجرين في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي\مهاجر نيوز
صورة أحد الفنادق التي استأجرتها الحكومة لإيواء المهاجرين في جزر الكناري. المصدر: شريف بيبي\مهاجر نيوز


وحول واقع أنه الآن لا يمكنه استقبال السياح في ذلك الفندق، قال "حاليا ما من موسم سياحي، في هذا الفندق كان لدي نحو 90 موظفا. قبل أن يأتي المهاجرون اضطررت لإيقافهم جميعا عن العمل، فلم يكن هناك سياح. ولكن بعد أن جاء المهاجرون وتكفلت بهم الحكومة، تمكنت من إعادة 75 منهم إلى العمل. بالنسبة لي هذا أمر جيد... علينا جميعا أن نعي أننا أمام واجب إنساني هنا. عاجلا أم آجلا ستعود الأعمال لسابق عهدها، لكن حاليا علي القيام بواجبي، علي تأمين حياة لائقة لهؤلاء المساكين".

واستغرب مدير الفندق بعض الدعوات التي تطالب بنقل المهاجرين من هنا، سائلا أصحابه "هم الآن هنا، ومازالوا يجيئون، ما الذي تريدونه؟ هل تريدون رميهم في البحر؟ هذا لا يجوز مطلقا".

"فقراء مقابل فقراء"

خافيير بولوس، صحفي مستقل مقيم على جزيرة غران كناريا، قال لمهاجر نيوز إن مشاعر الضيق باتت تسيطر شيئا فشيئا على السكان المحليين. "اقتصاد الجزيرة يعتمد بنسبة كبيرة على السياحة، ومع تعطل الموسم هذا العام، آثرت الحكومة أن تستأجر بعض الفنادق هنا لتستقبل عددا من المهاجرين. حاليا هناك نحو خمسة آلاف مهاجر يقيمون في تلك الفنادق".

وأضاف "خلال فترة عملي كمصور صحفي، شهدت على الكثير من الأحداث هنا، كوصول المهاجرين إلى الشاطئ ومعاملة الناس لهم والعنف الذي تعرض له بعضهم من قبل الشرطة، شهدت ذلك كله إلى أن صورت المظاهرة التي طالب بها سكان محليون بإجلاء المهاجرين. هنا تملكني خوف شديد من أن يتحول الموضوع إلى مواجهة بين سكان الجزيرة والمهاجرين، فقراء مقابل فقراء، هذا هو رأس الوحش الذي يجب علينا محاربته".

ووفقا للأرقام الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية، تعتبر طريق الهجرة عبر الأطلسي الأخطر حاليا، مع نسب وفيات بلغت حالة واحدة مقابل كل 24 مهاجرا، مقابل حالة مقابل كل 98 مهاجرا على الطريق إلى اليونان وحالة مقابل كل 145 مهاجرا عند مضيق جبل طارق.

ومع ارتفاع المخاطر الناجمة عن عبور تلك الطريق، إلا أنه يبدو أن المهاجرين مصرين على استخدامها. فوفقا للأرقام الرسمية، وصل خمسة آلاف مهاجر خلال النصف الأول من تشرين الثاني\نوفمبر الحالي.

 

للمزيد