يعاني المهاجرون في المخيم القائم على رصيف أرغينيغين على جزيرة غران كناريا من ظروف معيشية صعبة للغاية. الصورة: خافيير بولوز/مهاجر نيوز
يعاني المهاجرون في المخيم القائم على رصيف أرغينيغين على جزيرة غران كناريا من ظروف معيشية صعبة للغاية. الصورة: خافيير بولوز/مهاجر نيوز

تعالت الأصوات مؤخرا على جزر الكناري للمطالبة بإيجاد حلول سريعة لأزمة الهجرة التي شهدها الأرخبيل الإسباني خلال الأسابيع الأخيرة. قضاة وصحافيون ومنظمات غير حكومية، أجمعوا على أن طريقة إدارة تلك الأزمة حاليا "غير مجدية"، وعلى الحكومة اتخاذ قرارات فعالة أكثر.

تصاعدت مؤخرا على أرخبيل الكناري الإسباني، الأصوات المنددة بوضع المهاجرين الحالي هناك، خاصة بعد موجة الهجرة التي شهدتها الجزر خلال الأشهر الثلاثة الماضية. شخصيات من مختلف التوجهات والخلفيات أدلت بآرائها في هذا الموضوع، والإجماع العام كان أن إدارة الأزمة سيئة.

مهاجر نيوز التقى بالقاضي أركاديو دياس تيغيرا، في مكتبه في قصر العدل الكائن في مدينة لاس بالماس.

تيغيرا قاض في مركز الاحتجاز الإداري للمهاجرين في جزيرة غران كناريا، وهو أحد أشد المنتقدين لأداء حكومة بلاده فيما يتعلق بإدارة أزمة الهجرة، خاصة في الأرخبيل.

للمزيد >>>> المهاجرون في غران كناريا الإسبانية.. رحلة البحث عن نهاية سعيدة

"احتجاز المهاجرين على رصيف ميناء أرغينيغين غير قانوني"

يبدأ القاضي حديثه بشكل مباشر عن المخيم القائم على رصيف ميناء أرغينيغين، "وفقا للقانون، على المهاجرين الانتظار في مركز استقبال مغلق مدة 72 ساعة لحظة وصولهم. لاحقا يتم إخضاعهم لفحص كورونا. من تثبت إصابته ينقل للحجر الصحي، والآخرين يخضعون للحجر ولكن لمدة أقل". هذا بالنسبة إلى الإجراءات التلقائية الواجب اتخاذها، أما واقع الأمر مختلف، "حاليا، تستمر السلطات باحتجاز المهاجرين في المخيم على الميناء، كان من المفترض نقلهم إلى مركز استقبال. مضى على وجودهم أكثر من 72 ساعة، من غير القانوني إبقاؤهم هناك".

وأبدى القاضي قلقه لناحية الظروف المحيطة باحتجاز المهاجرين في تلك الظروف "الوضع غير قانوني، هناك اكتظاظ كبير. من الصعب الفصل مثلا بين من هم مصابين بالفيروس وغيرهم. أضف إلى ذلك وجود مهاجرين على الرصيف منذ أربعة أو خمسة أشهر، لا يأكلون سوى ثلاث سندويشات يوميا، ولم يغيروا ملابسهم منذ تاريخ وصولهم".

القاضي أركاديو دياس تيغيرا، والذي يعمل في مركز الاحتجاز الإداري للمهاجرين في جزيرة غران كناريا,
القاضي أركاديو دياس تيغيرا، والذي يعمل في مركز الاحتجاز الإداري للمهاجرين في جزيرة غران كناريا,


هذا فيما يتعلق بالأوضاع الإنسانية داخل المخيم، أما لناحية الإجراءات الحكومية المتخذة في هذا الصدد، يقول القاضي "ما من إجراء حقيقي أو خطة ملموسة. برأيي، للحد من موجات الهجرة، علينا الاستثمار في الدول التي يأتي منها المهاجرون مثل المغرب. علينا أن نتوصل لاتفاقات متبادلة، كما حصل في 2006. علينا أن نساهم في منعهم من المغادرة بهذا الشكل والمخاطرة بحياتهم. يجب أن نرفع الجهوزية الأمنية في الأطلسي كي لا يتحول إلى مقبرة كبيرة".

"التحجج بكورونا... عذر أقبح من ذنب"

وأضاف "في 2006، قام الجيش ببناء مخيمات احتوت آلاف المهاجرين خلال ساعات، هذا شيء قمنا به قبل 14 عاما، لماذا لا نقوم بشيء مشابه الآن؟ إنها إدارة سيئة للأزمة... ربما يتعمد المسؤولون المنتخبون ترك الوضع على ما هو عليه، ربما يريدون إيصال رسالة للمهاجرين بأنهم غير مرحب بهم وأنهم لا يجدر بهم المجيء إلى هنا، ربما تكون هذه مقاربتهم للموضوع، التي هي برأيي مثيرة للسخرية".

لم يخف القاضي انتقاداته للإجراءات الحكومية وللخطوات التي اتبعتها حتى الآن، فبالنسبة إليه، لا يمكن وصف كيفية التعامل مع المهاجرين سوى بالتصرف الـ"سادي". وحول رؤيته للحل قال "يجب إخلاء المرفأ فورا وتوزيع المهاجرين على مراكز استقبال. وإن كان منهم من لا يحق له طلب اللجوء، فيجب ألا تطول فترة احتجازه قبل ترحيله عن ثلاثة أيام".

وأورد "هناك من يتحجج بجائحة كورونا، وأنه يمكن للمهاجرين نقل الفيروس بسرعة كبيرة للسكان المحليين. هذا عذر أقبح من ذنب. عدد كبير من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي أكدوا لي أن نتائج فحوصات كورونا تصبح جاهزة بعد فترة أقصاها 48 ساعة. إذا كانت تلك الآلية متاحة، لماذا يستمرون بإغلاق الأبواب على أكثر من ألفي شخص على الميناء في مساحة لا تتعدى الـ 400 متر مربع؟".

وذكر القاضي أن مركز الاحتجاز مغلق الآن بسبب إجراءات مكافحة وباء كورونا، "مركز الاحتجاز المعدّ لما قبل الترحيل خال الآن، من المستحيل ترحيل أحد فحدود كافة البلدان مغلقة، إلا مع موريتانيا، وهذه قصة أخرى. وتجدر الإشارة هنا إلى بند في القانون ينص على أنه إذا استحال ترحيل المهاجر خلال فترة 60 يوما، يمكنه الخروج من مركز الاحتجاز وطلب اللجوء بشكل طبيعي".

الفنادق التي يتم نقل المهاجرين إليها في الجزيرة.
الفنادق التي يتم نقل المهاجرين إليها في الجزيرة.


"أزمة الهجرة لم تكن من أولويات الحكومة"

آراء هذا القاضي لا تختلف كثيرا عما سمعناه لدى المنظمات غير الحكومية المحلية. منظمات ترى بمعظمها أن ما تقوم به السلطات غير كاف وأن أوضاع المهاجرين في الأرخبيل في تدهور مستمر.

شيما سانتانا، المتحدث باسم منظمة "المفوضية الإسبانية لمساعدة المهاجرين" غير الحكومية (CEAR)، قال لمهاجر نيوز إن الوضع على المرفأ "غير إنساني، إنه وضع منحرف وغير طبيعي. لا يمكن لأي كان أن يقول بأن حالة الطوارئ هي التي تفرض ذلك، هذا لا يجوز، لقد مضى على إنشاء ذلك المخيم أشهر الآن".

ووفقا للناشط الاجتماعي، المهاجرون يمضون وقتا طويلا في ذلك المخيم، "إنه أسوأ ما شهدناه هنا منذ 25 عاما. لم تكن أزمة الهجرة هنا من أولويات الحكومة بسبب الجائحة، لكنها الآن باتت تحتاج لاهتمام خاص من السلطات، خاصة مع تبعات هذه الأزمة على مستوى المهاجرين والسكان المحليين في آن معا".

للمزيد >>>> في ظل ركود اقتصادي حاد وارتفاع بأعداد المهاجرين الوافدين.. كيف تبدو الصورة في جزر الكناري الإسبانية؟

"على الحكومات الأوروبية معاملتنا كمواطنين أوروبيين لا كسكان جزر أوروبية"

ويضيف "هناك انحدار في مستوى احترام حقوق المهاجرين، وحقوق السكان المحليين على السواء. يمكن للأرخبيل أن يكون مكانا مضيافا إذا تم نقل للمهاجرين إلى البر الرئيسي. ولكن بغياب سياسة هجرة شفافة، سيتحول الوضع خاصة بالنسبة إلى السكان المحليين إلى كارثة".

وحمّل سانتانا الحكومات الأوروبية الجزء الرئيسي من "التقصير" الحاصل بملف معالجة أزمة الهجرة على الجزر الأوروبية عامة، "هناك شيء مشترك بين الجزر الأوروبية، جميعنا أقرب إلى الدول المصدرة للمهاجرين من دول المقصد. أشعر وكأنهم (الحكومات) يريدون تحويل الجزر إلى جدران أو سجون لاحتواء المهاجرين. لا نريد أن نكون كذلك، أو أن نلعب دور الشرطي، هنا أوروبا وعلى الحكومات الأوروبية معاملتنا كمواطنين أوروبيين لا كسكان جزر أوروبية".

وحفظ سانتانا للحكومة الإسبانية نيتها إيجاد حلول لهؤلاء المهاجرين، "ولكن كافة الخطط الموضوعة فيها الكثير من الثغرات. المخيم على المرفأ، الفنادق، المخيم الذي بناه الجيش، كل هذه محطات مرحلية لا يمكنها أن تستمر للأبد. بعد فترة سيكون على الحكومة إخراج المهاجرين من الفنادق وإغلاق مخيم الميناء، حينها ما العمل؟ ما هي الخطة الموضوعة لمواجهة ذلك؟".

وشدد على أن المهاجرين قادمين من دول تعرضت اقتصاداتها للتدمير، فضلا عن التغير المناخي الذي أدى إلى تصحر أجزاء كبيرة منها. "لا يمكننا إبعادهم وأن نقول لهم لا يمكنكم المجيء. يجب إيجاد حلول بديلة".

حلول بديلة" يبدو أنها غير متوفرة حتى الآن. على جزر الكناري، كما على جزر أوروبية أخرى، تتفاقم أزمة الهجرة في ظل أزمة صحية واقتصادية لا حلول لها، هي الأخرى، في الأفق القريب.

 

للمزيد